www.drzak.net

 

الإباضـــية

تاريخ ومنهج ومبادئ

 

زكريا بن خليفة المحرمي


 

مقدمة

نشأة المدرسة الإباضية

أماكن انتشار المذهب الإباضي

المبادئ السياسية

كيفية تعامل الفكر الإباضي مع الظلم

المبادئ العقدية

نفي التشبيه والتجسيم

نفي رؤية المخلوق للخالق

الموقف من الآيات المتشابهات

المبادئ الاجتماعية

خلود صاحب الكبيرة في النار

وجوب البراءة من صاحب الكبيرة

الموقف من التصوف

القضاء والقدر

بعض المميزات الفقهية

الموقف من الفتن والملاحم

نزول المسيح

المسيح الدجال والمهدي

الميزان

الصراط

الخلاصة

 


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمـة

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد ومن اتبع هداه إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا مختصر لأهم مبادئ المدرسة الفكرية الإسلامية الإباضية، وقد دفعني إلى كتابتها جهل أكثر أفراد الأمة بهذه المدرسة العريقة، فقررت كتابة مختصر للتعريف بها، وتوضيح تاريخ نشأتها وأئمتها المؤسسين، وبيان مبادئها السياسية والعقدية والفقهية، وتبين موقفها من بعض القضايا المتداولة في الساحة الفكرية الإسلامية.

لقد حاولت قدر الإمكان تبسيط موضوع الكتاب حتى يكون في متناول القراء من جميع الأطياف، بدأ برجل الشارع الذي يكتفي بالخبر العابر والمعلومة الجاهزة السريعة، ومروراً بطلبة العلم المجدّين الذين سيجدون في الكتاب ملخصاً وجيزاً بأهم المبادئ الإباضية راجياً أن يفيدهم في دراساتهم المقارنة، وانتهاءاً بالعلماء المحققين الذين سيكتشفون فيه طرائق استدلال الإباضية والتعرف على منهجهم في التعامل مع القضايا المختلفة وفق منظومة القواعد الكلّية المستلهمة من الكتاب المسطور "القرآن الكريم"، والكتاب المنظور "الكون"، والسنة المجتمع عليها بين مدارس الأمة.

واسأل الله تعالى أن يعيننا على الخير وأن يجعل هذا العمل قربة إلى جلاله ووسيلة إلى مرضاته إنه هو السميع العليم.


عودة إلى القائمة

 

نشأة المدرسة الإباضية

 

تعتبر المدرسة الإباضية أقدم المدارس الإسلامية تبلوراً وتمايزاً في تاريخ الأمة، حيث لم تستطع بقية المدارس صياغة مناهجها المستقلة إلا في فترات لاحقة، فمؤسس المدرسة الإباضية هو جابر بن زيد الأزدي(ت 93هـ)، وقد هاجر في صباه من نزوى في جوف عمان إلى البصرة لطلب العلم، وتتلمذ فيها وفي المدينة ومكة على كثير من الصحابة، إلا أنه أكثر الأخذ عن عبدالله بن عباس وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم.

نبغ جابر بن زيد في الفقه والعلوم إلى درجة أن ابن عباس قال عنه "اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه"([1])، وحين مات قال عنه مالك بن أنس: "مات أعلم من على ظهر الأرض"([2])، هذا التميز دفع الأزد وغيرهم من أهل العراق إلى جعل جابر بن زيد مرجعهم الفقهي، ثم تطور الأمر بعد أن انفرد بنو أمية بالخلافة وجعلوها في عقبهم بالوراثة إلى تكوين مدرسة سياسية استقطبت الناقمين على السياسية الأموية، وكان القائد والمرجع لهذه المدرسة هو جابر بن زيد، وحين أخذت هذه المدرسة في النمو انضم إليها بعض بقايا أهل النهروان الذين حاربهم الإمام علي في معركة النهروان الشهيرة بعد أن خلعوه حين قبل بخدعة التحكيم، كان عبدالله بن إباض ونافع بن الأزرق من أنصار أهل النهروان إلا أن ابن الأزرق سرعان ما انفرد بتأسيس جماعته التي اشتهرت بتكفير المخالفين واستحلال دمائهم، وقد عرفت حركة نافع بن الأزرق الأزارقة وغيره ممن اعتنق منهج التكفير واستحلال دماء المخالفين بـ "الخوارج"([3]).

كانت مدرسة الإمام جابر بن زيد ما تزال سرية إلا أن انضمام شخصية عسكرية مثل عبدالله بن إباض جعلها تحت طائلة المراقبة والمتابعة من قبل مخابرات الدولة الأموية، وقامت الدولة الأموية بتسمية مدرسة الإمام جابر بن زيد بـ(الإباضية) لسببين، الأول: أن نسبة المدرسة إلى إمام في العلم بحجم جابر بن زيد ربما يدفع المزيد من الأزد وغيرهم إلى الإنضواء في لوائها. الثاني: أن شخصية عبدالله بن إباض معروفة لدى الناس بأنها عسكرية، فنسبة المدرسة إلى رجل عسكري يجعل الناس تتوجس من أهدافها خاصة بعد الفتن والحروب المسلحة التي مرت بها الأمة([4]).

كان للإمام جابر الكثير من الأتباع من التابعين من أمثال أبي بلال مرداس بن حدير وأخيه عروة، وجعفر بن السماك العبدي، وسالم بن ذكوان الهلالي، وصحار العبدي وغيرهم.

تتلمذ الكثير من العلماء على يد الإمام جابر، وحملوا عنه العلم، وعلى رأس هؤلاء أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السباب، وأبو نوح صالح الدهان، وأبو عبيدة عبدالله بن القاسم، وعنهم أخذ الإمام الربيع بن حبيب الأزدي، وعبدالله بن عبدالعزيز، ووائل بن أيوب الحضرمي، وأبو المؤرج، وأبو غسان مخلد بن العمرد، وعبدالسلام بن عبدالقدوس، وطالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي، وأبو حمزة المختار بن عوف الشاري، وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وعبدالرحمن بن رستم الفارسي، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي.

وعن هؤلاء حمل العلم محبوب بن الرحيل ومنير بن النير الجعلاني، وموسى بن أبي جابر، وبشير بن المنذر، وهشام بن المهاجر، وهاشم بن غيلان العماني، وعبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم، وأفلح بن عبد الوهاب، وأبو مرداس مهاصر السدراتي، وغيرهم([5]).

 

أماكن انتشار المذهب الإباضي:

ينتشر الإباضية في سلطنة عمان، وساحل أفريقيا الشرقي في كل من تنزانيا ورواند وأوغندا، وفي الشمال الأفريقي في جبل نفوسة بليبيا، وجزيرة جربة بتونس، ووداي ميزاب بالجزائر، وهناك جاليات إباضية تنتشر في مختلف أنحاء العالم خاصة في فرنسا.

وكان سبب انتشار المذهب الإباضي في كل من عمان، واليمن، وشمال أفريقيا، وساحل أفريقيا الشرقي، هو قيام دول إباضية في تلك المناطق، ويمكن قراءة تاريخ تلك الدول في كتب التاريخ والسير([6]).


عودة إلى القائمة

 

المبادئ السياسية

 

أسس الإباضية مبادئهم السياسية على مجموعة من القواعد الكلية المستوحاة من نصوص الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها مع اعتبار جانب العرف والواقع المتغير حسب الزمان والمكان، وهذه القواعد هي:

القاعدة الأولى: الحاكم يجب أن يكون من المؤمنين.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}النساء: 59.

ويقول تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}النساء: 83.

وهذه القاعدة تشير إلى وجوب كون الحاكم من جماعة المؤمنين، وهي كما يُلحظ لا تشترط أن يكون الحاكم أكثر الناس زهداً وورعاً، وإنما تؤكد على وجوب أن يصدق عليه صفة الإيمان، وهو عدم التلبس بما يخل بعدالة المؤمن من معاصي ومفاسد. يقول أبو المؤثر (ت 287هـ): "الذي يستحق الإمامة إذا كان ورعاً بصيراً بما يأتي ويتقي، وكان يبصر الولاية والبراءة، وكان قوياً على إقامة الحق"([7]).

القاعدة الثانية: أهمية العلم والقدرة البدنية في الحاكم.

يقول تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}البقرة:247.

وقد مرّ العالم الإسلامي بفترات عصيبة حين تولى أمرها الجهلة والضعفاء بدنياً. يقول أبو المؤثر: "وإن عجز عن أخذ الحقوق وإقامة الحدود ونكاية العدو، وصار عجزه دعاية لتبطيل الحدود وبطلان الأحكام وظهور العدل، ووضح ذلك للمسلمين، فقد صار معطلاً لحدود الله، يعزل ويقام غيره ممن يقوم بذلك ويبلغ فيه الحق"([8]).

القاعدة الثالثة: مساواة البشر في حظوظ وصولهم إلى درجة الحكم.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}الحجرات: 13.

تؤكد هذه القاعدة على مبدأ المساواة البشرية فهي بالتالي تلغي أسس التفاضل الجاهلية التي كانت سائدة في المجتمعات البشرية المختلفة كالقبلية والعرقية والمادية، فالمسلمون جميعاً سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أي بمقدار تحليه بأخلاق وآداب الإسلام، ومن هذا المنظور السامي فإن القرشية والعلوية والأموية والعرقية لا أصل لها في الإسلام، بل إن القرآن ينسب هذه النوعية من المفاضلة حسب الأعراق إلى الشيطان الرجيم، حيث أورد على لسانه إقراره السافر عن سبب عصيانه لأمر الله وهو اعتبار أصله أفضل من أصل آدم، حيث قال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}الأعراف:12. وقد قال تعالى قاطعاً السبيل أمام شبهة التفاضل العرقي {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}الأحزاب: 40، فالقرابة من الرسول صلى الله عليه و سلم لا تغني في ميزان الله شيئاً بل أنها تحقق فوضى الوسائط، ولو كانت تغني من الحق شيئاً لأغنت ابن نوح وزوجته، وزوجة لوط، ولأغنت أبا لهب من الحريق واللهب، وحين نزل قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}الشعراء: 214، جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يتفخذ أفخاذ قريش فخذاً فخذاً حتى أتى إلى بني عبدالمطلب فقال: "يا بني المطلب إن الله أمرني أن أنذركم، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً"([9]).

القاعدة الرابعة: الشورى هي أساس اختيار الحاكم وتدبير أمور الحكم.

يقول أبو المؤثر: "ومن دين المسلمين إقامة الأئمة عن تراض ومشورة"([10]). واستدلوا لذلك بنصوص محكمة من الكتاب العزيز منها:

قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}الشورى: 38.

وقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}آل عمران: 159.

وهي قاعدة كلية غير مقيدة بصور الممارسات البشرية السابقة، بل هي موكلة لطبيعة المجتمع الإسلامي الثقافية والاجتماعية المتغيرة زمانياً ومكانياً، فقد تكون محصورة في فئة معينة ذات مواصفات قياسية خاصة كالعلم والتقوى والحكمة كما هو الحال مع تعيين عمر بن الخطاب لستة شخصيات مرموقة في الدولة الإسلامية تختار من بينها فرداً يقود الأمة، أو قد تتم من خلال مجالس بلدية أو برلمانات تمثل عقلاء الأمة ومثقفيها، أو قد يكون مفتوحاً كما هو الحال مع الانتخابات العامة للمفاضلة بين الأفراد الذين تتحقق فيهم مواصفات الترشح لمنصب الحاكم، وهذا كله يفهم من خلال أمره تعالى باعتبار عرف المجتمع إذا لم يتصادم مع قواعد الشريعة حيث يقول عز وجل {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}الأعراف: 199.

القاعدة الخامسة: العدل أساس الحكم.

يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}النساء: 58.

ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}المائدة:8

ويقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى}النحل: 90.

ويقول تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}الشورى: 15.

القاعدة السادسة: تحريم الظلم.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ}يونس: 13.

ويقول تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}الشورى: 42.

القاعدة السابعة: وجوب تحكيم شرع الله.

يقول تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}المائدة: 48.

ويقول تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}المائدة: 49.

ويقول تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}المائدة: 44.

ويقول تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}المائدة: 45.

ويقول تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}المائدة:47.

وقد ترجم الإباضية هذه المبادئ في حياتهم واعتبروها جزءاً من هويتهم، الأمر الذي حدا بمفكري العالم الإسلامي من خارج الدائرة الإباضية إلى الوقوف إجلالاً واحتراماً لهذا الانجاز المبهر والفريد في تاريخ البشرية، ففاضت في ثنايا كلامهم الأماني بامتثال هذه المعاني القرآنية العظيمة التي انفرد الإباضية بتطبيقها والتنعم بلذتها.

يقول الدكتور حسن الترابي: "بعد هذه المعالجة الاصطلاحية لكلمة الديمقراطية ومغزى استعمالها في اللغة العربية، وفي سياق الكلام عن نظام الحكم الإسلامي يمكن أن نتناول الكلمة الإسلامية المقابلة وهي "الشورى"، ولعل الأدب الإسلامي السياسي الحديث هو الذي روج الكلمة وأضفى عليها قيمتها ومضامينها ذات الشأن بعد أن كانت كتب الفقه القديمة لا تعنى بها كثيراً ولا تقيم لها هذه القيمة الجليلة، لأن الممارسة السياسية الشورية لم تكن واسعة ولا ذات خطر في التاريخ الإسلامي"([11]).

وهذا التأكيد المفعم بكثير من الأسى والحسرة على غياب الممارسة الشورية في تاريخ الأمة يتبعه الدكتور الترابي بالقول "وكاد التاريخ الإسلامي يخلو من الإجراءات الشورية المطلقة في تعيين الولاة. وما كان من الشورى لم يكن عن حرية ورضى وضبط كما يقتضي الدين. لكن سنة الاختيار الشوري المرضي قد عرفت أحياناً، ولا سيما في مناطق الخوارج([12])، فقد ظل الإمام لدى الإباضية من باطن عمان يختار بنحو قريب من الطريقة الشورية التي يقتضيها الإسلام، فحين يموت إمام كانت جماهير من يمثلون الجماعة يأتمرون من أجل هذا الشأن، وتخرج منهم طائفة من العلماء والقادة، يمرون على أعيان المؤهلين للخلافة ويستطلعون مواقفهم ثم يزكون من يرونه أقربهم زكاة وقوة، ويعرضون أمره على الجماهير المؤتمرة فإذا أمضوه عقدت له البيعة بشرطها المأخوذة. أما السنة الأغلب في الممارسة السياسية الإسلامية، فالذي يغلب عليها هو ولاية العهد وميراث الخلافة أو استلاب الأمر بالانقلاب أو التمكن في ناحية إقليمية"([13]).

ويقول الدكتور حسين عبيد غباش: "وفي السياق التاريخي الإسلامي نجد أن تطبيق مبدأي الاجماع والتعاقد قد عُلق واقعاً ... في حين طبق العمانيون هذين المبدأين على مستوى الإمامة وعلى مستوى الدولة والمجتمع، بل وفي كل الأمور، وذلك منذ القرن الثاني الهجري، (القرن الثامن الميلادي). بعبارة أخرى، امتدت هذه التجربة العمانية، مع بعض الانقطاع، اثني عشر قرناً. وإذا سلمنا بأن التطبيق الكامل لمبدأي الشورى والانتخاب الحرّ لزعيم الأمة أي الإجماع والتعاقد- هما جوهر الديمقراطية، فإن الإمامة الإباضية العمانية يمكن أن تعد أطول تجربة ديمقراطية في تاريخ الإنسانية"([14]).

 

عودة إلى القائمة

 

كيفية تعامل الفكر الإباضي مع الظلم:

يرى الإباضية أن الإسلام أباح خلع السلطة التي تقوم باستحياء النساء، وقتل الأبناء، وإراقة الدماء، واستدلوا لذلك بمجموعة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز، منها قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}المائدة: 45، وقوله عز وجل: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}هود: 113، واستقراء لعمومات نصوص كثيرة تدعو إلى نصرة الحق ومحاربة الباطل كقوله تعالى {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}المائدة: 2، وقوله عز وجل {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}العصر: 3، إلى غير ذلك.

وخلع السلطة يجب أن لا يكون عملية عشوائية، فإن تعذر حصولها بالطرق السلمية جاز المصير إلى الخيار العسكري، ولكن يشترط في الخيار العسكري أن يكون للثوار نصف قوات السلطة الفاسدة ونصف عتادها حيث يقول ابن بركة: "لزم المسلمين جهاد عدوهم ومحاربته إذا صاروا كنصف عدده، فالفرض ساقط عنهم قبل ذلك"([15])، وقد استلهموا هذه القاعدة من قوله تعالى {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}الأنفال: 66، وتوفير هذا العدد لا يتأتى إلا حين تكون الدعوة قد تغلغلت في جسد المجتمع الذي ينقلب هو بدوره على جميع مظاهر الفساد، فالخيار العسكري في الفكر الإباضي أشبه ما يكون بالإنقلاب الأبيض غير المسلح، وذلك لتجنيب الأمة ويلات الفتن والحروب الداخلية.


عودة إلى القائمة

 

المبادئ العقدية

 

عقيدة الإنسان تعتبر القوة المحركة والموجهة له في كل مناحي الحياة، ونظراً لأهمية العقيدة في الإسلام استشعر الإباضية أهمية بناء التصور العقدي على الأدلة القطعية التي لا يحوم حولها الشك أو الخطأ، فلهذا اعتمد الإباضية في تأسيس بنيان العقيدة على نصوص القرآن الكريم وحده([16]) لأن نصوصه لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهي محفوظة من التحريف والتزييف وليس الأمر كذلك بالنسبة للأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه و سلم، وقد أسس الإباضية تصورهم للبنيان العقدي على مجموعة من القواعد الكلية المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز والدلائل العقلية القطعية.

 

 

عودة إلى القائمة

نفي التشبيه والتجسيم:

يقوم البنيان العقدي الإباضي على مبدأ تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، وهذا المبدأ مبني على مجموعة من القواعد الكلية المستوحاة من الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها، ودلائل العقل السليم، وهذه القواعد هي:

القاعدة الأولى: الله سبحانه وتعالى لا يشبه المخلوقات.

1- ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ` اللَّهُ الصَّمَدُ ` لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ` وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ الإخلاص:1-4.

2- ﴿فَلاَ تَجـْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتـُمْ تَعْلَمُونَ البقرة:22.

3- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌالشورى: 11.

4- ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّامريم: 65.

فهذه الآيات تنفي مشابَهة الخالق U لأيّ شيء من مَخلوقاته في كُلّ شيء من الصفات والأفعال حَتَّى الحاجة للمكان والزمان؛ لأنَّ الأشياء سوى الله U مَخلوقة، وهي مُحتاجة للزمان والمكان، والله تعالى هو الخالق وهو لا يشبه المخلوقات في شيء، فليس محتاجاً للزمان ولا للمكان. كما أنَّ الزمان والمكان مخلوقان لله الذي كان قبل خلق الزمان والمكان، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍالزمر: 62، فكيف يحتاج إليهما وهما مخلوقان له وهو القائل: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُالحج: 64.

القاعدة الثانية: لا يوصف الله سبحانه وتعالى بالجهات.

1- ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ البقرة: 115.

2- ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌالحديد: 3.

فقد أثبتَ تعالى أن جَميع الجهات بالنسبة له واحدة، فلا يَختصُّ بِجهة دون جهة.

القاعدة الثالثة: الله سبحانه وتعالى قريب من عباده بعلمه وحفظه.

1-﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْالعلق: 19.

2-﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِق: 16.

3-﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لا تُبْصِرُونَالواقعة: 85.

القاعدة الرابعة: الله سبحانه وتعالى مع خلقه بعلمه وحفظه.

1-﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌالحديد: 4.

2-﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواالمجادلة: 7.

ويلزم من قال إنَّ الله موجود في جهة الفَوْق، أن يقول إنَّ الله تعالى موجود معنا بذاته!، فلمَّا لم يُجوّز القول بذلك أثبت أنَّ الله تعالى لا يوصف بالأمكنة والجهات.

القاعدة الخامسة: الأدلَّة العقلية تَمنع جواز وصف الله تعالى بالجهة والمكان.

1- أنَّ المكان من خلق الله تعالى، ومن ضرورة العقل وجوب تقدّم الخالق على المخلوق في الوجود، فلو كان تعالى حالاً في مكان لوجب تقدّم المكان عليه لضرورة العقل بذلك، فيستلزم خالقاً غيره وهو باطل، أو أن يكون قديماً معه فيلزم تعدّد القدماء وهو باطل.

2- لو كان تعالى حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان محيطاً به ولو من جهة واحدة، فيلزم تَحديده وتناهيه وهما مستحيلان عليه.

3- لو كان تعالى حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه؛ لأنَّه هو الذي حَمله، وكون غيره تعالى أقوى منه محال.

4- أن المكان صفة للأجسام وهو تعالى ليس بِجسم.

5- المتمكّن مُحتاج إلى مكانه، والمكان مستغن عن المتمكّن. ومعنى ذلك احتياج الله للمكان دون حاجة المكان إليه.

6- لو كان في مكان، فإمَّا أن يكون في بعض الأحياز، أو في جَميعها وكلاهما باطل. أمَّا الأوَّل: فلتساوي الأحياز ونسبته إليها، فيكون اختصاصه ببعضها ترجيحاً بلا مرجِّح، وأمَّا الثاني: فلأنَّه يلزم تداخل المتحيِّزين ومخالطته لقاذورات العالم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً([17]).

7- كلُّ متحيِّز هو مُختصّ بِحيِّزه، ولن يَخلو من أن يكون ساكناً فيه أو متحرِّكاً عنه، فلا يَخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان، وما لا يَخلو من الحوادث فهو حادث([18]).

8- أنَّ الجالس على العرش لا بُدَّ أن يكون الجزء الحاصل مِنه في يَمين العرش غير الحاصل في يسار العرش، فيكون في نفسه مؤلّفاً مركباً، وكلُّ ما كان كذلك احتاج إلى المؤلّف والمركب، وذلك محال.

9- لو كان علوُّه بسبب المكان، لكان لا يخلو إمَّا أن يكون متناهياً في جهة الفَوْق، أو غير متناه في تلك الجهة، والأوَّل باطل؛ لأنَّه إذا كان متناهياً في جهة الفَوْق، كان الجزء المفروض فَوْقه أعلى منه، فلا يكون هو أعلى من كلِّ ما عداه، بل يكون غيره أعلى منه. وإن كان كان غير متناه فهذا محال؛ لأنَّ القول بإثبات بعد لا نِهاية له باطل بالبراهين اليقينية، فإذا قدَّرنا بعداً لا نِهاية له، لافترض في ذلك وجود نقاط غير متناهية كلّ نقطة فَوْقها نقطة أخرى إلى ما لا نِهاية، فكلُّ نقطة من تلك النقاط تُعدّ سفلاً بالنسبة للأخرى، فحينئذ لا يكون لشيء من النقاط المفترضة علو مطلق البتَّة، وذلك ينفي صفة العلوية.

10- أنَّ العالم كرة، ومتى كان الأمر كذلك، فكلُّ جانب يفرض علواً بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلاً بالنسبة للوجه الثاني، فينقلب غاية العلوّ غاية السفل.

11- أنَّ كلَّ وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته، وللآخر بتبعيَّة الأوَّل كان ذلك الحكم في الذاتي أتَمّ وأكمل، وفي العرض أقلّ وأضعف، فلو كان علوُّ الله تعالى بسبب المكان لكان علوّ المكان الذي بسببه حصل هذا العلوّ لله تعالى صفة ذاتيَّة، ولكان حصول هذا العلوّ لله تعالى حصولاً بتبعيَّة حصوله في المكان، فكان علوّ المكان أتَمّ وأكمل من علوّ ذات الله تعالى، فيكون علوّ الله ناقصاً وعلوّ غيره كاملاً، وذلك مُحال([19]).

وقد ذهب بعض البسطاء إلى أن الله تعالى موجود في السماء بذاته، وأنه مستو على عرشه كما يستوي الفارس على رحل فرسه، وقد قام كثير من عقلاء الأمة بالرد عليهم([20]).

القاعدة السادسة: الأدلَّة العقلية تَمنع جواز وصف الله تعالى بالجوارح وصفات الأجسام.

1- لو كان لله تعالى يد وعين وساق إلى غير ذلك ستكون اليد محتاجة للعين لأن اليد لا تستطيع الرؤية، وتكون العين محتاجة لليد لأن العين لا تستطيع البطش والعطاء، فيكون كل جزء من هذه الأجزاء محتاج مفتقر إلى الآخر، أي أن الله تعالى مجزأ مقطع مركب من أجزاء كل منها عاجز ومحتاج إلى الجزء الآخر، والتأليف والتركيب من صفات المخلوقات.

 

عودة إلى القائمة

نفي رؤية المخلوق للخالق:

والإباضية انطلاقاً من مبدئهم التنزيهي لله تعالى يعتقدون باستحالة رؤية الخلق للخالق عز وجل.

وقد أسسوا هذا المبدأ العقدي على مجموعة من القواعد الكلية وهي:

القاعدة الأولى: أنَّ الْمرئيَّ لا بد أن تتوفر فيه هذه الشروط:

أولاً: أن الْمَرئِيّ لاَ بُدَّ أن يكون في جهة، والْمُتَحَيِّز في جهة مَحدود، والْمحدود حادث، والْحادث مَخلوق ليس بإلَه.

ثانياً: أنَّ الْمَرئِيَّ إمَّا أن يكون صغيراً فيُرى كلُّه فيكون محدوداً، أو كبيراً فيُرى بعضُه فيكون مجزَّءاً مبعضاً.

ثالثاً: الْمَرئِيُّ يلزم أن يكون في مسافة عن العين، وهو بذلك يكون مَحدوداً من جهة العين.

رابعاً: أن الْمَرئِي يَجب أن يكون كثيفاً؛ لأَنَّ اللطافة لا تُرى، والكثيف جسم، والأجسام مركّبة، والْمركّب مَخلوق.

خامساً: الْمَرئِيّ يَجب أن يكون مضيئاً بذاته أو مضيئاً بغيره، والْمضيء بغيره مُحتاج، والْمضيء بنفسه مشع، والمشع إمَّا أن يكون الإشعاع يفارقه فهو ينقص، أو لا يفارقه "كالثقوب السوداء في الْمجرات" فلا يُرى.

سادساً: الْمَرئِيّ يَجب أن لا يكون قريباً جداً، فيحجِب الرُّؤية كحجْب الأجفان لرؤيتها من قِبَل الْحدقة، وأن لا يكون بعيداً جداً، فالبعد الكبير يَمنع الرؤية حتى لو كان الْمَرئِيّ كبيراً جداً، فالنجوم العملاقة البعيدة لا تراها العيون، والقرب والبعد من صفات الأجسام الْمَحدُودة، والْمَحدُود مَخلُوق.

سابعاً: الْمَرئِيّ مَحسوس؛ لأَنَّه يتصل بِحاسّة الإبصار، والله U يتعالى أن يكون من الْمَحسُوسات.

وكلُّ هذه الصفات مستحيلة في حقِّ الله تعالى؛ لأَنَّها تَدُلُّ على النقص في حقِّ جلاله العظيم.

القاعدة الثانية: يتنزَّه الله عن مشابهة الْمَخلُوقات.

1-﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ` اللَّهُ الصَّمَدُ ` لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ` وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌالإخلاص: 1-4.

2-﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَالبقرة:22.

3-﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌالشورى: 11.

4-﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّامريم: 65.

الآيات تنصُّ على عدم مُشابَهة الْمَخلُوقات له تعالى في صفة أو فعل، والْمَخلُوقات توصف بأنَّها تشاهد وترى بالعين، والله تعالى لا يشابه الْمَخلُوقات فلا يَجُوز أن يوصف بأنه يُشاهد ويُرى بالعين.

القاعدة الثالثة: يستحيل تَخصص الباري في جهة:

1-﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ الحديد:3.

2-﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ البقرة: 115.

القاعدة الرابعة: الله عز وجل لا تدركه الأبصار.

1-يقول الله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الأنعام: 103.

وهذه الآية تنفي نفياً جازماً رؤية الْمَخلُوقات لله تعالى، وقد قالت السيدة عائشة: "ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية"، فقال لها مسروق: يا أم المؤمنين انظري ولا تعجلي ألم يقل الله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}النجم: 13، {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ}التكوير: 23، فقالت: "أنا أول هذه الأمة سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال: ذاك جبريل u، ولم أره في صورته التي خُلق عليها إلا مرتين، رأيته قد هبط من السماء فسدّ جسمه ما بين السماء والأرض، ألم تسمع لقوله تعالى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُالأنعام: 103، ومن زعم أن محمداً صلى الله عليه و سلم لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه فقد أعظم على الله الفرية لأن الله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِالمائدة: 67، ومن زعم أن محمداً يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية لأن الله تعالى يقول {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}النمل: 65"([21]).

فاستدلالَّ السيِّدة عائشة بهذه الآيات هو لتعليم الأمَّة وجوب عرض مثل هذه الأفكار على النُّصُوص الْمُحكَمة من الكتاب العزيز، التي تقطع بعدم جواز وصف الله تعالى بأنَّه يُرى بالأعين.

2- قَوله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِيالأعراف: 143.

فلو كانت الرؤية جائزة الحصول يوم القيامة، لَحصلت لِموسى u على سبيل الْمُعجِزة، كما هو الْحال مع بقية المعجزات التي تَخالف قانون الكَوْن الدنيَوِي، لكن ردُّ الله I كان قاطعاً جازماً حاسماً، ليؤكِّد على استحالة الرُّؤية التي طلبها موسى u، ويبرهن لقومه استحالة الرؤية.

وذهب البعض إلى جواز رؤية المخلوق للخالق يوم القيامة، وقد فند كثير من عقلاء المسلمين تلك الدعاوى([22]).

 

عودة إلى القائمة

 

الموقف من الآيات المتشابهات:

قد يتساءل القاريء الكريم عن منهج المدرسة الإباضية في التعامل مع النصوص التي يوهم ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه مثل قوله تعالى {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا}هود:37، وقوله {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}ص:75، وقوله{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}طه: 5.

اعتبر الإباضية هذه النصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه من النصوص المتشابهة التي يجب أن ترد إلى النصوص المحكمة لكي ينجلي عنها الاشتباه والتعارض، وذلك امتثالا منهم لقوله تعالى {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}آل عمران7.

والقرآن الكريم نزل بلغة العرب بكل ما فيها من صور مجازية، حيث يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا}طه: 113. فلهذا استخدم الكتاب العزيز الكثير من الصور المجازية لتقريب المعاني وترسيخها في عقول البشر بأبسط الألفاظ وأوجزها وأعجزها كقوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ}آل عمران: 112، حيث عبّر عن العهد والميثاق بالحبل، وقوله تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}آل عمران: 103، حيث عبّر عن الإسلام بالحبل، وقوله تعالى: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}المسد: 4، حيث الحبل بمعناه المشهور عند الناس. فالكلمة نفسها إلا أن معناها تغير حسب اختلاف السياق والقرائن، وهذا هو المجاز.

من هنا اعتبر الإباضية تلك النصوص المتشابهة بحاجة إلى تأويل حسب قواعد اللغة العربية، بحيث تتوافق مع منظومة القواعد الكلية التي تنزه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، يقول الشيخ صالح بن عمرات:

وكل ما صورته ببالك
فعلم كنـه ذاته محال
العجــــز عن إدراكه إدرا
ك

 

فالله جلَّ بخـلاف ذلك
ممَّن سواه ولذاك قــالوا
وا
لخوض في إدراكه إشراك([23])

وألفاظ (اليد، العين، الوجه، الساق، الجنب) التي يوهم ظاهرها التشبيه، قد ثبت في لغة العرب أنها تحمل معاني أخرى غير تلك المعاني الظاهرة، فاليد تعني القوة، والعين تعني الحفظ، والوجه تعني الذات، والساق تعني اشتداد الأمر كل ذلك على المجاز، ويصار إلى هذه المعاني المجازية حسب القرائن وسياق الكلام.

فمن كلام العرب في اليد قولهم:

وغداة ريح قد كشفت وقرة

 

إذا أصبحت بيد الشمال زمامها

ومن كلامهم في الساق وأنه يأتي بمعنى شدة الأمر:

قد كشفت عن ساقها فشدوا

 

وجدت الحـرب بكم فجدوا

ومن كلامهم في الوجه، وأنه يأتي بمعنى الذات:

وجــوه يوم بدر نــاظرات

 

إلى الرحمـن يأتي بالفـلاح


عودة إلى القائمة

 

المبادئ الاجتماعية

 

اهتم الفكر الإباضي بترسيخ مفهوم الخلافة الكونية بين أتباعه، وفي هذا الإطار حدد الإباضية مجموعة من المبادئ لضمان نجاح المجتمعات البشرية للقيام بواجب العبودية لله تعالى وواجب خلافة الكون وعمارته، وقد أسس الإباضية هذه المبادئ على مجموعة من القواعد الكلية المستوحاة من نصوص الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها.

وهذه المبادئ هي:

 

عودة إلى القائمة

 

خلود صاحب الكبيرة في النار إن أصر عليها ولم يتب من وزرها:

الإنسان بطبيعته البشرية لا يكاد ينجو من الوقوع في الزلل والتلبس بالمعاصي، وهذه المعاصي الصغيرة معفوة تلقائياً طالما تجنب الإنسان الوقوع في الفواحش العظيمة والكبائر الوخيمة، يقول تعالى {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا}النساء: 31، فالصغائر مستثناة من الوعيد، أما الكبائر فهي التي "أوجب الله تعالى لها حدّ في الدنيا أو توعد فاعلها بعذاب في الآخرة"([24])، مثل القتل والزنا والسرقة، فإن تاب الإنسان من هذه الكبائر كان من الفائزين، وإن أصر عليها واستكبر فهو في النار من الخالدين.

وقد أسس الإباضية هذا المبدأ على مجموعة من القواعد الكلية المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها، وهذه القواعد هي:

القاعدة الأولى: خلود أصحاب الكبائر في النار إن لم يتوبوا إلى الله.

1-يقول تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ` يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}الفرقان: 68-69.

2-ويقول تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}النساء: 93.

3- يقول تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ` وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}النساء13-14.

4- ويقول تعالى: {إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}الجن: 23.

5- ويقول تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}التوبة: 63.

6- ويقول تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ` فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}النحل: 28-29.

7- ويقول تعالى حاكياً عن خلود الفسقة في النار وحديثهم مع الذين أضلوهم السبيل: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ` وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}البقرة: 166-167.

8-ويقول تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ}الشورى: 45.

9- ويقول تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ` لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}الزخرف:74-76.

ومن نصوص السنة النبوية المجتمع عليها، قول النبي صلى الله عليه و سلم:

1- "لا يدخل الجنة مخنَّث ولا ديوث"([25]).

2- "الجنة حرام على من قتل ذمّيّاً"([26]).

3- "لا يدخل الجنة قتات"([27]).

4- "لا يدخل الجنة قاطع رحم"([28]).

5- "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"([29]).

6- "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"([30]).

7- "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً"([31]).

القاعدة الثانية: خروج المصرّين على الكبائر من النار هي فكرة إسرائيلية الأصل، وقد حذر الله تعالى منها:

1- يقول تعالى حاكياً عن اليهود: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}البقرة:80.

2- ويقول تعالى ناهياً المسلمين عن اتباع فكر أهل الكتاب: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}النساء: 123.

3- ويقول تعالى محذراً المسلمين من السير في طريق بني اسرائيل الذي سول لهم انتهاك حرمات الدين: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}الأعراف: 169.

القاعدة الثالثة: كلمات الله تعالى لا تتبدل ولا تتغير ولا يوصف تعالى بالعلم بعد الجهل "البداء"، بل علمه مطلق.

1-يقول تعالى: {لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ` مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ` يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}ق:28-30.

2-وقال عز وجل: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ}الأنعام: 34.

3-وقال عز وجل: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}يونس64.

4- وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}الأنعام:115.

5- وقال عز وجل: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا}الكهف: 27.

القاعدة الرابعة: الشفاعة يوم القيامة لا ينالها إلا المتقون.

1-يقول تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى}الأنبياء: 21.

2-يقول تعالى: {لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}مريم: 87.

وقد ذهبت بعض الفرق إلى جواز خروج أهل النار منها!، وقد تم تفنيد حججهم في الكثير من المصنفات"([32]).

 

عودة إلى القائمة

 

وجوب البراءة من صاحب الكبيرة:

يرى الإباضية أن في البراءة من أصحاب الكبائر محاربة للفساد الاجتماعي حيث يشعر صاحب الكبيرة بالعزلة الاجتماعية فيبادر للتوبة وترك المعصية، فالإنسان اجتماعي بطبعه. وهذا المبدأ مبني على مجموعة من القواعد الكلية المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها، وهذه القواعد هي:

القاعدة الأولى: مصطلح البراءة هو مفهوم قرآني.

1-{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ}التوبة: 114.

2- {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ` فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}الشعراء:216.

القاعدة الثانية: وجوب البراءة من أصحاب الكبائر.

1-{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}المائدة: 55، حيث ذكرت الآية صفات من تجب ولايتهم، فمن لم يتصف بها فلا ولاية له([33]).

2-{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ}الأنفال: 72، حيث حرّم الله تعالى ولاية المسلمين الذين لم يهاجروا، فما بالكم بالعصاة لله تعالى.

3-{لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}المجادلة: 22.

4-{وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}التوبة: 118، ومعلوم أن الآية نزلت في الثلاثة الذين هجرهم النبي صلى الله عليه و سلم بسبب تكاسلهم عن الخروج إلى معركة تبوك([34]).

5- قول النبي صلى الله عليه و سلم "من أتى عريفاً أو كاهناً أو ساحراً فصدقه فيما يقول، فهو بريء مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه و سلم "([35])، وقوله صلى الله عليه و سلم "إني بريء ممن تطير أو تكهن أو تكهن له"([36]).

القاعدة الثالثة: البراءة لا تعني وجوب السب والشتم.

قال أبو الحسن البسيوي (ت ق4هـ): "وحقيقة البراءة هي التبري من الفعل المكفر، ومفارقة أهله عليه، وتخطئتهم والإنكار لهم لارتكابهم الحرام، والكراهية له وترك الرضا به"([37]).

وقال أبو قحطان (ت ق3هـ): "ولن نعجز عن السجع، ولا عن الشتم، ولكن ليس من ديننا أن نسير بالشتم والسباب، وإنما نبين للناس الحق"([38]).

ويجوز وصف صاحب الكبيرة بأنه عدو لله وعدو المسلمين، دون فحش في القول.

القاعدة الرابعة: البراءة من صاحب الكبيرة حكم دنيوي ولا يستلزم الحكم عليه بدخول النار.

قال محمد بن روح بن عربي (ت ق3هـ): "وإياكم وقطع الشهادة بالنار على من يبرأون منه، فإن تلك شهادة زور"([39]).

وقال ناصر بن جاعد الخروصي: "إن البراءة لا تكون إلا من الشخص، ولكن ينوي بها أنه يبرأ منه بحكم لا أنه يجعله من أهل النار حقيقة، ولا أنه عدو الله حقيقة، أي أنه مات أو سيموت عدواً لله حقيقة، فلا يبرأ من الشخص بالحقيقة أنه للنار حقيقة، ولا أنه مع الله بعد موته عدو لله حقيقة"([40]).

وقد قسم الشرع الحكيم الناس إلى ثلاثة أصناف، صنف بان لك صلاحه فوجبت عليك ولايته، وصنف بان لك ضلاله فوجبت عليك البراءة منه، وصنف أشكل عليك أمره فوجب عليك التوقف عنه، ومن ثبتت ولايته في القرآن الكريم جزمنا بسعادته ودخوله الجنة، ومن ثبتت عداوته في القرآن الكريم جزمنا بشقاءه ودخوله النار، وقد عرّف الفقهاء هذا الصنف بولاية وبراءة الحقيقة([41]).


عودة إلى القائمة

 

موقف المذهب الإباضي من التصوف:

الفكر الصوفي يتكون من شقّين، الأول: الزهد في الدنيا ولبس الصوف، فلهذا سمي هذا الفكر بـ "التصوف"، والمدرسة الإباضية لها بعض التحفظ على هذا الشق باعتبار أن الإسلام لم يدع إلى ترك الدنيا بالكلية والتقشف الساذج، بل أوجب على المسلمين أن يأخذوا نصيبهم من زينة هذه الحياة، حيث يقول تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}القصص: 77، ويقول عز وجل: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}الأعراف: 31، وكان النبي صلى الله عليه و سلم يلبس ما يهدى إليه من ملابس جديدة من الشام وغيرها([42])، ورأى النبي صلى الله عليه و سلم رجلاً عليه بردان خلقان فقال: "ألا له ثوبان غير هذين"، فقال له جابر بن عبدالله: يا رسول الله له ثوبان في العيبة، كسوتها إياهما، قال: "فادعه، فمره يلبسهما". يقول الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت 150هـ) معلقاً على هذه الحادثة: "وهذا ترغيب وتحريض من النبي صلى الله عليه و سلم للمسلمين في التزين باللباس الحسن"([43])، وقد قال ابن بركة: "في هذا القول من النبي صلى الله عليه و سلم ما يدل على ضعف مذهب القائلين: إن الدنيا بمنزلة الميتة لا يحل منها إلا ما يحل للمضطر لاختلاط الحلال منها بالحرام، فلا يطلب منها إلا ما يسد به الفاقة"([44])، وقال أيضاً: "يدل على ضعف مذهب من ادّعى التقشف والتزهد في الدنيا، وزعم أنه لا ينبغي للمسلم أن يحبس قوت يومه إلى غد"([45]).

والشق الثاني من التصوف يقوم على وهم مفاده أن كثرة العبادة وذكر الله هو الوسيلة لادراك علوم الدين والدنيا!، فلهذا يسمى شيخ المتصوفة بـ "العارف"، وعالمهم بـ "إمام العارفين"، والمذهب الإباضي لم يقبل مثل هذه الأفكار التي تنشر الجهل والتخلف، وتقتل روح العمل والجد والاجتهاد والمثابرة التي أمر بها الإسلام.

ومع ذلك فقد تأثر بعض الإباضية بفكر التصوف لكن دون إغراق في الزهد الساذج ولا تفريط في مبدأ السعي والعمل وطلب العلم من مظانه.

 


عودة إلى القائمة

 

القضاء والقدر في الفكر الإباضي:

بلور الإباضية موقفهم من القضاء والقدر وفق منظومة متكاملة من القواعد الكلية المستوحاة من نصوص الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها، وهي:

القاعدة الأولى: الله تعالى عالم بأفعال الإنسان ومصيره قبل أن يخلقه.

فلو لم يكن الله تعالى عالماً بمصير الإنسان لصار جاهلاً وهذا الوصف لا يجوز في حقه عز وجل.

يقول تعالى{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}طه: 110.

ويقول تعالى {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}الأنعام:28.

يقول ابن بركة: "فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا، وأخبر أنهم لو ردوا كيف كان حالهم، فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون، وعلم ما لا يكون أن لو كيف كان يكون"([46]).

القاعدة الثانية: كل ما يحدث في الكون إنما هو بأمر الله الذي ينقسم إلى نوعين، القدر والمقدور.

يقول تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا}الأحزاب: 38.

فالمقدور يعبر عن الأمور التي يستطيع الإنسان التدخل فيها وتغييرها واختيار حصولها من عدمه، مثل أن يختار فعل الخير أو الشر، واختيار نوع الملبس والمسكن والمطعوم والصديق والزوج إلى غير ذلك، وهو محاسب على اختياره هذا.

أما القَدَر فهو يعبر عن علم الله تعالى الأزلي، وهذا العلم يشمل "المقدور" بالإضافة إلى الغيبيات التي لا يستطيع الإنسان إدراكها ومعرفتها كالعلم بما يحدث في المستقبل، فلا يمكن للإنسان معرفة القدر لأن الإنسان لا يعلم من علم الله تعالى إلا القليل الضيئل {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}الإسراء: 85، فالخوض في القدر هو خوض في علم الله الأزلي الذي هو صفة من صفاته عز وجل التي لا يجوز للبشر الخوض في كيفيتها، فلهذا ورد النهي عن النبي صلى الله عليه عن الخوض في القدر([47]).

القاعدة الثالثة: الإنسان محاسب على اختياره (ما يكسبه).

يقول تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}البقرة: 286.

ويقول تعالى: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}يونس:52.

ويقول تعالى: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ}الأنعام: 120.

فالإنسان وفق هذه القاعدة يحاسب على الأمور المخير فيها، وهي التي اكتسبها الإنسان باختياره، أما الأمور التي لا قدرة له فيها فهو غير محاسب عليها.

الخلاصة أن موقف المذهب الإباضي هو وسط بين إفراط الذين قالوا إن الإنسان مجبور ولا قدرة له على الاختيار، وبين تفريط الذين قالوا إن الإنسان هو وحده مسير هذا الكون ومصرف شؤونه.

وهذا الفهم القائم على منظومة متكاملة من القواعد الكلية يجعل المنتمين لهذا المذهب يستشعرون أهمية العمل والسعي لتحقيق فريضة العبودية لله وفريضة خلافة الكون([48]).


عودة إلى القائمة

 

بعض المميزات الفقهية

 

يتميز الإباضية في بعض المسائل الفقهية الجزئية عن غيرهم من المذاهب الإسلامية، وهذه المسائل هي:

أولاً: عدم جواز المسح على الخفين في الوضوء([49]).

حيث يقول إسماعيل الجيطالي: "المسح على الخفين: اختلف الناس فيه ثلاثة مذاهب، فذهب أكثر فقهاء مخالفينا إلى إجازته بإطلاق من غير ضرورة في السفر والحضر، وذهب آخرون إلى إجازته في السفر دون الحضر، واجمع أصحابنا رحمهم الله فيما علمت على منعه في الحالتين"([50]).

واستدلوا لذلك بأن نص القرآن واضح وصريح في وجوب غسل القدمين حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}المائدة: 6، كما استدلوا بأن الصحابة الذين أخذ عنهم جابر بن زيد العلم وعلى رأسهم عائشة أم المؤمنين وعبدالله بن عباس لم يكونوا يمسحون على أخفافهم، ولو ثبت عنهم ذلك لما تصور كتم جابر ومن معه من التابعين ذلك العلم عن أتباعهم ومن جاء بعدهم، خاصة وأن الوضوء يمارس خمس مرات يومياً على الأقل، وليس هو مما يمكن أن يخفى على البعض، بل هم يروون عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم مسح على خفيه قط، وإني وددت أن يقطع الرجل رجليه من الكعبين أو يقطع الخفين من أن يمسح عليهما"([51])، وقال جابر بن زيد: "أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فسألتهم: هل يمسح رسول الله صلى الله عليه و سلم على خفيه؟ قالوا: لا"([52]). وقال: "كيف يمسح الرجل على خفيه والله سبحانه وتعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم"([53]).

 

ثانياً: عدم جواز الرفع والضم في الصلاة.

يقول سلمة العوتبي: "أجمع أصحابنا على ترك رفع اليدين في الصلاة لأشياء صحت عندهم في ذلك"([54]).

واستدلوا لذلك بأن الصحابة والتابعين الذين أدركهم أئمة الإباضية لم يكونوا يرفعون أو يضمون، وأن هذه القضية أحدثها الأمويون من بعد، وكل ما يروى في الرفع والضم لا يصح سنداً ولا متناً، والذين يروون تلك الأخبار هم أنفسهم مضطربون فيها اضطراباً جعل بعضهم يتهم الآخر بأنه متشبه بأهل الكتاب، حيث يقول السرخسي: "الوضع تحت السرة أبعد عن التشبه بأهل الكتاب وأقرب إلى ستر العورة فكان أولى"([55]).

وقد روى الإباضية وغيرهم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "كأني بقوم يأتون من بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس"([56]). وقد فصّل الإباضية حججهم في هذه المسألة في الكثير من المؤلفات([57]).

 

ثالثاً: عدم جواز القنوت في الصلاة.

وهو الدعاء بعد الركوع، وذلك أنه لم يثبت عند جابر وغيره من التابعين الذين أخذ الإباضية منهم العلم أن أحداً من الصحابة قد قنت في صلاته،كما أن دعاء القنوت إما أن يكون من القرآن وقراءة القرآن في الصلاة إنما تجب بعد الفاتحة في الصلوات الجهرية، وإما أن يكون دعاء القنوت من كلام البشر وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم حين سلم عليه أحد أصحابه ولم يرد عليه: "إن في الصلاة لشغلاً" ([58]).

قال أبو غانم الخراساني: "سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟. قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت. قال الله تبارك وتعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}الزمر:9. قلت: يا أبا الشعثاء، ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام. قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة"([59]).

 

رابعاً: تحريم زواج الزاني من المرأة التي زنى بها([60]).

وذلك لأن الغاية من الزواج هو بناء بيت مليء بالمودة والرحمة والحب والثقة {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}الروم: 21، والمرأة الزانية لا يمكن أن يثق بها ذلك الزوج، فمن استحلت الفاحشة معه ما الذي يردعها عن فعلها مع غيره، والبيت المؤسس على الفاحشة وانعدام الثقة لا يمكن أن يصمد ويستمر، كما أن نصوص الكتاب العزيز تؤكد هذا المعنى حيث يقول تعالى {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}النور: 3. وكم من فتاة تجهل هذا الحكم قد وقعت ضحية لاحتيال ضعاف النفوس الذين تركوها بعد أن قضوا حاجتهم.

 

عودة إلى القائمة

 


موقف الإباضية

من أخبار الفتن والملاحم والميزان والصراط

 

صورت كثير من روايات الفتن والملاحم التي وردت في مجموعات الحديث عند كثير من المدارس الإسلامية أن النبي صلى الله عليه و سلم يعلم الغيب، وأنه أخبر ببعض الظواهر والحوادث التي ستحصل قبل يوم القيامة، ووقوع تلك الحوادث متبوع مباشرة في فترات معلومة بيوم القيامة، ومن تلك الأحداث والفتن نزول المسيح وظهور الدجال والمهدي النتظر.

وقد رفض الإباضية هذه القضايا واعتبروها مخالفة للقواعد المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز، فهي:

أولاً: مخالفه لمنهج القرآن الكريم، حيث تتحدث عن يوم القيامة وتصفه بدقة رقمية، وكأن النبي صلى الله عليه و سلم يعلم الفترة الزمنية التي ستكون فيها، بينما يخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز أن يوم القيامة سيأتي بغتة وأن النبي صلى الله عليه و سلم مثله مثل بقية البشر لا يعلم شيئاً عن الزمان الذي ستكون فيه، يقول تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}الأعراف: 187.

ثانياً: هذه الروايات تعطي أرقاماً محددة عن أوقات تلك الفتن وأزمانها، ومن أمثلة ذلك أن الرسول صلى الله عليه و سلم حين سئل كم سيلبث الدجال في الأرض. قال: "أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم"([61]). بينما نجد أن القرآن الكريم لا يتعامل بنفس تلك الصورة الرقمية مع الأحداث التي يتنبأ بها، فالله تعالى حين بشر بنصر الدين لم يذكر الفترة الزمنية التي سيتم خلالها هذا النصر {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}التوبة: 33، وحين ربطت البشارة القرآنية بالتحديد الزمني جاء النص القرآني مع دقة التعبير معبراً عن فترة زمنية واسعة، حيث يقول تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ ` فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ` فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ}الروم: 2-4.

ثالثاً: أن هذه الروايات تتحدث عن انقلاب في القوانين والسنن الكونية قبل يوم القيامة، فالرواية السابقة مثلاً تتحدث عن تغير طول اليوم من أربع وعشرين ساعة إلى أسبوع، وشهر، وسنة، وهذا الطول في مدة اليوم يستلزم تباطؤاً في دوران الأرض حول محورها مما يؤدي بالضرورة إلى تجمّد الأرض، واختلال اتزانها، وانعدام الحياة فيها، ونفس الأمر يقال في الروايات التي رواها أبو هريرة وتدّعي طلوع الشمس من المغرب على أنها علامة من علامات الساعة([62])، وذلك يعني دوران الأرض في اتجاه معاكس لما هي عليه الآن، مما يستلزم تباطؤ حركتها، ثم توقفها، وبعد ذلك بدء الحركة في الاتجاه المعاكس، وعملية التباطؤ وحدها كفيلة بإحداث انهيار كامل في مظاهر الحياة على سطح الأرض، فكيف بالتوقف والحركة العكسية!.

والظاهر أن مختلقي مثل هذه الأساطير كانوا يجهلون كروية الأرض، وأنها تدور حول نفسها، ويظنون أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، فتوهموا مفاجأة الشمس لهم بخروجها من المغرب، ولم يتفطنوا أن الشمس قبل أن تظهر لهم من المغرب يستلزم توقفها عن الإشراق على البشر في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية!، هذا إذا افترضنا صمود الغلاف الجوي أمام هذا التغيير الفلكي الهائل، وهذه التغيرات الكونية المزعومة مخالفة لقوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا}الفتح: 23.

رابعاً: تلك الروايات محدودة الجغرافيا حيث تتحدث عن الأقاليم المرتبطة بتاريخ بني إسرائيل، فهي تتحدث عن دمشق، والعراق، وبيت المقدس، وطور سيناء، والقسطنطينية، وكأن أحداث البشرية ستظل مرتبطة بالجغرافيا المشكلة للخلفية المعرفية لمحرّفي التوراة والإنجيل.

خامساً: تتحدث الروايات عن أسلحة بدائية (السيف، الرمح، الحربة ...)، وهي الأسلحة التي تشكل الخلفية المعرفية العسكرية لعصر تدوين الروايات في القرن الثاني الهجري، وهذه الأسلحة تعتبر بدائية جداً أمام أبسط أسلحة هذا العصر، فكيف بالعصور القادمة!. وهذا يتناقض مع الدقة الرقمية للزمان والمكان والشخصيات لأحداث تلك الروايات الأسطورية.

سادساً: تتحدث الروايات عن فتح القسطنطينية في آخر الزمان حين يظهر الدجال، وينزل المسيح، وقد أفرد مسلم في صحيحه باباً أسماه"باب في فتح قسطنطينية، وخروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم" جاء فيه من طريق أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ ... فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون ... فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه و سلم فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته"([63])، بينما فتحت القسطنطينية عام 1453م على يد المسلمين، ولم يحدث شيء من تلك الأحداث الملحمية إلى الآن!.

سابعاً: تتحدث الروايات عن تلك الأحداث الأسطورية على أنها أشراط للساعة بينما يظهر لمتدبر الكتاب العزيز أن أشراط الساعة قد ظهرت وتجلت. يقول تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ}محمد: 18، وأهم هذه الأشراط هي بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يقول تعالى في حق موسى u: {إِنَّ السَّاعَةَ أَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}طه: 15، ويقول عزّ وجل في حق عيسى u: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}الزخرف: 61، وقال تعالى في مبعث نبينا محمد صلى الله عليه و سلم: {هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى ` أَزِفَتْ الآزِفَةُ}النجم: 56-57، وقال تعالى: {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ` أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا}الإسراء: 51، وقال النبي صلى الله عليه و سلم: "بعثت أنا والساعة كهاتين. وقرن بين السبابة والوسطى([64]).

ثامناً: تصف هذه الروايات موعد يوم القيامة وصفاً دقيقاً، وتعطي أرقاماً وتفاصيل كثيرة حول تلك الفترة، ولا يحتاج المرء الذي يعيش تلك الأحداث إلى كثير من الجهد لمعرفة أنه في لحظات الدنيا الأخيرة قبل قيام الساعة!، وهذا مخالف لعنصر المفاجأة الذي جعله الله تعالى في يوم القيامة {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً}محمد: 18.

تاسعاً: لم تجتمع الأمة على رواية تلك الأخبار، فهي مختلف فيها، وثبوتها ظني عكس الأخبار المجتمع عليها، والعقائد لا تبني على الظنون والأوهام، ولا شك أن تلك الأخبار قد تسربت للأمة من مسلمة أهل الكتاب الذين كانوا يروون من موروثهم الديني المحرف.

فلهذا قال الشيخ عبدالله السالمي: "اعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا نبي معه ولا بعده، فما رواه قومنا من نزول عيسى u لم يصح عند أصحابنا رحمهم الله تعالى"([65]).

وقال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: "وفي أخبار قومنا أن الله يبعث المهدي، ويخرج الدجال، وينزل عيسى من السماء، وكل هذا في نفسي بعيد من الصواب، ومعي أن الخضر هو ميت، وعيسى كذلك لقوله تعالى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}"([66]).

وسئل أبو الحسن البسيوي عمن زعم أن قبل يوم القيامة بعثاً، يقتل بعده من قد مات من الدنيا، ويموت من قد قتل، وأن دولتهم وظهور أمرهم، وبيان تصديق قولهم بعد ذلك البعث، ما الحجة عليه؟ قال: "قيل له: كاذب مخالف كتاب الله، والإجماع على خلافه، وقال الله تعالى {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}الجاثية:26، مما يدل على تكذيبه، وقال تعالى {وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ}آل عمران:158، وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "بعثت أنا والساعة، وإن كادت لتسبقني"، ولم يقل مثل صاحب هذه المقالة، ولا عن الصحابة الذين هم الحجة على الناس شيء مما ذكر هذا، ولا يصح لمن قال ذلك، وقوله زور ومخالف للقرآن الكريم"([67]).

 

عودة إلى القائمة

 

نزول المسيح عليه السلام ([68]):

يرى الإباضية أن المسيح u قد مات، مثله مثل غيره من البشر، وأدلتهم على ذلك هي:

1-{إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}آل عمران: 55. والتي تؤكد على وفاة المسيح u، وفيها أيضاً تأكيد على أن من آمن بالمسيح u سيكون لهم الغلبة على اليهود إلى يوم القيامة، وهذا ما حدث مع اعتماد قسطنطين الديانة النصرانية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية، ومن ثم مجيء الإسلام الذي رسخ عقيدة التوحيد التي جاء بها عيسى u والأنبياء من قبله، وإلى وقتنا الحاضر يعيش اليهود في جماعات مشتتة في أصقاع العالم، ويأكد الله تعالى لنا حقيقة وفاة المسيح عن طريق إيراد إقرار المسيح u بموته، وعدم معرفته ما الذي حدث بعد وفاته قائلاً: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}المائدة: 117.

2- من بين مخالفات فكرة نزول المسيح u لنصوص الكتاب العزيز إدعاء خلود عيسى u إلى آخر الزمان، والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}الأنبياء: 34. كذلك تعارض قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ` وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ}الأنبياء: 7-8. التي تؤكد موت وفناء جميع الأنبياء الرسل ولا شك أن عيسى u واحد منهم.

كما أن سنة الله في خلقه تستلزم وفاة البشر بعد سن معين، وبقاء عيسى u هذه المدة يناقض تلك السنن التي أكدها الله تعالى بقوله: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا}الأحزاب: 62، وقوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا}الفتح: 23، ولا يرد على ذلك بطول عمر نوح u، فطول عمره ثبت بطريق قطعي، ولم يثبت ذلك بطريق القطع لغيره.

3- معارضتها لقوله تعالى {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ` قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}الأعراف: 24-25. بينما تدعي هذه العقيدة حياة عيسى u في السماء خارج الأرض!.

4- من بين المخالفات الصريحة لروايات نزول المسيح لنصوص الكتاب العزيز أن تلك الروايات تتحدث عن "رفع الجزية" عن أهل الذمة، حيث جاء في أحدها بأن المسيح سينزل في آخر الزمان وأنه "يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد"([69])، على أن الجزية على أهل الذمة من شرائع الإسلام التي لا يجوز نسخها لثبوتها بنصوص الكتاب العزيز، يقول تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}التوبة:29.

إذاً هذه الروايات تروج لفكرة مفادها أن عيسى u سينزل بشرع جديد يلغي الجزية!، وكما هو معلوم أن الشريعة الإسلامية خالدة لا يمكن نسخ شيء منها ولا التلاعب به، لأن الرسول محمد صلى الله عليه و سلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}الأحزاب:40، وهذه الروايات تبين أن عيسى u هو خاتم النبيين لأنه سيأتي آخر الزمان ويغير في شريعة الإسلام!.

 

عودة إلى القائمة

 

المسيح الدجال والمهدي المنتظر:

انتشر بين بعض المسلمين فكرة ظهور رجل خارق في آخر الزمان يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً في فترة لا تتجاوز الأيام المعدودة، وأنه هو المهدي المنتظر. لم يقبل الإباضية بمثل هذه الأفكار لمخالفتها منهج القرآن الكريم الذي وعد المسلمين بالنصر والتمكين في أي زمان ومكان إن هم أقاموا منهج الله وشرعه، كما أن تلك الأفكار تنشر في الأمة التخاذل والتواكل وانتظار المجهول دون محاولة للسعي والعمل، وفكرة المهدوية ذات أصول توراتية وهي في حقيقتها بشارة بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه و سلم.

أما الدجال الذي تصفه تلك الروايات بتلك الخوارق العجيبة فهو غير موجود في الفكر الإباضي، لأن المعجزات إنما تكون للأنبياء للتأكيد على صدق رسالتهم، وإثبات المعجزة للكذبة والدجالين يطعن في رسالة كل الأنبياء، فهم أيضاً ربما يكونون كذبة ودجاجلة، وهذا بالضبط ما حصل عند اليهود الذين اخترعوا فكرة الدجال حيث اتهموا الأنبياء بالكذب والدجل وقاموا بقتلهم، يقول تعالى {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ}آل عمران: 181. ويرى الإباضية أن كل فاسق يحارب الله بالمعاصي فهو دجال، والدجاجلة في عصرنا كثر، وقد سئل أبو الحسن البسيوي: ما تقول في الدجال، أله صفة أم لا؟ قال: "كل الفسقة دجالة، فلا أدري الدجال الذي تصفونه"([70]).


عودة إلى القائمة

 

 

الميــزان:

يرى الإباضية أن المقصود بالميزان في قوله تعالى {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}المؤمنون:102 ليس كما يظن البعض بأنه الميزان المادي المعروف المكون من كفتين وعمود، وأسس الإباضية رفضهم لهذا التصور على مجموعة من القواعد الكلية المستوحاة من النصوص المحكمة ودلائل العقل السليم، وهذه القواعد هي:

القاعدة الأولى: الميزان في القرآن يعبر عن الحق والعدل والقسط.

{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}الأعراف: 8.

{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}الأنبياء: 47.

القاعدة الثانية: أن الله تعالى عالم بكل شيء ولا يحتاج إلى ميزان مادي ليعرف الشقي من السعيد.

يقول تعالى {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}البقرة: 282.

القاعدة الثالثة: أن الأعمال ليست أجساماً ذات أوزان وإنما هي أعراض لا وزن لها.

فلهذا فإن الحساب الأخروي في الفكر الإباضي هو عبارة عن عرض الأعمال للإنسان، وليس هو عدّ أرقام وأوزان كما يفعل البشر([71]).

 

عودة إلى القائمة

 

 

الصراط:

ذهب البعض إلى أن الصراط هو جسر منصوب على ظهر جهنم يعبره الناس بسرعات متفاوتة حسب أعمالهم وهم خائفون من الوقوع في النار، أما الإباضية فلم يقبلوا بهذا المفهوم المادي للصراط، وإنما تعاملوا معه وفق منظومة متكاملة من القواعد المحكمة:

القاعدة الأولى: الصراط في المفهوم القرآني هو طريق الحق الذي يسلكه العباد في هذه الحياة الدنيا.

يقول تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}الفاتحة:6.

ويقول تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}الأنعام: 161.

ويقول تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}الفتح:2.

القاعدة الثانية: المؤمنون لا يخافون يوم القيامة.

يقول تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}النمل: 89.

فالصراط في الفكر الإباضي هو تعبير مجازي عن الدين الإسلامي الحنيف وشريعة الإسلام الخالدة التي تمثل الطريق المستقيم والسبيل القويم، والمؤمنون آمنون يوم القيامة من الخوف والفزع، فلا يقبل توهم عبورهم على جسر يخشون فيه الوقوع في النار كأنهم متشككون في وعد الله تعالى بدخول الجنة([72]).


عودة إلى القائمة

 

الخلاصة

 

يعتبر المذهب الإباضي أقدم مذهب إسلامي، فمؤسس المذهب هو جابر بن زيد الأزدي (ت 93هـ).

المبادئ السياسية: الحكم يجب أن يكون على أسس الشورى، والمساواة، والعدل، وعدم الركون للظلمة.

المبادئ العقدية: يقوم البنيان العقدي على تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتجسيم وعن الرؤية بالعين وعن التحيُّز في الأمكنة.

المبادئ الاجتماعية: إثبات وعيد الله تعالى بخلود أهل الكبائر المستكبرين عن التوبة في النار، والبراءة منهم، والاعتدال في الزهد، والإيمان بالقضاء والقدر.

المميزات الفقهية: لا يرى الإباضية جواز المسح على الخفين في الوضوء، وهم لا يرفعون ولا يضمون ولا يقنتون في الصلاة.

والإباضية يرون أن المسيح u قد مات، ولا يعتقدون بظهور الدجال والمهدي المنتظر، بل يرون أن الواجب على الأمة الأخذ بأسباب العزة والتمكين، وعدم الاستسلام للواقع.

عودة إلى القائمة

 


المراجع

 

- إبراهيم إطفيش "الفرق بين الإباضية والخوارج" تحقيق أحمد بن سعود السيابي، طبع مكتبة الظامري، سلطنة عمان.

- أحمد بن سعود السيابي "الرفع والضم في الصلاة"، طبع مكتبة الظامري، سلطنة عمان.

- أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني " طبقات المشائخ بالمغرب"، تحقيق وطبع إبراهيم طلاي.

- أحمد بن سعيد الشماخي "السير"، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- جميل بن خميس السعدي "قاموس الشريعة"، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- حسن الترابي "الإسلاميون والمسألة السياسية" تأليف مجموعة من الباحثين، طبع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1 سنة2003م.

- حسين عبيد غانم غباش "عمان الديمقراطية الإسلامية"، طبع دار الجديد، ط1 سنة1997.

- خالد بن مبارك الوهيبي "أشراط الساعة"، طبع مكتبة الغبيراء، سلطنة عمان.

- خميس بن راشد العدوي "دراسة في المنهج العقدي الإباضي "، طبع مكتبة الغبيراء، سلطنة عمان.

- زكريا المحرّمي "البلسم الشافي في تنزيه البارئ"، طبع مكتبة الظامري، سلطنة عمان.

- زكريا المحرّمي "قراءة في جدلية الرواية والدارية عند أهل الحديث"، طبع مكتبة الظامري، سلطنة عمان.

- عبدالله بن حميد السالمي "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان"، طبع مكتبة الإمام نور الدين السالمي، سلطنة عمان.

- عثمان بن أبي عبدالله الأصم "النور"، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

-أبو الحسن البسيوي "الجامع"،طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- علي بن محمد الحجري "الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات"، ط1 سنة1420هـ .

- عمرو خليفة النامي "دراسات عن الإباضية" طبع دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى 2001.

- محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي "الإستقامة"، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي "المعتبر"، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- ناصر بن سليمان السابعي "الخوارج والحقيقة الغائبة"، ط1 سنة 1420هـ .

- أبو يعقوب الورجلاني "العدل والإنصاف"، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- أبو يعقوب الورجلاني "الدليل والبرهان" طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

- مجموعة من الفقهاء "السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان" تحقيق د. سيدة إسماعيل كاشف، طبع وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.


الفهــرس

مقدمة

3

نشأة المدرسة الإباضية

6

أماكن انتشار المذهب الإباضي

12

المبادئ السياسية

14

كيفية تعامل الفكر الإباضي مع الظلم

31

المبادئ العقدية

35

نفي التشبيه والتجسيم

36

نفي رؤية المخلوق للخالق

48

الموقف من الآيات المتشابهات

56

المبادئ الاجتماعية

61

خلود صاحب الكبيرة في النار

62

وجوب البراءة من صاحب الكبيرة

74

الموقف من التصوف

81

القضاء والقدر

85

بعض المميزات الفقهية

92

الموقف من الفتن والملاحم

98

نزول المسيح u

115

المسيح الدجال والمهدي

121

الميزان

124

الصراط

126

الخلاصة

130

 



[1] الدرجيني "طبقات المشائخ" ج2ص205.

[2] الدرجيني "طبقات المشائخ" ج2ص205.

[3] حاول البعض ربط الإباضية بالخوارج، وقد فند دعاواهم الكثير من الباحثين= =انظر على سبيل المثال "الفرق بين الإباضية والخوارج" أبو إسحاق إبراهيم إطفيش، تحقيق أحمد بن سعود السيابي.

[4] حاول بعض المؤرخين نفي صلة الإمام جابر بن زيد بالمدرسة الإباضية، وقد قام بالرد على دعاواهم كل من: عمرو النامي "دراسات عن الإباضية"، وعلي الحجري "الإباضية ومنهجية البحث".

[5] الدرجيني "الطبقات" ج1ص7-8.

[6] انظر مثلاً كتاب "طبقات المشائخ" للدرجيني، وكتاب "السير" للشماخي، وكتاب "تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان" لعبدالله بن حميد السالمي.

[7] أبو المؤثر "السير والجوابات" ج2ص316.

[8] أبو المؤثر "السير والجوابات" ج2ص299.

[9] الربيع بن حبيب برقم 1005.

[10] سيرة أبي المؤثر "السير والجوابات" ج2ص298.

[11] حسن الترابي "الإسلاميون والمسألة السياسية" ص20.

[12] نسبة الإباضية إلى الخوارج هي اجترار لأخطاء المؤرخين وكتاب المقالات، ومنهج الإباضية يختلف كلياً عن منهج فرق الخوارج التكفيري.

[13] حسن الترابي "الإسلاميون والمسألة السياسية" ص35-36.

[14] حسين عبيد غباش "عمان الديمقراطية الإسلامية" ص19-20.

[15] ابن بركة "الجامع" ج2ص490.

[16] انظر كتاب "دراسة في المنهج العقدي الإباضي " خميس بن راشد العدوي.

[17] عبد الله السالمي "مشارق أنوار العقول" ص213، وص16.

[18] أبو حامد الغزالي "إحياء علوم الدين" 1/ 127.

[19] الرزاي "التفسير الكبير" 7/ 12-13.

[20] يمكن مطالعة الردود على تلك الفكرة في كتابنا "البلسم الشافي".

[21] الربيع برقم 824، ومسلم[439] 287(177)، و البخاري4855.

[22] للاطلاع على الرد على تلك الدعاوى راجع كتابنا "البلسم الشافي".

[23] صالح بن عمرات، نقله محمد ناصر في "الأصول العقدية للناشئة المحمدية".

[24] هارون بن اليمان "السير والجوابات" ج1ص333. بتصرف.

[25] الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب برقم 743.

[26] الربيع 754، والسنن الكبرى للبيهقي 8/133، وفي لفظ البخاري برقم 6914 "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة".

[27] البخاري 5709، ومسلم[290]168-(105) بلفظ (لا يدخل الجنة نمام).

[28] مسلم[650]18-(2556)، البخاري 5638، الترمذي1909.

[29] مسلم [172]73-(46).

[30] مسلم [265]147-(91)، الترمذي 1998 و1999، أبو داود 4091.

[31] مسلم[300]175-(109).

[32] انظر على سبيل المثال: أحمد الخليلي "الحق الدامغ"، وزكريا المحرّمي "قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث".

[33] ابن حفص "مقدمة التوحيد وشروحها" ص101.

[34] البخاري 4677.

[35] الربيع 971، البيهقي "السنن الكبرى" 16497.

[36] البخاري 1294.

[37] "السير والجوابات" ج2ص173، ومحمد الكندي "بيان الشرع" ج3ص77.

[38] "السير والجوابات" ج1ص143.

[39] ابن جعفر "الجامع" ج1ص214.

[40] جميل بن خميس السعدي "قاموس الشريعة" ج8ص117.

[41] يراجع في هذا المبحث كتابي "الاستقامة" و "المعتبر" لأبي سعيد الكدمي.

[42] انظر مسند الربيع الأحاديث 266-277.

[43] الربيع 277.

[44] ابن بركة "الجامع" ج2ص239.

[45] ابن بركة "الجامع" ج2ص336.

[46] ابن بركة "الجامع" ج1ص49.

[47] راجع الروايات في مسند الإمام الربيع بن حبيب رقم 796-811.

[48] يراجع في هذا المبحث الجزء الأول من كتاب "الجامع" لأبي الحسن البسيوي.

[49] أي يجب غسل القدمين في الوضوء خلافاً لمن اكتفى بمسح النعلين.

[50] أبي طاهر إسماعيل الجيطالي "قواعد الإسلام" ج1ص182.

[51] الربيع 122.

[52] الربيع 123.

[53] مسند الربيع بن حبيب برقم 123.

[54] سلمة بن مسلم العوتبي "الضياء" ج5 ص 151.

[55] السرخسي "المبسوط" ج1 ص24.

[56] الربيع 213، ومسلم [968]119-(430).

[57] انظر مثلاً "الرفع والضم في الصلاة" للشيخ أحمد بن سعود السيابي.

[58] أبو غانم الخراساني "المدونة" ج1 ص47 ـ 48 . وفي لفظ عند مسلم [1199]33- (537) "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس".

[59] أبو غانم الخراساني "المدونة الصغرى" ج1ص67.

[60] راجع (أبو غانم الخراساني "المدونة " ج1ص210-214، ابن بركة "الجامع" ج2ص133، ومحمد الكندي "بيان الشرع" ج47ص127-140).

[61] مسلم [7373]110-(2937)، والترمذي 2245.

[62] البخاري 4635، مسلم [396]248-(157).

[63] مسلم [7278]34-(2897).

[64] البخاري 5301.

[65] عبدالله بن حميد السالمي "معارج الأمال" ج1ص52.

[66] جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج6ص140-141.

[67] أبو الحسن البسيوي "جامع أبي الحسن البسيوي" ج1ص99.

[68] للإطلاع على أدلة الإباضية في بطلان فكرة نزول المسيح وظهور الدجال والمهدي يراجع كتابنا "قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث"، وكتاب "أشراط الساعة" لخالد بن مبارك الوهيبي.

[69] البخاري 3448 ومسلم[389] 242-(155).

[70] مهنا البوسعيدي "لباب الآثار" ج1ص203.

[71] راجع في هذا المبحث كتاب "النور" لعثمان بن أبي عبدالله الأصم.

[72] راجع في هذا المبحث كتاب "النور" لعثمان بن أبي عبدالله الأصم.