www.drzak.net

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث

تمهيد

الفصل الأول: تاريخ الرواية

موقف الرسول (عليه الصلاة و السلام) والصحابة من الروايات الآحادية

الانفلات الروائي

أبو هريرة والإنفلات الروائي

عملية التدوين الرسمية للروايات

الرواية مع أهل الحديث

التناقض في المواقف

أهل الحديث يكفر بعضهم بعضا

التدليس

الوضع في الحديث

ملاحظات على الجرح والتعديل

عملية تخييش الروايات

روايات تطعن في النبي (صلى الله عليه و سلم)

روايات تطعن في الأنبياء عليهم السلام

روايات تطعن في موقف الإسلام من المرأة

ندم وإقـرار بالخطـأ

الحديث الآحاد والعقائد

الخلاصة

الفصل الثاني: قراءة في منهج أهل الحديث

إشكالية تعارض العقل والنقل بين الفقهاء وأهل الحديث

التقليد والإجتهاد عند أهل الحديث

قدسية القرون الثلاثة الأولى

أهل الحديث ومسألة خلق القرآن

تضخيم الرجـال

التحذير من كتب المدارس الأخرى

استمالة العوام

إنكار أهل الحديث للمجاز

إنكار أهل الحديث للتأويــل

التناقض في المنهج

الفصل الثالث: إحياء الموروث القديم للملل المنحرفة

الإقتباس من أهل الأوثان

الإقتباس من أهل الكتاب

الإقتباس من أرباب الفلسفة الهرمسية

الإقتباس من الجن والحيوانات

الفصل الرابع: عقيدة التجسيم

البلكفة (بلا كيف)

الفصل السابع: عقيــدة الإرجاء

الفصل الثامن: الفتن والملاحم الخرافة والأسطورة

نزول المسيح (عليه السلام) وعقيدة بولس

المهدي والدجال

المعــــراج

قائمة بأهم المراجع

الفهرس

 

 

تأليف :

 

زكريا بن خليفة المحرمي

 

جميع الحقوق محفوظة

 

الطبعة الأولى

1425هـ / 2004 م

مكتبة الضامري للنشر والتوزيع

هاتف: 9726175

ص ب: 2 السيب. الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان

 

 

قَالَ الله تعالى:

 

﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا

 

(سورة النساء: 82)
 

 

 

 

تمهيــــــد

اختار الله عز وجل العرب ليكونوا حملة رسالته ومستودع أمانته، واصطفى منهم أفضلهم خلقاً وأشرفهم نسباً ليكون النبي الأمين وسيد الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه و سلم)، وكان العرب يتميزون عن غيرهم من الأمم بتشبعهم بمكارم الأخلاق وجميل الصفات، فقد كانوا أهل شجاعة ونبل وكرم، ولعل هذه الأخلاق الحميدة والمزايا الجليلة هي من بقايا دين إبراهيم (عليه السلام)، الذي وصفه الله تعالى بالكرم في قوله {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ} الذاريات: 24-26.

ويذهب البعض إلى أن عبادتهم للأصنام كان سببها إسرافهم في تعظيم الكعبة، فكانوا "يحملون معهم بعضاً من أحجارها في أسفارهم، فيضعونه حيث ينزلون ويطوفون عليه كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبد الكثير منهم الأوثان([1]).

"لم يكن العرب قبل ظهور الإسلام أهل فكر وثقافة، بل كانوا اتباع شهوات جامحة من أثرة وجشع ورياء وتهارش وحقد وعصبيات طائشة. لقد اكتسحتهم عاصفة الأهواء وأغرقهم طوفان شهواتها، فأصيبت أفكارهم بالشلل، ووسط هذه الجهالات المركبة والنماذج التي لا حصر لها من الضلال والغفلة أخذ الإسلام رويداً رويداً ينشر أشعته، فأخرج تلك الأمة من الظلام إلى النور وجعلها مصباحاً وهاجاً يضيء ويهدي، ورفع تلك القبائل من سفوح الغرائز إلى قمم الهمم والأفكار([2]).

وقد ساهمت بساطة العرب الفطرية وصفائهم العقلي المفرغ من المعارف والمناهج المعقدة، وعدم إيغال الخرافات الوثنية في نفوسهم في ترسيخ صورة الإسلام الصحيح فيهم، فلم يكن هناك كثير اصطدام بين الموروث الفكري لديهم وبين هذا النور الجديد بعقيدته الشفافة التي ذابت في تكوينهم.

وقد انتشر الإسلام انتشاراً سريعاً وهائلاً في أرجاء المعمورة، ودخلت فيه شعوب وأمم مختلفة، تلك الشعوب والأمم كان لها تاريخ فكري وإرث ثقافي من حكمة وأمثال وشعر وأدب وعلوم مدونة وكتب مطولة كما هو الحال عند اليهود والنصارى والزرداشتية والمزدكية والفلاسفة- ومنهم من مارس البحث العلمي والتنظير الفلسفي، فلما دخلوا في الإسلام بدءوا يطبقون تلك المناهج التي ورثوها من آبائهم على الفكر الجديد الذي يحمله الإسلام.

"حتى العقيدة عند بعض المسلمين لم تخل من تأثير تلك المواريث، والمستقصي لتاريخ المسلمين وعقائدهم يدرك أن الذين دخلوا في الإسلام من الأمم الأخرى الغنية بالمواريث الثقافية لم يفهموه بحذافيره كما فهمه العرب الفقراء إلى التاريخ والثقافة، فقد فهمه كل قوم مشوباً بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة، فصورة الإله عند النصراني غير صورته عند الفارسي، والتي هي بالطبع غير الصورة التي عند اليهودي أو الرومي أو الوثني، وكذلك الألفاظ المستعملة في الديانات كجهنم والجنة وإبليس والملائكة والآخرة والنبي ونحو ذلك من معان عند هؤلاء تخالف المعاني التي يتصورها الآخر"([3]).

وهذا التأثير لم يكن محدود الزمن بل استمر إلى فترات متأخرة، ومنها ما هو باق إلى زماننا هذا، والشواهد على ذلك كثيرة، ومن ذلك ما ذكره ابن بطوطة (ت 779هـ) في رحلته من أن أهل بلدة (إيوالاتن) الإفريقية "لا غيرة عند رجالهم، ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه، وذلك شيء ما رأيته قط إلا عند كفار المليبار، وأما هؤلاء فمسلمون، محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن، وأما نسائهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات، والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات، ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها، فلا ينكر ذلك"([4]).

أما التأثير الأخطر فهو ذلك الذي زامن تشكّل العقل المسلم، وقد تم ذلك التأثير في عصر تدوين الروايات المنسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) التي تمت في أواخر القرن الأول إلى نهاية القرن الثالث الهجري، إنه تأثير الفكر الفارسي وديانته المختلفة الزرداشتية والمزدكية والمانوية، بالإضافة إلى تأثير فكر أهل الكتاب، وتأثير الفلسفة اليونانية، هذا التأثير أدى إلى ظهور تراث الثقافات المختلفة في قوالب نصية منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) لتسهيل عملية عبورها إلى طوائف الأمة المختلفة.

فالفرس مثلاً "تميزوا بميلهم لعبادة المظاهر الطبيعية، حيث الشمس تمثل "عين الله" والضوء "ابن الله" والظلمة والجدب آلهة الشر، وظهر فيهم زردشت (583 ق.م) بكتابه المسمى "أفِسْتَا Avesta" وعليه شرح يسمى "زندافست"، ومن تعاليمه أن للعالم أصلين أو إلهين: أصل الخير وهو "أهور" أو أهورامرزدا، وأصل الشر وهو "أهرمن"، وهما في نزاع دائم، فأصل الخير من نور وأشجار وحيوانات نافعة من "أهور"، وأصل الشر من ظلمة وحيوانات ضارة من "أهرمن"، والناس بين متبع لإله الخير ومتبع لإله الشر، ومن عقائده أن للإنسان حياتين: دنيا وآخره، والروح تحلق فوق الجسد في الثلاثة الأيام الأولى من وفاته، وعند الحساب تمر النفس على صراط ممدود على شفير جهنم، وهو للمؤمن عريض سهل المجاز، وللكافر أرق من الشعرة، فمن آمن وعمل صالحاً جاز الصراط بسلام، ولقي "أهورا" فأحسن لقاءه، وأنزله منزلاً كريما، وإلا سقط في الجحيم وصار عبداً لـ"أهرمن"، وإن تعادلت سيئاته وحسناته ذهب الروح إلى الأعراف إلى يوم الفصل. وهذه العقائد موجودة بأكملها عند بعض الفرق الإسلامية.

وظهر في بلاد الفرس "ماني" مؤسس "المانوية" (215-216م) وانتشر مذهبه الذي هو خليط من الزرادشتيه والنصرانية في آسيا وأوروبا، ونظرته للعالم المكون من أصلين "نور وظلمة" هي نفس نظرة زرادشت، ولكنه نزع للرهبنة ودعا إلى الزهد، وشرع صلوات كثيرة وصيام أيام طويلة، وحرم النكاح ليتعجل فناء العالم، وهذه الآراء موجودة عند بعض طوائف الصوفية"([5]).

كما أن الفرس الساسانيين كانوا ينظرون إلى ملوكهم من الأكاسرة على أنهم كائنات إلهية اصطفاها الله وأيدها بروح من عنده، وأن دماءهم إلهية، ولا يجوز أن يكون الملك في غير أصحاب تلك الدماء، وحين دخل هؤلاء الإسلام كانوا في الحزب العلوي فأسسوا نظرية الرفض لأبي بكر وعمر والتشيع لعلي وأبنائه، فنظروا إلى علي وأبنائه نظرتهم لملوكهم([6])، ووطدوا دعائم هذه النظرية باختلاق أسطورة زواج الحسين بن علي من "شاه بنوه" ابنة يزدجرد ملك الفرس، وبذلك تم التزواج بين الدماء الإلهية الكسروية والدماء الإلهية العلوية([7]).

أما النصارى فقد نقلوا إلى بعض الفرق الإسلامية الاعتقاد بارتفاع المسيح إلى السماء، ونزوله قبل يوم القيامة([8]). كما نقلوا إليهم فكرة وجود الله تعالى في السماء، ويظهر ذلك من خلال كلام أصحاب هذه الفكرة، واستدلالهم على عقيدة وجود الله في السماء بنصوص الإنجيل حيث يقول ابن تيمية: "وفي الإنجيل أن المسيح (عليه السلام) قال: لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهواء وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهن، أفلستم أفضل منهن؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب"([9]).

ويرى البعض أن أفكار القدرية قد بثها يوحنا النصراني الدمشقي الذي هو من حفدة سرجون بن منصور الرومي النصراني المسئول عن الشؤون المالية للدولة الأموية في عهد معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك بن مروان([10]).

والدولة الأموية بدءاً بمعاوية بن أبي سفيان متهمة بالتساهل في تمرير الكثير من العقائد الباطلة التي اعتمدتها في مقابل العقائد الصحيحة للمعارضين للحكم الأموي الوراثي اللاشوري، فقد اعتمد الأمويون عقيدة الجبر، التي مؤداها أن ملكهم تم باختيار الله ولا يملك المسلمون إلا التسليم بذلك، ولا يجوز لهم الاعتراض عليه، لأنهم بذلك يعترضون على أمر الله وقضائه، وتساهلوا في عقيدة الإرجاء، وأن العاصي لا يدخل النار بسبب شفاعة الرسول (صلى الله عليه و سلم)، أما إذا قدّر له أن يدخلها فإنه سيخرج منها لا محالة إلى أعلى عليين حيث يغبطه الشهداء والنبيّيون، وذلك منهم للتغطية على مظاهر الفسوق والفساد والمجون التي ابتلعهم، كما أنهم قاموا بتقريب علماء السوء الذين اعتمدوا على الفكر الإنجيلي المنحرف القائم على "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، و "إذا ضربك الأمير على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر"، ليقتلوا روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الظلم والفساد في المجتمع الإسلامي.

بل إن بعضهم شارك في وضع الأحاديث التي ترسخ العقائد التوراتية، ومن ذلك ما رواه ابن خزيمة عن عروة بن الزيبر أنه قال: "قدمت على عبد الملك فذكرت عنده الصخرة التي ببيت المقدس، فقال عبد الملك: هذه صخرة الرحمن التي وضع عليها رجله... فأنكر عليه عروة"([11]). وهذه العقيدة التي يدعو إليها عبد الملك بن مروان هي مما نقله اليهود للأمة فقد روي أن عبدالله بن مسعود مرّ بشيخ يحدث عن التوراة فلما رأى ابن مسعود سكت، فقال: وبم يحدثكم صاحبكم فقالوا: ذكر أن الله لما خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس، فاسترجع ابن مسعود ثم قال: اللهم لا كفر بعد إيمان يقولها مرارا ثم قال: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء}النساء:89، فهلا قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام): {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي الزائلين المنتقلين، ألا فاتهموا اليهود على دينكم"([12]).

وروى الذهبي في كتابه "العلّو" أن جرير بن الخطفي جاء إلى عبدالملك ليمتدحه، فقال: ما جاء بك يا جرير؟ قال:

أتاك بي الله الذي فوق عرشه

 

ونورٌ وإسلامٌ عليك دليلُ([13])

وروى أبو الشيخ في كتابه "العظمة" رواية من طريق أبي صفوان عبدالله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي وهو من أبناء الأسرة الأموية الحاكمة عن كعب الأحبار أنه قال: قال الله في التوراة، أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي"([14]).

بالإضافة إلى ذلك كان الأمويون يقومون بإرهاب العلماء الذين يرفضون الفكر الأموي المستورد من الديانات المحرّفة، حيث قاموا بجلد ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس، وكان ذلك بسبب وشاية أبي الزناد عامل بني أمية الذي اشتهر برواية روايات التجسيم التي أنكرها مالك بن أنس، وحين سأل مالك عن مصدر هذه الروايات قيل له إنها من رواية أبي الزناد قال: "لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات"، وقال: "وكان صاحب عمال يتبعهم"([15]).

لقد كانت الأجواء مواتية لحكام بني أمية لبثّ مثل هذه العقائد بين المسلمين لأسباب عديدة، أولها احتكاك المسلمين هناك بالمجتمع النصراني العربي، بما يحمله من أحقاد نصرانية ضد الإسلام ونبيه الكريم، كما أنهم كانوا قريبون جداً من الكنيسة الرومانية التي اعتمدت الهرمسية فلسفة لها، والهرمسية هي عبارة عن ردة فكرية للعقلانية اليونانية الأرسطية، أشعل أوراها المشاكل الإجتماعية والإقتصادية التي خلقتها حملة الاسكندر المقدوني، مما أدى إلى تمزق العقلانية اليونانية وتناحر أتباعها، وبروز شروخ الشكاك في جدرانها، إلى أن أخذت في التهام نفسها مفرخة حالة من اللاعقلانية استغلها الفيلسوف اليهودي إفلوطين ليعيد قراءة فكر فيثاغورث اللاعقلاني ممزوجاً بالميراث الفكري اليهودي الخرافي، وكان يغذيها وقود الخرافة والعلوم الكهنوتية الفارسية القديمة كالسحر والتنجيم، وتم صب هذه العلوم الخرافية في قوالب فلسفية تمت إحاطتها بالعصمة عن طريق نسبتها إلى هرمس "المثلث بالحكمة والنبوة والملك"([16]). فظهر بعد ذلك ما عرف بالفكر الهرمسي الذي اتخذ من حرّان بالشام مركزاً له، ومن هذه المدينة ظهر ابن تيمية الذي أحيا الكثير من تلك الأفكار الهرمسية كما سيأتي بيانه.

كما أن الأمويون قاموا بحركة نشطة تمثلت في ترجمة كتب ثقافات وآراء ومناهج الأمم المنحرفة، وابتدأ تلك الحركة خالد بن يزيد بن معاوية([17])، وقاموا بفتح مدارس لأبناء المسلمين كي يتعلموا تلك الكتب والمناهج، مما حدى بالسيريانيين إلى ترجمة كتب الإلهيات اليونانية وبثها بين المسلمين، وكان على رأس هؤلاء يعقوب الرهاوي الذي أفتى لرجال الدين النصارى بجواز تعليم الفلسفة لأبناء المسلمين في العهد الأموي، ولا يمكن تجاهل دور حنين بن إسحاق وابنه إسحاق وابن أخته حبيش في تلك الترجمة في العهد العباسي([18]).

واستطاع اليهود خاصة في العهد الأموي- أن يبثوا الكثير من أفكار بني إسرائيل بين المسلمين، فلهذا اصطلح العلماء والمحققون على تسمية رواياتهم وأخبارهم "الإسرائيليات" وذلك تميزاً لها عن غيرها، لكثرتها وخطورة محتواها، وعلى رأس هؤلاء كعب الأحبار من علماء يهود حمير باليمن، والذي أسلم في عهد عمر بن الخطاب. انبهر بعض الصحابة فصاروا يحدثون بما يرويه من عجائب وغرائب كتب اليهود([19])، خاصة عبدالله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود([20]). بيد أن بعض الصحابة لم يطمئن له واتهمه بالكذب، حيث قال عنه معاوية: "كنا نبلو عليه الكذب"([21])، ويروي ابن حجر في "الإصابة" تكذيبه عن حذيفة. وكذا ابن عباس نسبه إلى الكذب([22])، وكذّبه أبو ذر في مجلس عثمان وضربه بين أذنيه وقال له: "يا ابن اليهودية"([23])، ومنعه عوف بن مالك من الرواية إلى أن سمح له معاوية بذلك.

ويروي البعض أنه لما أراد عمر بن الخطاب بناء المسجد الأقصى استشار الناس هل يجعله أمام الصخرة أم خلفها، فقال له كعب الأحبار: ابنه خلف الصخرة. فقال عمر: "يا ابن اليهودية، خالطتك يهوديتك، بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون"، وقد استبطن كعب اتهام عمر إياه حتى رئي اتصاله بالمتآمرين في اغتيال عمر مع سبق إنذار منه لعمر بأنه سيقتل، متظاهراً بالنقل عن كتب أهل الكتاب!([24])، ومع ذلك فقد استطاع كعب أن يجعل مطرِّف بن مالك يصلي والصخرة حائلة بينه وبين الكعبة!([25]).

ويروى أن كعبا قال لأبي هريرة: "ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي؟ قال: أبو هريرة: بلى. قال كعب: لما رأى إبراهيم أن يذبح إسحاق قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عندها آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا"([26]) ... إلى نهاية الرواية التي يخبر فيها كعب الأحبار أبا هريرة أن الذبيح المفدي بالكبش العظيم المذكور في القرآن هو إسحاق (عليه السلام) وليس إسماعيل (عليه السلام) جد الرسول محمد (صلى الله عليه و سلم)!.

وقد تأثر بكلام كعب هذا الكثير من الصحابة، حيث يقول ابن كثير: "وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سفيان عن العلاء بن حارثة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار أنه قال: هو إسحاق. وهذه الأقوال والله أعلم كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر رضي الله عنه، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده، وقد حكى البغوي القول بأنه إسحاق عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس رضي الله عنهم ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي"([27]).

ومما رواه كعب الأحبار من الأخبار الظاهرة البطلان هو ما رواه عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعب الأحبار حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة أن دواد نبي الله (عليه السلام) كان إذا انصرف من صلاته قال: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة"([28]). ومعلوم أن دواد (عليه السلام) جاء بعد موسى (عليه السلام) بمئات السنين أي بعد نزول التوراة، فكيف يُذكر في التوراة؟!.

يهودي آخر نقل إلى المسلمين بعض مواريث اليهود العقدية هو وهب بن منبه الحميري اليمني الذي يقول فيه الذهبي: "وروايته للمسند قليلة، وإنما غزارة علمه في الإسرائيليات ومن صحائف أهل الكتاب"([29])، روى أن الله خلق السماوات والأرض في سبعة أيام معارضاً للقرآن الكريم، فقد قال في تفسير قوله تعالى ؤ{وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}هود: 7 ما نصه: "إن العرش كان قبل أن يخلق الله السماوات والأرض، ثم قبض قبضة من صفاء الماء، ثم فتح القبضة فارتفع دخان، ثم قضاهن سبع سموات في يومين، ثم أخذ طينة من الماء فوضعها مكان البيت، ثم دحا الأرض منها، ثم خلق الأقوات في يومين، والسماوات في يومين، وخلق الأرض في يومين، ثم فرغ من آخر الخلق يوم السابع"([30]).

فلا نستغرب إذن أن نجد نفس هذه الرواية في "صحيح مسلم" من طريق أبي هريرة مرفوعة للنبي (صلى الله عليه و سلم) ! وقد علق ابن كثير على تلك الرواية قائلاً: "وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً وقد حرر ذلك البيهقي([31]). وكلام كعب الأحبار لا شك أنه لن يختلف عن كلام وهب بن منبه فهما يوردان من نفس الثقافة.

وقال وهب بن منبه كذلك: "أن السماوات والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي، وإن قدميه عز وجل لعلى الكرسي، وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه"([32]).

يقول حسن السقاف معلقاً على بث كعب الأحبار ووهب بن منبه لروايات التجسيم بين المسلمين: "فإذا كان ما خرجتما منه هو الدين الباطل المحرَّف وما دخلتما فيه هو الحق الصحيح المحفوظ، فالواجب عليكما الذي يقتضيه إسلامكما هو الإعراض عن أفكار وكتب ونصوص الدين القديم والإقبال على نصوص دين الحق الجديد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ... فبدل أن يقول كعب الأحبار: قال الله تعالى في القرآن الكريم نراه يقول: قرأت في التوراة كذا وكذا. ونراه يفسر القرآن بأفكار إسرائيلية (أي يهودية) يردها كثير من أهل العلم"([33]).

يهودي آخر بث في المسلمين بعض أوزار بني إسرائيل هو نوف البكالي الذي قال أن موسى المقصود في سورة الكهف بقوله تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} الكهف60، ليس هو النبي موسى (عليه السلام) بل رجل آخر. وردّ عليه وحين سأل سعيد بن جبير عبدالله بن عباس قائلاً: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر. فرد ابن عباس قائلاً: "كذب عدو الله"([34]).

يهودي آخر دخل الإسلام محملاً بتراث اليهود الفكري هو عبدالله بن سلام الذي نُسب إليه أنه فسر قوله تعالى {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}الإسراء79 بقوله: "إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم (صلى الله عليه و سلم) فأقعد بين يدي الله على كرسيه"([35])!.

يقول حسن السقاف: "وهذا من جملة الإسرائيليات التي نقلها ابن سلام، وحاول أن يغرسها في الأمة الإسلامية، وكلامه هذا هو أصل حديث الشفاعة الطويل وحديث الرؤية الطويل الذي فيه ذكر الصراط وغيره، والذي حكمنا بشذوذه وردّه في غير ما كتاب من كتبنا، وهذا الأثر يثبت لنا أن هذه الأفكار مأخوذة من الإسرائيليات، وعبدالله بن سلام من أكابر أحبار اليهود وعلمائهم قبل أن يسلم، وعنه وعن مثله انتقلت هذه الأفكار الخبيثة التجسيمية إلى الأمة، وثبوت هذا عن عبدالله بن سلام يفيدنا أنّ هذه العقائد والتصورات والأفكار مصدرها يهودي وليس إسلامياً أبداً"([36]).

وقد وضعت روايات في فضائل هؤلاء، من ذلك ما روي أن سعد بن أبي وقاص قال في عبدالله بن سلام: "ما سمعت النبي (صلى الله عليه و سلم) يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبدالله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الأحقاف10"([37]). علماً بأن الآية مكية وابن سلام أسلم في المدينة!، وقد ذكر الطبري في تفسيره للآية أن مسروق قال: "والله ما نزلت في عبدالله بن سلام، ما أنزلت إلا في مكة، وما أسلم عبدالله إلا في المدينة". كذلك وضِعَت روايات في مدح وهب بن منبه، وادّعوا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "سيكون في أمتي رجل يقال له وهب يهب الله له الحكمة"([38]).

وقد يتساءل البعض عن سبب عدم وجود الكثير من النصوص الإسرائيلية المروية في كتب الحديث في المصادر الإسرائيلية "التوراة والإنجيل"!، وقد يكون سبب ذلك أن اليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية ليسوا من الراسخين في العلم في دياناتهم، وأن ما يرونه ليس نصاً خالصاً من كتبهم وإنما هو مزيج من تلك النوصو مضاف إليه تفسير هؤلاء لتلك النصوص، خاصة وأن تفسيرهم يعتمد علي خلفيتهم المعرفية التي لا شك أنها تأثرت بالكثير من الأفكار الخرافية والوثنية المنتشرة في البيئة المحيطة بهم، ومما يعزز هذا الإحتمال هو عدم وجود نصوص توراتية او إنجيلية مترجمة إلى اللغة العربية، يقول أبو هريرة: "كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام"([39]).

وتأثير العقائد الباطلة على الفكر الإسلامي بسبب حالة الهوان السياسي، والخواء الفكري التي مرت بها الأمة الإسلامية بعد عصر الصحابة لم يتوقف في عصر من العصور، فقد ذكر علي شريعتي -عالم الاجتماع الشيعي- كيف نقل النصارى إلى المسلمين بعض طقوسهم وعقائدهم، حيث يقول: "يقول قساوسة المسيحية إنهم يحملون قبساً من الروح أي الروح القدس، وهو أحد التجلّيات الثلاثة للإله، ومن هنا ينبغي أن يرجع الناس إليهم من أجل الاتصال بالله، وهم مكلّفون بنشر الروح التي يحملونها في العالم، ومن هنا يأتي لقب "روحاني"، الذي يلقبون به أنفسهم. وليس لهذا اللقب وجود في الإسلام لأنه لا وجود لهذه الطبقة، وهو موجود فقط عند الشيعة، وعلى الأخص شيعة إيران الذين يستخدمون روحاني (رجل الدين الشيعي من سلالة علي)، وروحانيات (هيئة رجال الدين من سلالة علي)، وأظن أنه استخدام جديد لأن هذا اللقب لا وجود له في نصوصنا الدينية القديمة، ولا شك عندي في أنه نقل عن المسيحية.

وأظن ذلك كان على أيدي الصفوية الذين اقتبسوا كل المراسم والشعائر والعلامات المذهبية من قبيل: التكية (إلى جوار المسجد) وهيئات دق على الصدور وقفل السلاسل حول الجسد بالأقفال وضرب الجسد بالسلاسل والضرب بالقمة (سيف قيصر) وحمل الجريدة (المترجم: شكل على هيئة صليب يحمل في المواكب المذهبية)، والعلم والعلامة والرسوم. وإقامة التمثيليات (تمثليات المعجزات والميستر، وإعادة المسيحيين آلام المسيح وصلبه عند ذكرى الجمعة الحزينة، وأناشيد تعذيب عيسى أو القداسات لا تزال موجودة إلى اليوم بنصها وفصها في مسرحيات اللورد). وذلك لكي ينفصل التشيع عن المذهب السني من كل نواحي المراسم والشعائر والمظهر والتمثيليات الدينية، ولا يحس الشيعي بأي وجه اشتراك مع المسلمين من غير الشيعة الذين كانوا في حالة حرب دائمة معهم، وكان قيام الصفوية في الأصل ضدهم. لكن لما لم يكن للتشيع قبل الصفوية أي مجال للمظاهر المذهبية الخاصة، وعلاوة على هذا كان السني والشيعي يكونان أمة واحدة ومجتمعاً واحداً ويشتركان معا في العقيدة والعمل والعبادة، ولا خلاف بينهما إلا في بعض مسائل ثانوية، إلا أنه بعد استقرار النظام الصفوي الذي كان عدوه الأصلي أهل السنة والنظام العثماني، بذلت جهود كثيرة لكي تنمحي الوجوه المشتركة التي تخفف من العداوة وتقوي الوحدة أو على الأقل تحد انتشار العدوة.وذلك بحيث يحس الشيعي أنه صاحب دين مختلف، ويحس السني أنه صاحب دين مختلف، ويحسان أنهما نقيضان.

وأحد هذه الجهود والبدع والابتكارات الجديدة في الشعائر الدينية والرموز والعلامات الخاصة التي لا سابقة دينية لها، وكانوا مضطرين لهذا الأمر إلى التقليد والاقتباس من العادات والمراسم الخاصة الدينية لأوربا الشرقية، وكان الصفويون على صلة قريبة منهم ومصالح مشتركة وصداقة حميمة وتكتل ضد العثمانيين. وكان عندهم وزير خاص بأمور أناشيد الروضة كان من مهامه تقليد (الفنون الدينية) من أوربا واقتباسها، انظروا إلى الستائر السوداء المفتوحة التي تكتب حواشيها أشعار محتشم، تقليد كامل لطراز ستائر الكنيسة.

وتصوير الشخصيات الدينية مثل الرسول والأئمة وهو في الإسلام مكروه موجود دون زيادة أو نقصان، حتى ما يسمى بالجريدة هي تماما الصليب المقدس، ولم يطرأ على شكله أي تغيير أو تبديل. وهذه الجريدة تحملها جماعات الدق على الصدور دون أن يكون لها أي دور أو معنى أو تبرير (وحتى حملة الجريدة لا يعلمون هم أنفسهم ماذا تكون هذه ومن أجل أي شيء في الأصل)، وفي نفس الوقت يهتمون بها جداً ويتعصبون لها، وحيثية كل جماعة واحترامها مرهونان بثقل جريدتها وزينتها وتعقيدها وارتفاع ثمنها.

وحملة الجريدة لهم ألقاب وشخصيات متميزة خاصة، ولأنهم يقومون بهذه الرسالة الدينية العظيمة التي لا تتأتى من كل انسان توجد لهم (مجوزات لا تجوز لغيرهم)، حتى كيفية حمل الجريدة لم يغير أدنى تغيير، وأظن كلمة جريدة ليست فارسية أو عربية بل هي تلفظ فارسي أو معرب للصليب في اللاتينية. ليس لدينا روحاني في الإسلام، لدينا علماء، وعلاقتهم بالناس هي العلاقة بين العالم والعامي وبين المتخصص وغير المتخصص، لا بين المقدس وغير المقدس وحامل البركة وفاقدها والروحاني والمادي والمراد والمريد"([40]).

وبجانب التمازج الطبيعي والتلقائي للثقافات المختلفة مع الإسلام والتي أدت إلى ظهور أفكار وعقائد غريبة عن الإسلام الصحيح، كان هناك عامل آخر ساهم في تشويه الثقافة الإسلامية، وهو التآمر من قبل أعداء الإسلام، فبعد فشل الهجمة العسكرية الشرسة التي قادها وثنيو جزيرة العرب، نحت تلك القوى منحى الحرب الثقافية من أجل تشويه الفكر الإسلامي.

سلك هؤلاء طريقة سهلة لبث فكرهم المنحرف بين المسلمين وذلك عن طريق الاندساس في وسط المجتمع المسلم والتظاهر بصورة الإسلام، والقرآن الكريم يسجل لنا بدايات هذه المرحلة في قوله تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}آل عمران72.

وهذه الحقيقة التاريخية التي يسجلها القرآن الكريم يؤكدها ما روي أن عبدالله بن مسعود مر بشيخ يحدث عن التوراة، فلما رأى ابن مسعود سكت، فقال: وبم يحدثكم صاحبكم، فقالوا: ذكر أن الله لما خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس([41]).

وقد أحيطت العملية برمتها بسياج العصمة عن طريق اختلاق الروايات وتعليبها، ونسبتها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) والتي تدعو المسلمين إلى المطالعة والبحث في كتب تلك الملل. ومن تلك الروايات ما جاء من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص منسوباً إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"([42]). ورواية أخرى من طريق أبي هريرة منسوبة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) وفيها "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم"([43]).

وهذا الموقف الغامض المتأرجح بين عدم التصديق وعدم التكذيب يخالف أمر الله تعالى بتكذيبهم حين قال: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران78. ولا يعقل أن يدعونا الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلى التحديث عنهم بعد أن أخبرنا القرآن الكريم أنهم يكذبون، فلا يعقل أن يخالف نبي الله ربه، ومعارضة هذه الرواية لنص الكتاب العزيز كافية لردها.

وكيف نقبل ما عندهم والله تعالى يخبرنا عن مدى حقدهم على عقيدتنا حين يقول: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}البقرة: 75-76.

ويقول عز وجل: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة:105. ويقول: { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} البقرة: 109.

ويقول تعالى: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} آل عمران 69. ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} آل عمران:100.

لقد علّبت أيادي أعداء الإسلام تلك الروايات لحث المسلمين على التحايل على أوامر الله، ودفعهم إلى مطالعة تلك الكتب المسمومة، وللأسف انجرف في هذا التيار مجموعة من المسلمين، وكان على رأس هؤلاء جماعة من الصحابة مثل أبي هريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص، وربما كان هذا الإنجراف من الصحابة سببه بساطة العربي وعذرية فطرته التي لم تدنسها الموروثات الدينية المنحرفة لأهل الملل المنحرفة، فقد كانت الوثنية طارئة على قلبه وليست متجذرة كتجذرها في قلوب أهل الكتاب، وحين رأوا ذلك الموروث الهائل المليء بالعجائب والأساطير انبهروا به، وقاموا بنقله إلى المسلمين.

يقول الذهبي: أن عبدالله بن عمرو بن العاص كان قد أدمن النظر في كتب بني إسرائيل، واعتنى بذلك([44])، ويقول ابن كثير: أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما([45]).

أما أبو هريرة فقد قيل: إنه كان يحدث عن كعب الأحبار حتى قال عنه كعب: "ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة"([46])، ويقال إنه كان يكثر من الرواية عن كعب الأحبار إلى درجة أن الرواة كانوا يخلطون بين روايات كعب الأحبار وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)"([47]).

وحين تبين خطر هؤلاء الكتابيين لبعض الصحابة توقفوا عن الأخذ منهم وبدأوا يحذرون الناس من شرهم، فعبدالله بن عباس الذي عرف عنه مجالسة أولئك الكتابيين ثار عليهم بعد ذلك وقال معاتباً غيره: "يا معشر المسملين، كيف تسألون أهل الكتاب؟ وكتابكم الذي أنزل على نبيه (صلى الله عليه و سلم) أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: {هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً} البقرة79، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسائلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم"([48]).

لكن المشكلة حدثت في تبني بعض الفرق الإسلامية لفكر منحرف تشكل من امتزاج الموروث الديني القديم لأهل الملل السابقة، وصار يقدَّم على أنه الممثل الرسمي للإسلام، وما عداه من أفكار نابعة من صميم العقيدة الإسلامية يعتبر كفراً وزندقة!. هذا الفكر لم ينحصر دوره في بناء التركيب العقدي لتلك الفرق بل تجاوزه إلى التدخل في البناء الفقهي ومنظومة أحكام الشريعة الإسلامية وتناغمها مع الواقع، مما أفرز منهجاً نصوصياً جزئياً يختزل التغير البشري المطرد وتفاعله المتجدد مع الكون والحياة في أطنان الموروث الروائي الذي حصدته العقلية الجمعية لرواة أهل الحديث.

وسوف نحاول في الفصول القادمة استكشاف هذا الفكر، وسبر أسباب ظهوره، ودراسة منهج القائمين عليه.

 

زكريا المحرّمي

 

عودة إلى القائمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تاريـــخ الروايــــــة

 

السنة النبوية تشكل مصدر التشريع الثاني المكمل للقرآن الكريم، فهي بيان لما في الكتاب العزيز من شرائع وتعليمات يقول تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44، وقد اهتمت جميع طوائف الأمة وفرقها باتباع السنة والحفاظ عليها، بيد أنه ونتيجة لتفاوت المدارك العقلية لمنظري كل فريق، ونتيجة للدور الجبروتي الطاغي للسلطة الحاكمة اختلفت الأمة في تحديد مفهوم السنة وطريقة التعامل معها، فبعد أن كانت السنة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام تمثل المنهاج والطريقة العملية التي مارسها الرسول (صلى الله عليه و سلم) لشرائع الدين وشعائره، انحرف هذا المفهوم وتوسع وتمدد ليشمل كل ما أثر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) من قول أو فعل أو تقرير، وهذا المفهوم للسنة يتجاهل العوامل الزمانية والمكانية للحظة النص الأصلية أي اللحظة التي قال فيها النبي (صلى الله عليه و سلم) ذلك القول وفعل ذلك الفعل وأقر ذلك التقرير، فهل كان هذا الفعل أو القول أو التقرير:

1. حكماً شرعياً ملزماً للأمة جمعاء كما هو الحال مع تبيين شرائع الدين وقوانينه التي جاءت مجملة في الكتاب العزيز والتي أمر الله عز وجل الأمة باتباعها كما في قوله عز وجل {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7، مع التأكيد على أن ما أتانا به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الوحي {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 4، والوحي يشمل القرآن الكريم "الذكر" والسنة "البيان" لما في القرآن.

2. أم كان اجتهاداً من النبي (صلى الله عليه و سلم) بمعزل عن الوحي لنازلة لها حيثياتها الزمانية والمكانية قد يصيب فيه الحق المطلق أو لا يصيب الحق الذي يليق بمقامه كما هو الحال في مسألة التعامل مع أسرى بدر التي أكدّها قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } الأنفال: 66-67، والتي يعلق عليها محمد رشيد رضا بقوله: "أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده، ولكن الله تعالى يبين له ذلك ولا يقره عليه كما صرح به العلماء، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى لا في الرأي والاجتهاد. ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبدالله بن أم مكتوم (رض) حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الإسلام لئلا يعرضوا عن سماع دعوته، فعاتبه الله تعالى على ذلك بقوله {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأعْمَى} عبس: 1"([49]).

3. أم كان فعلاً يدخل في إطار الطبيعة البشرية للنبي (صلى الله عليه و سلم) {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} الكهف: 110، كما هو الحال مع ارتياده للأسواق ولبسه لباس أهل زمانه، وركوبه وسائل مواصلاتهم، واستخدامه آلاتهم الحرفية والحربية، واستعانته بأدويتهم واطبائهم.

ونتيجة لاتساع مفهوم السنة، الذي واكب التغيرات السياسية التي حدثت في الأمة حيث المذاهب الفقهية تتفاصل والفرق الكلامية تتجادل والقوى السياسية تتناحر، بدأ بعض المسلمين بشكل عفوي بتدوين السنة ليتم حفظها من العبث، لكن تأثير تلك الحروب السياسية والكلامية والفقهية ألقى بظلاله على عملية التدوين، حيث كانت كل فرقة تطلب النص الذي يؤيد موقفها ضد الآخر، فتضخمت بذلك نصوص السنة تضخماً رهيباً كان للسلطة فيه الدور الأكبر، وكان وراء عملية التضخيم هذه مجموعة من الرواة العوام الذين لم يتمرسوا الفقه ومبادئه قاموا بجمع الروايات وحشوها في مصنفات ضخمة فعرفوا بالحشوية([50])، ونتيجة لافراطهم في جمع وتخييش الروايات تعارف الناس على تسميتهم بـ "أهل الحديث"، ولما في هذا المصطلح من جاذبية في نفوس البسطاء والعوام استطاع هؤلاء استغلال الظروف الموضوعية السياسية والفكرية لتثبيت مناهجهم وترسيخ أفكارهم، واعتبروا أنفسهم الممثل الوحيد للسنة النبوية وأن مخالفيهم أهل بدعة وضلال!.

ولتأكيد قدسية فكر أهل الحديث بين عوام الامة صوّر هؤلاء لأتباعهم أن السنة أفضل من القرآن الكريم، لأن القرآن في نظرهم محتاج للسنة، والسنة مستقلة غير محتاجة للقرآن الكريم، فقد قال البربهاري: "إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن"([51]). مع أن هذه الدعوى ينقضها العقل والنقل فحجية السنة كما قال الإمام الشاطبي تأتي في الدرجة الثانية بعد القرآن الكريم([52]فالكتاب مقطوع بثبوته إجمالاً وتفصيلاً لوصوله إلينا بالتواتر، ولم تختلف الأمة بجميع طوائفها عليه، بينما السنة مقطوع بثبوتها إجمالاً، ولكنها مظنونة الثبوت تفصيلاً لأن معظم الروايات أحادية، والآحاد ظني الثبوت([53]). كما أن حجية السنة تنبع أساساً من أمر الله لرسوله (صلى الله عليه و سلم) بتبيين أحكام القرآن للناس {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44، ولا يمكن أن يكون الشرح أفضل من المشروح، لأنه لو عُدم الشرح لم يتأثر المشروح بينما لو عُدم المشروح لم يكن للشرح فائدة([54]).

إذا السنّة في جوهرها هي شرح لمجمل القرآن، بمعنى آخر هي الجزئيات العملية للأحكام المجملة في كتاب الله العزيز والتي أُمرَ الرسول (صلى الله عليه و سلم) بتوضيحها للأمه، وهذه السنّة العملية اتفقت الأمة على الكثير منها، وهو ما تناقلته بالتواتر كعدد ركعات الصلاة، وقيمة الزكاة، وشعائر الحج كالوقوف في عرفة، ثم المبيت في مزدلفة، ورمي الجمرات، والرجم والاختتان وغيرها. أما أطنان الروايات الآحادية التي يفرضها علينا أهل الحديث على أنها السنة المقصودة بالحجية والاتّباع، فلا يمكن قبولها إلا وفق نظام صارم من التحقيق والتدقيق، ينبع من الرغبة في تنزيه الشريعة من الدخيل عليها.

وهذه النتجية نفسها يلخصها عبد الله بن محمد بن بركة (ت 362هـ) بقوله: "والسنة على ضربين: فسنة قد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها. فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب"([55]).

عودة إلى القائمة

 

موقف الرسول (صلى الله عليه و سلم) والصحابة من الروايات الآحادية:

لو كانت كل تلك الأطنان من الروايات الآحادية التي كدّسها لنا أهل الحديث تمثل جوهر الإسلام كما هوالحال مع القرآن الكريم والسنة العملية- لجعل لها رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كتّاباً يدونونها، ووضع لها طريقة مناسبة للجمع كما هو الحال مع عملية تدوين القرآن الكريم وجمعه، ولو كانت كل تلك الروايات الآحادية من بين الأشياء التي يجب عليه تبليغها لاجتهد (صلى الله عليه و سلم) في حفظها، ولحدّد لها المنهج المناسب في عملية النقل والتبليغ حتى لا يسمح للروايات الموضوعة والضعيفة بالولوج إليها، وهذه الضوابط التي يفترض بالرسول (صلى الله عليه و سلم) أن يفعلها ناتجة من أمر الله تعالى له بتبليغ الأمة أولها وآخرها بالأحكام التفصيلية للدين الإسلامي، فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة67.

بيد أن الحقيقة التاريخية تؤكد عكس ذلك تماماً، فقد استفاضت الأخبار عن منع الرسول (صلى الله عليه و سلم) من كتابة بعض الروايات([56])، وجاء عنه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"([57])، وجاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "جهدنا بالنبي (صلى الله عليه و سلم) أن يأذن لنا في الكتاب فأبى"([58])، وعنه أيضاً أنه قال: "ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن"([59])، وقال أبو هريرة: "خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله أتدرون. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى"([60]).

واستمر هذا الموقف المعارض من تدوين الروايات والأخبار إلى عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فقد رُويَ عن أبي بكر الصديق أنه جمع الناس فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس من بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه"([61]). أما عمر بن الخطاب فقد جاء أنه طفق يستخير الله شهراً، ثم قال: "إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً"([62])، ثم كتب في الأمصار "من كان عنده شيء من الروايات فليمحه"([63])، وروى عنه أنه أحرق مجموعة من الروايات وقال: "مثناة كمثناة أهل الكتاب"([64]). وكان من شدة احتياطه في منع كتابة الروايات الآحادية يخرج مع رسله إلى الآفاق ويسير معهم في الطريق ليقول لهم: "إنكم تاتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وأنا شريككم"([65]). بل قد وصل به الاحتياط في منع الحديث إلى درجة حبس مجموعة من كبار الصحابة لإكثارهم من التحديث فقد روي أنه بعث إلى عبدالله بن مسعود وإبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال لهم: "ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)؟"، فحبسهم! بالمدينة حتى استشهد([66]).

وروي عن عبدالله بن مسعود أنه أحرق صحيفة بها بعض الأحاديث ثم قال: "اذكر الله رجلاً يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون"([67])، وأراد معاوية أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: "إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه"([68]).

وتعلل أهل الحديث بأن هذا المنع منسوخ بما رووه من أن رجلاً من أهل اليمن قال: "اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): اكتبوا لأبي شاه. فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) "([69]).

بيد أن هذا الإحتجاج ينقضه سياق الرواية نفسها ، فكما هو واضح من الرواية أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) إنما سمح للرجل بكتابة خطبة الوداع لأنها تمثل مجموعة من أحكام الشرع التفصيلية "السنة العملية"، وقد سمعها عشرات الآلاف من الصحابة، وكتبت في حضور الرسول (صلى الله عليه و سلم) وتحت إشرافه، وموضع الخطبة شائع، وحضره جمع غفير فيستحيل تحريف حرف منه، فهي بذلك تجري مجرى السنة المتواترة التي أطبقت عليها الأمة، ومنع الرسول (صلى الله عليه و سلم) كان للروايات الآحادية، ونفس هذا التحليل يجري على أحكام الصدقات والديات والفرائض التي كتبت في حديث عمر بن حزم، ولو كان هذا إذناً بكتابة الروايات الآحادية لما ثبت عن الصحابة منع كتابة مثل تلك الروايات، ولما استدل أبى سعيد الخدري بالمنع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و سلم)، ولما منع زيد بن ثابت معاوية من الكتابة.

وقال أهل الحديث للإجابة عن منع النبي (صلى الله عليه و سلم) وصحابته للرواية بقولهم إن المنع كان ضرورياً في بداية الأمر لكي لا يختلط الحديث بالقرآن!، وهذا احتجاج واهٍ لأن العرب معروفون بالفصاحة وشدة الحفظ فلا يمكن أن يختلط عليهم القرآن بغيره، خاصة وأن القرآن معجز في ألفاظه وتركيبه، ولا يمكن أن يختلط به غيره([70]).

والظاهر أن المنع من الرواية كان القصد منه عدم الخلط بين الجانب التشريعي للسنة الذي تواتر عملياً عند الأمة، وبين الجانب البشري أو التشريعي الغير الملزم كاجتهادت النبي (صلى الله عليه و سلم) في القضايا اليومية ذات الصبغة المحلية المأطرة في حدود الزمان والمكان، خاصة وأنها حوادث لم يشهدها إلا فرد أو أفراد قليلون من الصحابة وهم غير معصومين من الخطأ والنسيان والرواية بالمعنى مع اختلاف ملاكتهم العقلية، بالإضافة إلى أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أراد الإبقاء على دائرة الإلزام في أضيق الحدود، وأراد الإبقاء على دائرة الإباحة واسعة كما قررها منهج القرآن الكريم، بينما ستحمل الروايات الآحادية مضامين إلزامية مع مرور الزمن لاختلاطها بالتشريع الملزم.

عودة إلى القائمة

 

الانفلات الروائي:

إن القراءة السابقة لعملية التدوين الأولى للروايات والموقف منها نستخلص منه أن عملية تدوين الروايات الآحادية لاقت سداً منيعاً من الرسول (صلى الله عليه و سلم) وصاحبيه أبي بكر وعمر، فماذا حدث بعد ذلك؟

في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ومع بداية تفجر الفتنة بين الصحابة وما تبعها من اغتيال الخليفة، حدث انفلات روائي رهيب أذكى جذوته انبهار الصحابة بما يرويه كعب الأخبار وغيره ممن طالع كتب أهل الكتاب، وكان للعوامل السياسية المتفجرة دورها في إذكاء نار الانفلات الروائي، فقد كانت هناك مراجعات كثيرة بين الخليفة ومنتقديه، واحتاج الأمر إلى التذكير بسيرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) وسيرة الشيخين من بعده([71]).

بعكس عمر بن الخطاب الذي حظر على كعب الأحبار الرواية والتحديث، كان عثمان بن عفان يستمع لروايات كعب الأحبار ويستشيره في أمور الأمة، وقد أورد الذهبي في ترجمة أبي ذر الغفاري في "سير أعلام النبلاء" أكثر من رواية تؤكد على ثورة أبي ذر ضد آراء كعب الأحبار في مجلس الخليفة عثمان، ومنها أن أبا ذر دخل على عثمان وعنده كعب فأقبل عثمان على كعب، فقال: "يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه ويصل الرحم؟ قال كعب: إني لأرجو له. فغضب أي أبو ذر- ورفع عليه العصا"([72]).

ورُوي أن معاوية بن أبي سفيان اتهم كعباً بالكذب([73])، ولا يبعد أن يكون ذلك في عهد عثمان لأن كعب انتقل إلى الشام التي كان معاوية والياً عليها([74] ولم يكن كعب ليحدّث بغرائبه في عهد عمر. وأبو هريرة نفسه يؤكد حقيقة بدأ الرواية في عهد ما بعد عمر بن الخطاب حيث يقول: "لو كنت أحدّث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته"([75])، ويقول أيضاً: "إني لأحدّث أحاديث لو كنت تكلمت بها في زمن عمر لشج رأسي"([76]).

وبعد اغتيال الخليفة عثمان بن عفان فشا التحديث في جماعة معاوية إلى درجة أن علي بن أبي طالب اتهمهم بإفساد سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال عنهم في صفين: "قاتلهم الله أي عصابة بيضاء سودوا، وأي حديث من حديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أفسدوا"([77]).

وحقيقة انتشار التحديث في حزب معاوية وشيعته يؤكدها ما ثبت عن معاوية أنه أراد أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: "إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرنا ألا نكتب شيئا من حديثه"([78]).

وقد وصل إفساد الأمويون في الحديث إلى درجة كبيرة دفعت ببعض الصحابة إلى الإعلان عن التوقف عن الرواية، فقد جاء عن عبدالله بن عباسحزب علي- أنه قال: "إنا كنا نحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه"([79]).

وقد بيّنا في مقدمة الكتاب دور السلطة الأموية في تشجيع رواية أحاديث التجسيم والإرجاء. يقول ابن عبد البر: "قال عبدالرحمن بن مهدي وقد سئل أي الحديث أصح قال: حديث أهل الحجاز قيل له ثم من؟ قال: حديث أهل البصرة. قيل ثم من؟ قال: حديث أهل الكوفة، قالوا: فالشام؟ قال: فنفض يده"([80]).

ويشير البعض إلى أن أبا هريرة وهو أكثر الناس رواية عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) حيث روى (5374) حديثاً([81]) كان من شيعة معاوية، حيث كان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة([82]). يقول سعيد بن المسيِّب: "كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، فإذا أمسك عنه تكلم"([83]).

عودة إلى القائمة

 

أبو هريرة والإنفلات الروائي:

يقول أبو هريرة "ما أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني عنه، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه يكتب وكنت لا أكتب"([84]).

بيد أن عبدالله بن عمرو بن العاص -وهو من شيعة معاوية أيضاً- قد روى (671) حديثاً فقط، وهي التي جمعها له أحمد بن حنبل في مسنده، وربما لو حذفنا المكرر منها لنقص العدد إلى حدّ كبير، لكنه روى عن أهل الكتاب، وأدمن النظر في كتبهم، واعتنى بذلك([85])، وأصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما!([86]).

أما أبو هريرة فقد كان يحدّث عن كعب الأحبار حتى قال عنه كعب "ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة"([87])، وكان أبو هريرة يكثر من الرواية عن كعب الأحبار إلى درجة أن الرواة كانوا يخلطون بين روايات كعب وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) "([88])، بينما نسبه آخرون إلى التدليس والخلط بين روايات كعب الأحبار وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)!، فقد روي عن شعبة أنه قال: "أبو هريرة كان يدلس، أي يروي ما يسمعه من كعب وما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، ولا يميز هذا من هذا"([89]).

ويفسر البعض متابعة أبي هريرة لكعب الأحبار بأنه كان منبهراً بما عند كعب من عجائب الأخبار، ونودار الأساطير التلمودية، ويؤكد أبو هريرة نفسه على هذا الإجتهاد في طلب العلم من كعب الأحبار حيث يقول: "خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) "([90]).

بيد أن هذا الثنائي الروائي "كعب وأبي هريرة" كان محل متابعة ومراقبة من قبل كثير من الصحابة، حتى وصل الأمر بعمر بن الخطاب أن هددهما بالطرد من المدينة، فقد قال عمر لأبي هريرة: "لتتركن الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة"([91]).

ومن المستحيل أن يروي أبو هريرة كل تلك الروايات عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) وحده، وذلك لأسباب بدهية أهمها: أنه أسلم متأخراً في عام خيبر في السنة السابعة للهجرة، أي أنه لم يعاصر الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلا أربعة سنوات فقط وربما أقل لأنه ابتعث إلى البحرين- ، بينما عاشره بقية المهاجرين ثلاث وعشرون عاماً، كما أنه دخل الإسلام وهو كبيرٌ السن، فقد كان يبلغ من العمر أكثر من ثلاثين عاماً، ومعلوم أن ملكة الحفظ في هذا السن تكون قد وهنت وضعفت مقارنة مع حفظ صغار السن كما هو الحال مع عبدالله بن عباس وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين.

لقد كان أبو هريرة في واقع الأمر لا يحدث عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) فقط، بل كان يحدّث عن الصحابة ما سمعوه عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقد روى روايات مسندة عن أحداث وقعت قبل دخوله الإسلام، حيث روى أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لعمّه: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة"([92])، وأن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لقومه حين أنزل الله تعالى عليه قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}الشعراء: 214 "يا معشر قريش لا أغني عنكم من الله شيئاً"([93])، بدون ذكر الواسطة الذي أبلغه بتلك الأحداث، مما حدا بشعبة إلى اتهامه بالتدليس([94])، وقال شعبة: "حدّث أبو هريرة، فردّ عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام، حتى ارتجت الأبواب بينهما"([95]).

يقول السرخسي: "واشتهر عن بعض الصحابة ومن بعدهم بمعارضة روايته بالقياس، فابن عباس عندما سمعه يروي "توضئوا مما مسته النار"([96])، قال: "أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه؟ أرأيت لو ادهن أهلك بدهن فادهنت به شاربك أكنت تتوضأ منه؟"... ولما سمعه يروي "من حمل جنازة فليتوضأ"([97])، "قال: "أيلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة؟" ... ولما سمعت عائشة أم المؤمنين أن أبا هريرة يروي أن ولد الزنا شر الثلاثة. قالت: "كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام: 164؟ ... وروي أن عائشة قالت لابن أخيها ألا تعجب من كثرة رواية هذا الرجل ورسول الله (صلى الله عليه و سلم) حدث بأحاديث لو عدها عاد لأحصاها([98])وقال إبراهيم النخعي: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون"([99]).

والعجيب أن تجد روايات مرفوعة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) من طريق أبي هريرة تصف الذي يحدث بكل ما يسمع أنه "كذّاب" حيث جاء فيها: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع"([100])، ومع ذلك ترى روايات أبي هريرة من الغزارة والكثرة بحيث صارت كالسيل الهادر باعتراف أبي هريرة نفسه!، فقد قال مجيباً على تساؤل الصحابة حول كثرة روايته: "لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته"([101])، وقال مقراً باستغراب الناس من كثرة روايته: "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن أخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، واحفظ إذا نسوا ... وقد قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في حديث يحدثه: "إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول" فبسطت نمرة عليّ حتى إذا قضى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت مقالة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) تلك من شيء"([102])، مما يوحي أن أبا هريرة لم يروي حديث ذم كثرة الرواية وإنما نُسب إليه، أو أنه كان لا يرى أن الرواية عن النبي (صلى الله عليه و سلم) تدخل ضمن إطار المنع من التحديث بكل شيء، وأنه لم يدرك أبعاد نهي النبي (صلى الله عليه و سلم) والخلفاء من بعده للرواية.

ونحن لا نشك في صفاء عقيدة أبي هريرة ولا في نقاء سريرته، ولكن رواياته عن أهل الكتاب جرّت بلاءً على الأمة، كما أن الوضاعين اتخذوا أبا هريرة تكئة لتعليب الروايات ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فكثرة روايات أبي هريرة خاصة في الغرائب والعجائب التي نقلها عن كعب الأحبار، تسهّل على هؤلاء وضع الأحاديث على لسان أبي هريرة ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) لدمغها بخاتم العصمة والإلزام.

عودة إلى القائمة

 

عملية التدوين الرسمية للروايات:

رأينا سابقاً أن عملية رواية الحديث قد بدأت مبكراً في عهد الخلفاء الراشدين، إلا أن أبا بكر وعمر استطاعا تضييق الخناق عليها، وكثرت بعد ذلك في عهد عثمان بن عفان، وازدادت زيادة مهولة في العصر الأموي، إلا أن تلك العملية كانت مبعثرة وغير منظمة، وبدأت عملية التدوين الرسمية في عهد الدولة العباسية، في عهد أبي جعفر المنصور العباسي الذي أمر مالك بن أنس بتأليف كتابه "الموطأ"([103])، ثم ظهرت بعد ذلك كتب الحديث المدونة في كنف الدولة العباسية.

بيد أن الدولة الأموية كان لها قدم السبق في تسييس عملية الرواية وجعلها تتم في كنفها، فأول من قام بعملية جمع للروايات تحت عين السلطة الأموية هو الزهري الذي كان أحد علماء البلاط الأموي، حيث لزم عبد الملك بن مروان، ثم ولده الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد([104]). وكانت علاقته بالسلطة الأموية محلّ نقد من بعض المحدّثين أنفسهم، فقد قال عنه مكحول: "أي رجل هو لولا أفسد نفسه بصحبة الملوك"([105]). وقد كتب إليه عشرون ومائة من الفقهاء يؤنبونه ويعيرونه بما فعل منهم التابعي الكبير جابر بن زيد([106])، وصحبته للملوك دفعته إلى عيش حياة الترف، ومحاولة إخفاء خيوط الشيب، فقد كان يخضب لحيته بالسواد حتى أن مالك بن أنس انخدع به وظنه شاباً([107]). ومع كل ذلك فقد كان مدلساً لم يلتق بالكثير من الصحابة الذين روى عنهم!، حتى قال يحيى بن سعيد القطان: "مرسل الزهري شر من مرسل غيره"([108])، وكان الشافعي يقول: "إرسال الزهري ليس بشيء، لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم([109])، وقد بينّا في مقدمة الكتاب دور السلطة الأموية في تجنيد المحدثين لترسيخ أفكارها وعقائدها!.

بالإضافة إلى ذلك كان الأمويون يقومون بإرهاب العلماء الذين يعارضون السلطة الأموية، ويرفضون الفكر الأموي المستورد من الديانات المحرفة، حيث قاموا بجلد ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس، وكان ذلك بسبب وشاية المحدّث أبي الزناد الذي وصفه مالك بن أنس بالعمالة لبني أمية: "لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات" وقال: "وكان صاحب عمّال يتبعهم"([110]).

ثم فشا التدوين في الطبقة التي تلي الزهري، فكان أول من جمع الروايات ابن جريج بمكة، وابن إسحاق ومالك بالمدينة، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالري([111]).

أما ابن جريج فقد اشتهر بالتدليس حتى قال عنه أحمد بن حنبل: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها. وقد تزوج سبعين امرأةً بالمتعة([112]). ومحمد بن إسحاق المدني وهّاه كثيرون كالدارقطني والنسائي ويحيى بن سعيد القطان ومالك وغيرهم وحشا السيرة النبوية أشياء منكرة منقطعة وأشعاراً مكذوبة([113]وصاحبا الصحيح لم يحتجا به، إنما استشهد مسلم به في أحاديث معدودة، ربما خمسة قد رواهن غيره، وذكره البخاري في الشواهد ذكراً من غير رواية([114]).

أما مالك بن أنس فقد صنف كتابه "الموطأ" الذي تكلم فيه كثير من أهل الحديث لما حوى من أحاديث مرسلة ومنقطعة وبلاغات، وقد صنّفه ابن حزم ضمن الدرجة الثالثة من الكتب المقبولة في الحديث! مقدماً عليه كتب السنن والمسانيد([115])، وأشهر رواة "الموطأ" هو يحيى بن يحيى بن كثير، وقد شك في سماعه لبعض روايات الموطأ فرواه عن زياد بن عبدالله شبطون عن مالك. ويحيى بن يحيى هذا قال عنه ابن عبد البر: "لم يكن له بصر بالحديث، وأن له وهماً وتصحيفاً في مواضع كثيرة من الموطأ"([116]). والثاني هو محمد بن الحسن الشيباني ضعفه النسائي وغيره من جهة حفظه([117])، وقال عنه يحيى بن معين جهمي كذاب، وفي رواية: ضعيف، وقال عنه أسد بن عمرو أنه كذاب([118]).

أما الربيع بن صبيح فقد ضعفه شعبة جداً، وقال عنه أبو الوليد أنه كان يدلس، ورفض يحيى بن معين الحديث عنه، وقال عفان: أن أحاديثه مقلوبة كلها([119]). أما سعيد بن أبي عروبة فهو قدري مدلس اختلط في آخره حتى يروى أنه يقول "مالك خازن النار من أيّ حيّ هو؟"([120]). أما حماد بن سلمة فله أوهام، احتج به مسلم في أحاديث معدودة في الأصول من طريق ثابت وتحايده البخاري([121])، ساء حفظه حين كبر وكان يحدث من كتابه وضاع كتابه فقام يحدث الناس من حفظه، انفرد بأحاديث منكرة في الصفات([122]) من بينها "أن الله خلق ذاته من عرق الخيل"([123]).

أما سفيان الثوري فكان لا ينتقي الرجال الذين يروي عنهم، وقال عنه ابن المبارك: حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلسه، فلما رآني استحى وقال نرويه عنك!([124])، وقال عنه الخطيب البغدادي: "حب الإسناد وشهوة الراوية غلبا على قلبه، حتى كان يحدث عن الضعفاء، ومن لا يحتج بروايته، فمن اشتهر منهم باسمه ذكر كنيته تدليساً للرواية عنه"([125]). أما الأوزاعي فقد قال عنه يحيى بن معين أنه في الزهري ليس بذاك، وقال أحمد بن حنبل إن حديثه ضعيف، وأنه يحتج في حديثه بمن لم يقف على حاله، وأنه يحتج بالمقاطيع([126]).

أما هشيم فهو مدلس مشهور، فقد قال عنه أحمد بن حنبل أنه حدث عن جماعة لم يسمع منهم، وقال سفيان الثوري: هشيم لا تكتبوا عنه، وقال الهروي: إن هشيماً كتب عن الزهري نحواً من ثلاثمائة حديث، فكانت في صحيفة، فجاءت الريح فرمت الصحيفة، فنزلوا فلم يجدوها، وحفظ هشيم منها تسعة أحاديث فقط!([127])، وتغير بآخره، وقال عنه يحيى بن معين: لا يدري ما يخرج من رأسه([128]). أما معمر بن راشد الأزدي فقد قال أبو حاتم إن في أحاديثه أغاليط، وقال يحيى بن معين: معمر عن ثابت: ضعيف([129])، وقال ابن معين: إذا حدثك عن العراقيين فخالفه([130]).

أما جرير بن عبد الحميد فقد قال عنه أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي في الحديث، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول، وقال أبو حاتم: تغيّر قبل موته، وقال البيهقي في سننه: قد نسب آخر عمره إلى سوء الحفظ، وقال الشاذكوني: وكان جرير قد حدثنا عن "مغيرة عن إبراهيم" في طلاق الأخرس، ثم حثنا به "عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم"، قال: فبينا أنا عند ابن أخيه إذ رأيت على ظهر كتاب لابن أخيه: "عن ابن المبارك عن سفيان بالحديث"، وكان هذا حديثاً موضوعاً، فسألته، فقال: حدثنيه رجل خراساني عن ابن المبارك. فقلت له: قد حدثت به مرة عن مغيرة، ولست أراك تقف على شيء([131])، قال ابن حجر العسقلاني معلقاً على هذه القصة: "إن صحت رواية الشاذكوني فجرير كان يدلس"([132]).

عودة إلى القائمة

 

الرواية مع أهل الحديث:

ثم ورث هذا الإرث كله أهل الحديث الذين استأثروا به لأنفسهم وحرّموا على كل من خالفهم الولوج في بحره، فقد قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"([133])، وقال عبدالله بن المبارك: "بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد"([134]). لقد أراد أهل الحديث أن يكونوا هم الورثة الوحيدين لتركة بني أمية الروائية، فقعّدوا القواعد ورسخوا البنيان لمنع تسلل أي أحد من غير هذه المنظومة إلى فنائها، فلهذا فمن النادر أن تجد راوياً من خارج منظومة أهل الحديث إلا والجرح قد سبقه!.

فها هو أحمد بن حنبل إمام هذه المدرسة بلا منازع يحرّم على أتباعه الأخذ من أصحاب أبي حنيفة حيث يقول عنهم: "أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء"([135])، ولما أخذ أحد أتباعه كتب أبي حنيفة هجره أحمد، وكتب إليه "إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك"([136])، بل قد وصل بهم الأمر إلى درجة تكفيره!، حيث قال أحدهم "اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة" وقال آخر: "ما ولد في الإسلام مولد أشأم عليه من أبي حنيفة" وقال غيره: "أبو حنيفة هذا، والله إني لأرجو أن يدخله الله عز وجل نار جهنم"([137]).

ومع أن محمداً بن إدريس الشافعي كان المنظر الأساسي والمبلور الرئيسي للنظرة الجرئية النصوصية التي قام عليها فقه أهل الحديث إلا أن اعتماد الشافعي على آليات عقلية كالقياس، نفّرت منه كثير من أهل الحديث، فقد تحاشا البخاري ومسلم الرواية عنه([138])، ولم يرو عنه أبو داود إلا حديثاً واحداً([139])، وقال عنه ابن أبي حاتم: "كان الشافعي فقيهاً، ولم تكن له معرفة بالحديث"([140]).

أما مالك بن أنس فمع انخراطه في سلك الرواية إلا أنه أصيب ببعض شرر أهل الحديث بسبب منهجه المتقدم في محاكمة الروايات الآحادية إلى السنة العملية الجارية عند أهل المدينة، وقد نقل أحمد بن حنبل أن ابن أبي ذئب كان يقول أن الإمام مالك يستحق القتل!، وقال: "كان يقول في مالك وفي تركه الحديث يرويه عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، وذكر له "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" وترك مالك الأخذ به، حتى يبلغ به، يعني يقتل"([141]). وأحمد بن حنبل نفسه يصف مالك بن أنس بالتخليط!، فقد قال ابن أبي يعلى: "وذكر له ابن الشافعي عن الحديث الذي يرويه مالك عن النبي w وخالفه، فقال: هذا تخليط"([142]). يقول النووي مبيناً سبب الفجوة بين الإمام مالك وبين أهل الحديث: "وأما قول مالك فهو اصطلاح له وحده منفرد به عن العلماء فلا يقبل قوله في رد السنن، لترك فقهاء المدينة العلم بها وكيف يصح هذا المذهب؟ مع العلم بأن الفقهاء ورواة الأخبار لم يكونوا في عصره، ولا في العصر الذي قبله منحصرين في المدينة، ولا في الحجاز، بل كانوا متفرقين في أقطار الأرض مع كل واحد قطعة من الأخبار لا يشاركه فيها أحد، فنقلها ووجب على كل مسلم قبولها، ومع هذا فالمسألة متصورة في أصول الفقه غنية عن الإطالة فيها هنا، هذا كله لو سلم أن فقهاء المدينة متفقون على عدم خيار المجلس، ولكن ليس هم متفقين، فهذا ابن أبي ذئب أحد أئمة فقهاء المدينة في زمن مالك أنكر على مالك في هذه المسألة وأغلظ في القول بعبارات مشهورة، حتى قال: يستتاب مالك من ذلك"([143]).

أما الإباضية وهم من المعارضين السياسيين لحكم بني أمية، فقد كان لهم أهل الحديث من أشد الأعداء، ويكفي الروايات التي حشيت بها كتب الحديث والتي تدعو إلى قتلهم واستباحة أموالهم ونسائهم!، فقد حشرهم البخاري في زمرة الملاحدة الذين يجوز قتلهم([144]).

وقد نفر أهل الحديث من كل من شموا منه رائحة الفكر الإباضي حتى وصل بهم الأمر إلى ردّ روايات التابعي الكبير عكرمة مولى عبدالله بن عباس بسبب اتهامهم إياه بأنه يرى رأي الإباضية، علماً بأن عكرمة كان من أفضل التابعين، حيث يقول عنه ابن منده: "أما حال عكرمة في نفسه فقد عدّله أمة من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة تكاد لا توجد منهم لكبير أحد من التابعين"([145]). وينقل لنا الذهبي رأي أهل الحديث فيه قائلاً: "أحد أوعية العلم، تكلم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأي الخوارج، ابن المديني عن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وكان يرى رأي الإباضية ... عن عطاء بن أبي رباح أن عكرمة كان إباضياً"([146]).

مثال آخر من أمثلة تجنّب أهل الحديث الرواية عن الإباضية وغيرهم ممن وصفته السلطة الأموية بصفة الخوارج هو عمران بن حطّان السدوسي إمام الصفرية([147]) قال عنه الذهبي: "لا يتابع على حديثه قاله العقيلي قال وكان خارجيا"([148])!، علماً بأن الذهبي نفسه قال عنه في نفس الموضع ما نصه: "فإن عمران صدوق في نفسه، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج"([149] وخالف البخاري مرة أخرى أهل الحديث فيه وروى عنه في صحيحه.

المثال الآخر على تجنّب المحدّثين للمنتسبين إلى فكر الإباضية هو الوليد بن كثير المخزومي الذي قال عنه الذهبي: "ثقة صدوق، حديثه في الصحاح ... قال ابن معين: ثقة"([150]) إلا أنه هوجم من قبل أهل الحديث بسبب مذهبه! حيث ينقل الذهبي لنا موقف أهل الحديث من الوليد قائلاً: "قال أبو داود: ثقة إلا إنه إباضي، وقال ابن سعد: ليس بذلك"([151]).

والعجب كل العجب من هؤلاء يقرّون بأن الإباضية هم أصحّ الناس حديثاً وأصدقهم إلا أنهم مع ذلك يتجنبون الرواية عنهم!.

ولم يكن الموقف من المعتزلة بأحسن حالاً فعمرو بن عبيد أبو عثمان البصري المعتزلي الذي قال عنه الذهبي: "مع زهده وتألهه ... وقد كان المنصور يخضع لزهد عمرو وعبادته ... كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحسن هو جماعة عنده"([152] ومع كل هذا الزهد والعبادة في الرجل إلا أن أهل الحديث اختلقوا عليه الروايات للقدح في عدالته، حيث ينقل الذهبي موقف أهل الحديث من عمرو قائلاً: "ابن عون عن ثابت البناني قال: رأيت عمرو بن عبيد في المنام وهو يحك آية من المصحف، فقلت: أما تتقي الله؟ قال: إني أبدّل مكانها خيراً منها ... سمعت سعد بن معاذ يصيح في مسجد البصرة يقول ليحيى القطان: أما تتقي الله؟ تروي عن عمرو بن عبيد! قد سمعته يقول: لو كانت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد: 1، في اللوح المحفوظ لم يكن لله على العباد حجة"([153]).

وقد اعتبر أحد علماء المسلمين رد أهل الحديث لرواية عمرو بن عبيد بأنها "خيانة للسند. لأن الذي أوجب قبول خبر العدول يوجب قبول خبر هذا"([154]).

أما واصل بن عطاء البصري إمام المعتزلة فقد كان أسوأ حظاً من صاحبه فقد نسبه أهل الحديث إلى الكفر، يقول الذهبي في ترجمته لواصل بن عطاء: "وقال أبو الفتح الأزدي: رجل سوء كافر"([155]).

عودة إلى القائمة

 

التناقض في المواقف:

وأهل الحديث مع تجريحهم لثقات المسلمين من المذاهب المختلفة الحنفية والإباضية والمعتزلة، يوثقون الضعفاء والمتروكين إذا ما وافقوا هواهم!، فها هما أحمد بن حنبل وتلميذه أبو حاتم يوثقان رجلاً ضعيفاً لرضاهما عنه، يقول الذهبي في ترجمة عامر بن صالح بن عبدالله: "واه لعل ما روى أحمد بن حنبل عن أحد أوهى من هذا، ثم إنه سئل عنه فقال: ثقة، لم يكن يكذب. وقال الدارقطني: يترك، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول: جنّ أحمد! يحدث عن عامر بن صالح! وقال ابن معين أيضاً: ليس بشيء،وروى أحمد بن محمد بن محرز، عن ابن معين، قال: كذاب خبيث عدو الله، فقلت لابن معين: أحمد يحدث عنه، فقال: هو يعلم أنا تركنا هذا الشيخ في حياته. قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً"([156]).

وها هو الذهبي نفسه يقدح في بشر المريسي المعتزلي ويصفه بشرب النبيذ حيث قال عنه: "وكان جهمياً له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ"([157]). بينما يتأول لأهل الحديث الذين يشربون النبيذ كما في ترجمة وكيع بن الجراح، حيث قال: "فرضي الله عن وكيع وأين مثل وكيع؟! ومع هذا فكان ملازماً لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه فكان متأولاً في شربه ... ولا يوبخ بما فعله باجتهاد"([158]). بل أن ابن حنبل نفسه يوثق رجلاً سكيراً لأنه يوافقه في المذهب!، فحين سأل عن خلف بن هشام وقيل له: "يا أبا عبدالله إنه يشرب". قال: "قد انتهى إلينا علم هذا عنه، ولكن هو والله عندنا الثقة الأمين، شرب أو لم يشرب"([159]).

ومن أفحش تعصبات أهل الحديث تعديلهم لحماد بن سلمة بن دينار البصري (ت 167هـ) الذي قال عنه أحمد بن حنبل: هو أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويل. وقال عنه يحيى بن معين: هو أعلم الناس بثابت. وقال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحداً أشبه بمسالك الأُول من حماد. وقال ابن حبان: ما أنصف من جانب حديث حماد. وقال وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا([160]). وحماد هذا روى روايات منكرة شهد أئمة الحديث أنفسهم ببطلانها!، منها عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله مم خلق ربنا؟ فقال: "من ماء مرور، لا من أرض ولا من سماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق"([161]). هذه الرواية الساقطة التي قال عنها الجوزقاني: "هذا الحديث كفر وزندقة ولا ينقاس"([162]). حاول أهل الحديث تبرئة إمامهم حماد بن سلمة منها!، وادعوا بأن محمد بن شجاع الثلجي وضعه على حماد بن سلمة ليشين به أهل الحديث([163]). ومحمد بن شجاع الثلجي (ت 266هـ) قال عنه ابن حجر: "قال ابن المنادي: كان يتفقه ويقرئ الناس القرآن، مات فجأة في ذي الحجة. وقال أبو بكر أحمد بن كامل القاضي: كان فقيه العراق في وقته ... وكان المتوكل هم بتوليته القضاء. فقيل له: هو من أصحاب بشر المريسي، فقال: نحن نعد في أصحاب بشر، فقطع الكتاب. قال المروزي وثنا أبو إسحاق الهاشمي سمعت الزيادي يقول: أشهدنا ابن الثلجي على وصيته، وكان فيها: ولا يعطىمن ثلثي إلا من قال: القرآن مخلوق"([164]). فهو إذا من علماء المعتزلة وفقهائهم، وكما هو معلوم أن المعتزلة يرون أن البهتان كبيرة تخلد صاحبها في النار، فمن المستبعد جداً أن يستحلّ الثلجي رواية هذا الكفر البواح والكذب على رسول الله (صلى الله عليه و سلم).

واتهام أهل الحديث للثلجي ناتج من بغضهم للمعتزلة الذين وقفوا في صف المأمون في محنة خلق القرآن التي راح ضحيتها الكثير من أئمة الحديث كنعيم بن حماد وأحمد بن نصر الخزاعي كما سيأتي بيانه. وقد نقل الذهبي عن الثلجي قوله: "حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي: قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطاناً خرج إليه من البحر، فألقاها إليه"([165]). ومن الروايات المستنكرة التي رواها حماد بن سلمة، ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلة خضراء"([166]). وروى أيضاً أن عبدالله بن عباس قال: "أن محمداً رأى ربه، في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ، قدميه أو رجليه في خضرة"([167]).

عودة إلى القائمة

 

أهل الحديث يكفر بعضهم بعضاً:

مع إقرار أهل الحديث بأن البخاري ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبا خيثمة ومحمد بن سعد وابن أبي شيبة هم من كبار أئمة الحديث إلا أنهم انقلبوا عليهم، وطعنوا في دينهم، وتركوا الحديث عنهم بسبب موقفهم المخالف لعقيدة أهل الحديث.

فمحمد بن إسماعيل البخاري صاحب أصحّ كتب الحديث عند المحدثين([168]): تركه أهل الحديث حين رفض الإقرار لهم بأن لفظ القرآن غير مخلوق!، وقعد وحيداً في منزله، فمرقوا عليه وقالوا له: "ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك"([169])، وقال فيه أحدهم: "ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يختلف إلينا فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه ومن يقربه فلا يقربنا"([170])، وقال فيه أيضاً: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأته، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئاً بين المسلمين، ولم يدفن في مقابرهم، ومن وقف فقال لا أقول مخلوق مخلوق، فقد ضاهى الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه"([171]). وقال فيه أيضاً: "قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية"([172]). وتركه كذلك أبو حاتم وأبو زرعة الرازي بسبب موقفه من لفظ القرآن، يقول ابن أبي حاتم: "قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومئتين وسمع منه أبي وأبو زرعة وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق"([173]). وطرده أمير بخارى من بلاده لنفس السبب([174]).

وقد ذكر ابن الجوزي موقف أحمد بن حنبل وأتباعه من كبار أئمة المحدّثين الذين أقرّوا بخلق القرآن بعد أن هددهم الخليفة العباسي المأمون وناظرهم بالمعتزلة، ومن هؤلاء الأئمة: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن سعد صاحب "الطبقات الكبرى"، وابن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو نصر التمار([175]). وقد رفض أحمد بن حنبل الكتابة والتحديث عن أبي النصر التمار، كما أنه لم يصل عليه حين مات([176]). أما أبو خيثمة فقد أغلق أحمد بن حنبل الباب في وجهه، وحين جاء يحيى بن معين يزوره في مرضه أعرض عنه، ولم يكلمه حتى أنه لم يرد عليه السلام([177]). وقال أحمد بن حنبل: "وما يدري يحيى بن معين؟ فكل شيء يعرفه يحيى اضرب عليه"([178]). وقال الذهبي: "قال ابن المقري: سمعت محمد بن عقيل البغدادي يقول: قال إبراهيم بن هانئ: رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى ! فقال: من جرّ ذيول الناس جرّوا ذيله ... وقد قال أحمد بن حنبل: أكره الكتابة عمن أجاب في المحنة كيحيى وأبي نصر التمار"([179]).

أما علي بن المديني فكان أكثر من تضرر بشرر الحنابلة، فقد اتهمه أحمد بن حنبل بأنه يغير ألفاظ الروايات ليرضي السلطة([180])، وأنه يروي عن أحمد بن أبي دواد ويوهم الناس أنه يروي عن أحمد بن حنبل وذلك بقوله عن أبي عبدالله([181])، وأنه يجري ونعله في يده، وثيابه في فمه ليصلي خلف المعتزلة([182]واعتبره العقيلي من الضعفاء! حيث قال عنه: "جنح إلى ابن أبي داود والجهمية ... قرأت على عبدالله بن أحمد كتاب "العلل" عن أبيه فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه عن علي بن عبدالله، ثم قد ضرب اسمه وكتب فوقه حدثنا رجل ثم ضرب فوق الحديث كله، فسألت عبدالله فقال: كان أبي -يقصد أحمد بن حنبل- حدثنا عنه ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: يقول حدثنا رجل ثم ترك حديثه بعد ذاك ... قال الحضرمي: قال لنا عمرو بن محمد وذكر علي بن المديني، وقال: زعم المخذول في هذا الحديث"([183]).

أما ابن جرير الطبري فقد قال الذهبي: "ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ولقد ظلمته الحنابلة"([184])، وقال: "وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود وكان كل منهما لا ينصف الآخر وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود فكثروا وشغبوا على ابن جرير وناله أذى ولزم بيته نعوذ بالله من الهوى"([185]).

يقول الكوثري في مقدمة كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للزيلعي: "وقال ابن الجوزي في "التلبيس": ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث، قدح بعضهم في بعض، طلباً للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة، للذب عن الشرع، واللّه أعلم بالمقاصد، ودليل خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه". وقد أفرد الكوثري قبل ذلك بحثاً متكاملاً يشرح كيفية تلاعب الأهواء بالمحدثين في مسألة الجرح والتعديل قال فيه: "انظر قول ابن عدي في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، شيخ الشافعي: (نظرت الكثير من حديثه فلم أجد له حديثاً منكراً) مع أنك تعلم أقوال أهل النقد فيه، كأحمد وابن حبان، قال العجلي: (مدني، رافضي، جهمي، قدري، لا يكتب حديثه)، بل كذبه غير واحد من النقاد، ولولا أن الشافعي كان يكثر منه، قدر إكثاره من مالك، لما سعى ابن عدي في تقوية أمره، استناداً إلى قول مثل ابن عقدة. ومن معايب كامل ابن عدي، طعنه في الرجل بحديث، مع أن آفته الراوي عن الرجل، دون الرجل نفسه، وقد أقر بذلك الذهبي في مواضع من "الميزان". ومن هذا القبيل كلامه في أبي حنيفة في مروياته البالغة عند ابن عدي ثلاثمائة حديث، وإنما تلك الأحاديث من رواية آباء بن جعفر النجيرمي، وكل ما في تلك الأحاديث من المؤاخذات كلها، بالنظر إلى هذا الراوي الذي هو من مشايخ ابن عدي، ويحاول ابن عدي أن يلصق ما للنجيرمي إلى أبي حنيفة مباشرة".

عودة إلى القائمة

 

التدليس:

التدليس هو الستر والإخفاء وعدم التبيين للعيب، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "وذَلَّسَ في البيع وفي كل شيء، إذا لم يبيّن له عيبه"([186]). والمحدثون يستخدمون نفس هذ المعنى اللغوي لوصف التدليس في الحديث([187]). والتدليس في الحديث على ضربين: الأول أن يوهم المحدثُ أنه سمع الحديث من شخص معين وهو لم يسمعه منه، ومنه أيضاً أن يسمع من ثقة حديثاً في إسناده رجل ضعيف فيقوم بحذف الضعيف من الإسناد بحيث يظهر الإسناد مسلسلاً بالثقات، وهذا التدليس يعرف بالتسوية أي يسوي الثقات بطرح الضعفاء، وهو شرّ أنواع التدليس. والضرب الثاني: أن يسمع المحدث من شخص ضعيف فيغير من اسم الضعيف أو كنيته حتى لا يُعرَف أنه رواه عن ضعيف([188]).

وللتدليس مفاسد كثيرة، أهمها أنه سبيل للكذب على رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، وإفساد الدين، وذلك بالرواية عن الكذابين والوضاعين والمجرحين، وقد حكم أئمة الحديث على المدلسين بأشنع الأوصاف، يقول شعبة: "لأن أزني أحبُ أليّ من أن أدلس"، ويقول: "التدليس في الحديث أشد من الزنا، ولئن أسقط من السماء إلى الأرض، أحب إليّ من أن أدلس"، وقال: "التدليس أخو الكذب"، وقال حمّاد بن أسامة "خرب الله بيوت المدلسين، ما هم عندي إلا كذابون"، وقال حماد بن زيد: "التدليس كذب"، ثم ذكر حديث النبي (صلى الله عليه و سلم) للمتشبع بم لم يعط "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" قال حماد: "ولا أعلم المدلس إلا متشبعاً بما لم يعط" وقال عبدالله بن المبارك: "لأن نخرّ من السماء أحب إلي من أن أدلس حديثاً"، وقال وكيع: "نحن لا نستحل التدليس في الثياب فكيف في الحديث"([189]). وقال الذهبي: "وهو أي التدليس- داخل في قوله تعالى: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} آل عمران: 188، قلت: والمدلس فيه شيء من الغش، وفيه عدم نصح للأمة"([190]).

والذي يسمع هذا الكلام عن التدليس وأضراره وحكم فاعله يظن أن أئمة الحديث لم يتلبسوا بشيء منه، إلا أن الواقع بخلاف ذلك فإنك لا تجد واحداً منهم إلا وقد اتهم بالتدليس!. ومن أئمة الحديث وغيرهم ممن عرف بالتدليس:

ابن شهاب الزهري، قال عنه ابن حجر: "محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري الفقيه المدني نزيل الشام مشهور بالإمامة والجلالة من التابعين وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بالتدليس"([191]).

ومالك بن أنس، قال عنه ابن حجر: "مالك بن أنس الإمام المشهور يلزم من جعل التسوية تدليسا أن يذكره فيهم لأنه كان يروى عن ثور بن زيد حديث عكرمة عن ابن عباس، وكان يحذف عكرمة وقع ذلك ما حديث في الموطأ يقول عن ثور عن بن عباس ولا يذكر عكرمة وكذا كان يسقط عاصم بن عبد الله من إسناد آخر"([192]). وقال عنه ابن كثير: "قلت: الظاهر أن الإمام مالكاً إنما اسقط ذكر نعيم بن ريبعة عمداً لما جهل حال نعيم، ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا من هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيراً من المرفوعات ويقطع كثيراً من الموصولات"([193]).

ومحمد بن إسماعيل البخاري، قال عنه ابن حجر: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الإمام وصفه بذلك أبو عبد الله بن مندة في كلام له فقال فيه أخرج البخاري قال فلان وقال لنا فلان وهو تدليس"([194]). وقال عنه أيضاً: "كلام ابن الصلاح بأنه وجد في الصحيح عدة أحاديث يرويها البخاري عن بعض شيوخه قائلاً قال فلان، ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ. قلت: ... ومنها ما لا يورده في مكان آخر من الصحيح مثل حديث الباب، فهذا مما كان أشكل أمره عليَّ ... وأما قول ابن الصلاح أن الذي يورده بصيغة (قال) حكمه حكم الإسناد المعنعن، والعنعنة من غير المدلس محمولة على الإتصال، وليس البخاري مدلساً، فيكون متصلاً، فهو بحث وافقه عليه ابن مندة والتزمه، فقال: أخرج البخاري (قال) وهو تدليس ... والذي يظهر لي أن مراد ابن مندة أن صورته صورة التدليس لأنه يورده بالصيغة المحتملة، ويوجد بينه واسطة وهذا التدليس بعينه"([195]).

ومسلم بن الحجاج، قال عنه ابن حجر: "مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري الامام المشهور قال ابن مندة أنه كان يقول فيما لم يسمعه من مشائخه قال لنا فلان وهو تدليس"([196]).

وأبو داود الطيالسي، قال عنه ابن حجر "سليمان بن داود الطيالسي أبو داود الحافظ المشهور بكنيته من الثقات المكثرين قال يزيد بن زريع سألته عن حديثين لشعبة فقال لم أسمعهما منه قال ثم حدث بهما عن شعبة. قال الذهبي ودلسهما عنه فكان ماذا"([197]).

وأبو نعيم الأصفهاني، قال عنه ابن حجر العسقلاني: "أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ أو نعيم. صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة، منها: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة، والمستخرجين على الصحيحين. كانت له إجازة من أناس أدركهم ولم يلقهم، فكان يروى عنهم بصيغة أخبرنا ولا يبين كونها إجازة، لكنه كان إذا حدث عن من سمع منه يقول: حدثنا، سواء كان ذلك قراءة أو سماعاً، وهو اصطلاح له تبعه عليه بعضهم، وفيه نوع تدليس"([198]).

وسفيان الثوري، قال عنه ابن حجر: "سفيان بن سعيد الثوري الإمام المشهور الفقيه العابد الحافظ الكبير وصفه النسائي وغيره بالتدليس"([199]). وقال عنه ابن المبارك: حدث سفيان بحديث فجئته وهو يدلسه، فلما رآني استحى وقال نرويه عنك!([200]). وقال عنه الخطيب البغدادي: "حب الإسناد وشهوة الراوية غلبا على قلبه، حتى كان يحدث عن الضعفاء، ومن لا يحتج بروايته، فمن اشتهر منهم باسمه ذكر كنيته تدليساً للرواية عنه"([201]).

وسفيان بن عيينه، قال عنه ابن حجر: "سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام المشهور فقيه الحجاز في زمانه كان يدلس لكن لا يدلس إلا عن ثقة ... ووصفه النسائي وغيره بالتدليس"([202]). وهذا الدفاع البارد بأنه يدلس عن ثقة مردود بحقيقة أن روايات الثقات تزيد في رصيد راويها فكيف يدلسها عنهم والتدليس مطعن في الرواية؟!.

وأيوب السختياني، قال عنه ابن حجر: "أيوب بن أبي تميمة السختياني، أحد الأئمة متفق على الاحتجاج به، رأى أنساً ولم يسمع منه فحدث عنه بعدة أحاديث بالعنعنة أخرجها عنه الدارقطني والحاكم في كتابهما"([203]).

والدارقطني، قال عنه ابن حجر: "علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ المشهور، قال أبو الفضل بن طاهر كان له مذهب خفي في التدليس يقول قرئ على أبي القاسم البغوي حدثكم فلان فيوهم أنه سمع منه لكن لا يقول وأنا أسمع"([204]).

وسليمان بن مهران الأعمش: قال عنه الذهبي: "ما نقموا عليه إلا التدليس، قال الجوزجاني: قال وهب بن زمعة المروزي: سمعت ابن المبارك يقول: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش، وقال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعميشكم هذا"([205]).

 

 

 

عودة إلى القائمة

 

الوضع في الحديث:

لقد كان للأحداث السياسية التي مرت بها الدولة الإسلامية بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان وانقسام الأمة إلى شيعة علي وشيعة معاوية أثره البالغ في تفشي الوضع في الحديث للانتصار على الآخر.

كانت بداية الوضع في الحديث مبكرة جداً في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) فقد قال: عبدالله بن الحارث أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"([206]) في حق عبدالله بن أبي جذعة، أتى ثقيفا بالطائف، فقال: هذه حلة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم شئت. فقالوا: هذه بيوتنا فتبوأ أيها شئت. فانتظر يخلو الليل، فقال: وأتبوأ أي نسائكم شئت. فقالوا: له إن عهدنا برسول الله (صلى الله عليه و سلم) يحرم الزنا، فسنرسل إليه، فأرسلوا إليه رسولاً، فسار إليه، فأخبره القصة، فغضب رسول الله (صلى الله عليه و سلم) غضباً شديداً فلذلك قال " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".

واستمر التقول على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في عصر الصحابة، وكان ذلك في روايات التفسير والملاحم حتى أن أحمد بن حنبل قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي"([207]). ففي التفسير جاء أن مروان بن الحكم حين كان والياً لمعاوية على الحجاز طلب من الناس مبايعة يزيد ولياً للأمر بعد معاوية، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أهرقلية؟ إن أبا بكر رضي الله عنه، والله ما جعلها في أحد من ولده وأهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرمة لولده. فقال مروان متقولاً على الله ورسوله: إن هذا الذي أنزل الله فيه {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي} الأحقاف: 17، فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري([208]). وفي الملاحم جاء عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه"([209])، رد هذا الحديث معاوية ابن أبي سفيان وقال: "أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم). وأولئكم جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها"([210]).

ومن أوائل الأشياء التي طرقها الوضع في الحديث هي فضائل الأشخاص، حيث وضع كل أصحاب مذهب الأحاديث الكثيرة في فضائل أئمتهم ورؤساء أحزابهم. فقد تبنت الشيعة نظرية الإمامة الوراثية، وعلبوا للانتصار لنظريتهم روايات منسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) تزعم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أوصى بالولاية من بعده لعلي بن أبي طالب ثم لسلسلة بعينها من أبناء فاطمة، وقابلهم أهل الحديث من شيعة معاوية بنصوص منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) هي عبارة عن مضادات نصية مقابلة للطرح الشيعي العلوي، ففي مقابل نص الوصية لعلي ظهرت أحاديث في صحيح البخاري وغيره يجزم الطبري والأشعري وابن حزم أنها نص في الوصية لأبي بكر، وفي مقابل الأحاديث التي أوردها الشيعة العلويون في الطعن على معاوية ظهرت أحاديث تسهب في فضله وكرامته فضلاً عن إثبات حكمه وخلافته، وفي مقابل فكرة المهدي العلوي التي اخترعها الشيعة، ظهرت نصوص عند أهل الحديث تتكلم عن مهدي غير علوي كالمهدي الأموي السفياني وكالمهدي العباسي([211]).

وتفشى الوضع في الحديث بعد ذلك خاصة من قبل أعداء الإسلام الزنادقة ومنهم عبد الكريم بن أبي العرجاء خال معن بن زائدة وربيب حماد بن سلمة إمام أهل الحديث، وكان يدس الأحاديث في كتب حماد([212])، ولما أمر بقتله قال: "والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم"([213])، ورُوي عن المهدي أنه قال: "أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعة مائة حديث، فهي تجول في أيدي الناس"([214])، وكان حماد بن زيد يقول: "وضعت الزنادقة على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أربعة عشر ألف حديث"([215]).

ومن بين الوضّاعين زهاد المتصوفة وعبادها، وكان يحيى بن سعيد القطان يقول: "ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه في من ينسب إلى الخير والزهد"([216]) حيث يُروى عن غلام خليل الزاهد العابد الذي يتقوت الباقلا تصوفاً والذي أغلقت أسواق بغداد يوم موته([217]) أنه سأل عن أحاديث الرقائق التي يحدث بها فقال: "وضعناها لنرقق بها قلوب العامة"([218])، وسئل ميسرة بن مهدي عن أحاديث "من قرأ كذا فله كذا" فقال: "وضعتها أرغب الناس فيها"([219] وكان أبو داود النخعي أطول الناس قياماً بليل وأكثرهم صياماً بنهار وكان يضع الحديث وضعاً([220])، وسُئل أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي من أين له عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: "إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة"([221]).

وكان الوضاعون من الخبث بمكان حتى أنهم كانوا يضعون لكل كلام أستحسنوه إسناداً كما جاء عن محمد بن سعيد الذي قال: "لا بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له إسناداً"([222])، ومعلوم أن منهج أهل الحديث يقوم أساساً على النظر في السند ويتجاهل المتن، فماذا عن الأحاديث الموضوعة التي رصّعت بأسانيد جيدة([223])؟.

عودة إلى القائمة

 

ملاحظات على الجرح والتعديل:

وإن كنا لا ننكر بعض الجهود النظرية التي يقدمها لنا علم الحديث، من خلال بعض الأدوات النقدية التي استدخمها في وزن الأسانيد واختبارها، والوصول إلى درجة ما من تنقية السنة وتبوبيها، إلا أننا نتحفظ على هذه الحقيقة بعدة ملاحظات:

الأولى: أدوات علم الحديث لم تستطع أن تحول بين التاريخ والأنظمة الحاكمة والفرق الموازية لها فكرياً وسياسياً، وبين العبث بالسنة إنشاءاً وتأويلاً"([224]).

الثانية: "علم الحديث التقليدي كان يواجه معضلة عسيرة تتمثل في هذا الكم الهائل من الروايات الواجب فحصها، وهذا العدد الغفير من الرواة الواجب وزنهم بالجرح والتعديل. ولكن هذه المعضلة بغير شك، كانت تحكمية إلى حد كبير، بمعنى أنه كان بالوسع تلافيها من حيث الابتداء. لقد صنع أهل الحديث المشكلة بأيديهم، ثم راحوا يجهدون أنفسهم لوضع الحلول لها. وذلك أن عملية جمع الحديث وتدوينه لم تكتف بالمتواتر والمستفيض أو المشهور الشائع كما كان ينبغي، بل راحت تفتش في ضرب عجيب من المبالغة والنهم، وبقدر واضح من التصنع والإفتعال عن كل خبر تشتم فيه رائحة النسبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام سيل جارف من الروايات والأخبار"([225]).

الثالثة: يقول عبد الجواد ياسين: "نحن نزعم أن النص النهائي للسنة كتب في غضون الفترة التالية للإنقلاب. نعني بذلك أنه كتب على يد أهل الحديث، وفي ظل أجزاء العصبية والتعصب المصاحبة لحمى الإنتقام. الأمر الذي ترك أثره الواضح في "القائمة النهائية للرجال" كما اعتمدها أحمد بن حنبل زعيم الحديثيين. فقد راح أحمد بن حنبل يمارس الجرح والتعديل بميزان مذهبي ضيق، وفرضت قضايا "المحنة" ذاتها على الميزان. وقد"سُئل إذا اجتمع رجلان، أحدهما قد أمتحن (من قبل السلطة في قضية خلق القرآن) والآخر لم يمتحن، ثم حضرت الصلاة فأيهما يقدم؟ فقال: يقدم الذي لم يمتحن. وسئل عمن قال لفظي (تلفظي) بالقرآن مخلوق. فقال: هذا لا يكلم ولا يُصلى خلفه، وإن صلى رجل أعاد". وهكذا كان أحمد (ومن ورائه كتائب التدوين) يرد كل من خالفه في هذه القضية ولا يقبل روايته. ثم زاد في ذلك حتى رد رواية "المتوقف" الذي لم يتكلم في مسألة خلق القرآن، فكان يقول "فلان واقفي مشؤوم" ولقد بالغ أحمد في ذلك حتى ذهب يقول: "لا أحب الرواية عمن أجاب في المحنة كيحيى بن معين" رغم أن هذا الأخير أستاذه.

ونحن نعجب من هذا الموقف الحنبلي المتعصب، ونرى فيه ضرباً من السذاجة الفكرية وضيق الأفق، ونأسف شديد الأسف لأن أصحابه بالذات ودون غيرهم، هم الذين كتبوا علم الحديث ودونوا السنة، ثم شرعوا يكتبون الفقه ويقدمون باسم الإسلام منظومة مفصلة وجاهزة، هي تلك التي يتم توارثها بين المسلمين حتى اليوم.

ومما يزيد من هذا العجب أن أحمد بن حنبل لم يكن من المتشددين في توثيق الرجال، فقد كان يروي عن عامر بن صالح بن عبدالله بن الزبير. الذي قال فيه النسائي ليس بثقة. وقال الدارقطني: يترك، وقال ابن معين: كذاب خبيث عدو الله ليس بشيء ... ومسند أحمد ملئ بأمثال عامر بن صالح، هنا يتجلى أثر الإنقلاب واضحاً في الجرح والتعديل، ومن ثم في قبول الحديث ورده، أو بعبارة مكافئة في ثبوت النص السني ذاته"([226]).

الرابعة: "في نشوء هذا العلم ذاته دليل على وجود هذه الحالة التي استوجبت النشوء، أي حالة الطلب المتزايد على الحديث بشكل مبالغ فيه، مما لا بد أن يترجم إلى زيادة في العرض"([227]).

عودة إلى القائمة

 

عملية تخييش الروايات:

ومع كل هذه الإرهاصات التاريخية التي شابت عملية تدوين وجمع الروايات المنسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) والآثار المنسوبة إلى صحابته الكرام، ومع استفحال حالة العبث المفرط بالسنة تعليباً وتأويلاً من قبل السلطة والمذاهب الفقهية والكلامية المتناحرة، ومع فشوّ الوضع في الحديث من قبل أصحاب الأهواء وأصحاب العقليات الصوفية الخرافية، فإن عملية التصنيف والتبويب والتأليف في علم الحديث جاءت متأخرة جداً، حيث تمت في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري، وابتدأها الربيع بن صبيح ومالك بن أنس في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة والنسائي في القرن الثالث الهجري، والكثير من هذه الكتب إن لم يكن كلها قد طعن فيها أهل الحديث أنفسهم!.

فصحيح البخاري مثلاً طعن فيه كثير من أئمة الحديث، وقد أقرّ ابن حجر بوجود مئة وعشرة أحاديث منتقدة على صحيح البخاري([228])، وأهم تلك الانتقادات هي التي وجهها أبو الحسن الدارقطني في كتابه "العلل"، وقد أقرّ ابن حجر بقوة تلك الانتقادات، حيث قال: "وقال يقصد النووي- في مقدمة شرح البخاري: فصل قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جداً، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، فلا تغتر بذلك اهـ كلامه، وسيظهر من سياقها انها ليست كلها كذلك"([229]). فابن حجر يقرّ أن انتقادات الدارقطني ليست واهية كما زعم النووي، علماً بان انتقادات الدارقطني كانت إسنادية بحتة، ولم تتطرق كعادة أهل الحديث- إلى نقد المتون.

وقد تطرق محمد رشيد رضا إلى قضية الإشكالات الكثيرة في متون روايات البخاري حيث قال: "وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن، ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع تعارضها مع غيرها مع محاولة الجمع بين المختلفات، وحل المشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض"([230]). وقال: "لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامة الوضع"([231]).

وقال عداب الحمش موضحاً محاولة ابن حجر الدفاع عن صحيح البخاري: "وقد تكلم فيه صاحبه على علل الحديث والرجال كلام خبير ناقد، بيد أنه كان يغضّ الطرف عن كثير من العلل، التي تعكّر على مواقفه الواضحة في الدفاع عن صحيح البخاري، وعن صحيح مسلم تبعاً"([232]).

وقد أقرّ الذهبي بوجود كثير من المجاهيل في صحيح البخاري ومسلم!، ففي ترجمته لحفص بن بغيل قال: "قال ابن القطان لا يعرف له حال ولا يعرف" فعلق الذهبي على تجريح ابن القطان للرجل قائلاً: "ففي الصحيحين من هذا النمط خَلق كثير مستورون، ما ضعّفهم أحد ولا هم بمجاهيل" ([233]).

أما صحيح مسلم، فقد روى صاحبه مسلم بن الحجاج روايات كثيرة عن المنسوبين للتشيع، يقول الخطيب البغدادي: "أبا عبد الله محمد بن يعقوب وسئل عن الفضل بن محمد الشعراني، فقال: صدوق في الرواية إلا أنه كان من الغالين في التشيع. قيل له: فقد حدثت عنه في الصحيح، فقال: لأن كتاب أستاذى ملآن من حديث الشيعة يعنى مسلم بن الحجاج"([234])، وقد زجره أستاذه أبو زرعة الرازي بسبب هذا الميل العلوي وحشو كتابه بما ينصر عقائد الشيعة، وقال له: "يطرق لأهل البدع علينا"، وكذلك فعل محمد بن مسلم بن وادة([235]).

وقال الحاكم: أن مسلم روى أحاديث كثيرة مختلف في صحتها([236])، وقال ابن تيمية: "ومما قد يسمى صحيحاً ما يصححه بعض علماء الحديث، وآخرون يخالفونهم في تصحيحه، فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح، مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم، إما مثله أو دونه أو فوقه"([237]).

ومسند أحمد الذي يعتبرمن أكبر الموسوعات الحديثية، قد طعن فيه أئمة الحنابلة من أهل الحديث، يقول ابن الجوزي: "كان قد سألني بعض أصحاب الحديث هل في مسند الإمام أحمد ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم ... فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والردئ، ثم هو قد رد كثيراً مما روى ولم يقل به ولم يجعله مذهباً، ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في المسند طعن فيها أحمد"([238]). وقال الذهبي: "وفي "المسند" جملة من الأحاديث الضعيفة مما لا يسوغ نقلها ولا يجوزالاحتجاج بها، وفيه أحاديث عديدة شبه موضوعة"([239]).

وجامع الترمذي المشهور بـ "سنن الترمذي"، قال عنه الذهبي: "قلت في الجامع علم نافع وفوائد غزيرة ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام لولا ماكدره بأحاديث واهية بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل ... قلت: جامعه قاض له بإمامته وحفظه وفقهه، ولكن يترخص في قبول الأحاديث، ولا يشدد، ونفسه في التضعيف رخو"([240]).

وسنن ابن ماجة، قال عنه الذهبي: "غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة إن صح فإنما عنى بثلاثين حديثاً الأحاديث المطرحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة، لعلها نحو الألف"([241]).

ومسند الطيالسي، صحابه هو سليمان بن داود (ت 204هـ)، قال عنه الذهبي: "ثقة أخطأ في أحاديث، قال إبراهيم بن سعيد الجوهري الحافظ: أخطأ أبو داود في ألف حديث، وقال أبو حاتم: أبو داود محدث صدوق، كان كثير الخطأ ... قال يزيد: حدثت بهما أبا دواد فكتبهما عني، ثم حدث بهما عن شعبة. قلت: دلسهما، فكان ماذا"([242]).

والنسائي صاحب السنن، كان يميل إلى التشيع حيث ألف كتاب أسماه "خصائص علي" ضمنه سننه، وكان يميل إلى رأي الشيعة في إجازة إتيان النساء في الدبر!، قال عنه الذهبي: "قال مرة بعض الطلبة ما أظن أبا عبدالرحمن إلا أنه يشرب النبيذ للنضرة التي في وجهه، وقال آخر ليت شعري ما يرى في إتيان النساء في أدبارهن، قال: فسئل عن ذلك، فقال: النبيذ حرام، ولا يصح في الدبر شيء، لكن حدث محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: اسق حرثك حيث شئت، فلا ينبغي أن يتجاوز قوله"([243]).

وعبدالرزاق بن همام صاحب "المصنف"، قال عنه الذهبي: "أحد الأئمة الثقات، كان عباس العنبري أحد من رحل إليه، وقال: "إنه لكذاب". وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره، وقال ابن عدي في كامله: حدّث بأحاديث في الفضائل لم يوافق عليها، قلت: كان يتشيع. وقد قال أحمد: إنه عمي آخر عمره، وكان يُلَقّن فيتلقَّن، فسماع من سمع عنه بعد العمى لا شيء، قال ابن الصلاح: وجدت فيما روى الطبراني عن الدَّبري عنه أحاديث استنكرتها، فأحلت أمرها على ذلك ... أبا حاتم قال: يكتب حديثه ولا يحتج به"([244]).

وابن الجعد صاحب المسند، قال عنه ابن عدي: "قال حسين بن فهم سمعت يحيى بن معين يقول وسئل أيما أثبت أبو النضر أو علي بن الجعد؟ فقال: يحيى خرب الله بيت علي إن كان في الثبت مثل أبي النضر أو نحو هذا من القول. وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه ضعفه، وقال: نهيت ابني عبد الله أن يكتب عنه وعبد الله لم يكتب عن أحد إلا عن من أمره أبوه بالكتابة عنه وكتب عبد الله عن شيخ يقال له يحيى بن عبدويه من أهل بغداد وكان يحدث عن شعبة ويحيى بن عبدويه ليس بالمعروف ولم يكتب عن علي بن الجعد مع شهرته لأن أباه نهاه عن الكتابة عنه"([245]).

وابن أبي شيبة صاحب "المصنف"، قال عنه الذهبي: "قال أحمد بن حنبل: دع ابن أبي شيبة في ذا، وانظر ما يقول غيره، يريد أبو عبدالله كثرة خطئه ... وقال جعفر الفريابي: سألت محمد بن عبدالله بن نمير عن بني شيبة ثلاثتهم، قال فيهم قولاً لم أحب أن أذكره"([246]).

والبزار صاحب "المسند"، أحمد بن عمرو (ت 292هـ) قال عنه الذهبي: "قال أبو أحمد الحاكم: يخطيء في الإسناد والمتن ... وقال الحاكم: سألت الدارقطني عنه، فقال: يخطيء في الإسناد والمتن، حدّث بالمسند بمصر حفظاً، ينظر في كتب الناس، ويحدّث من حفظه، ولم يكن منه كتب، فأخطأ في أحاديث كثيرة، جرّحه النسائي، وهو ثقة يخطيء كثيراً"([247]).

قام هؤلاء المحدّثون بعملية تخييش لمحصول الروايات التي انتجتها مزارع الرواية في عهد بني أمية وبني العباس، معتمدين على آليات الجرح والتعديل الإسنادية دون تطرق إلى قراءة الروايات قراءة نقدية، فلهذا تجد روايات كثيرة تعتبر صحيحة السند بمقاييس الجرح والتعديل الكلاسيكية إلا أنها مخالفة للقواعد الكلّية المستوحاة من النصوص القطعية المحكمة من الكتاب العزيز والمجتمع عليه من سنة النبي (صلى الله عليه و سلم)، ومن نماذج ذلك:

عودة إلى القائمة

 

روايات تطعن في النبي (صلى الله عليه و سلم):

من أمثلة ذلك الروايات التي تقول أن الرسول (صلى الله عليه و سلم)قد سُحر، وأنه كان يُخيَّل إليه أنه "كان يفعل الشيء وما فعله"، وأنه "كان يأتي النساء ولا يأتيهن"([248]). وهذه الروايات تطعن في رسالة النبي (صلى الله عليه و سلم)، لأن فعله وتصرفاته (صلى الله عليه و سلم) محل متابعة ومراقبة من الأمة لتعلقها بجوانب الرسالة وتبيين القرآن الكريم وشرحه، وكيف يمكن قبول مثل هذه الرواية والله سبحانه وتعالى قد أكد على عصمة نبيه (صلى الله عليه و سلم) من ضُر الاعداء له حيث قال عز وجل: {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا}المائدة42، وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة67، إن مثل هذه الروايات تثبت قول المشركين الذين ادّعوا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان مسحوراً {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} الإسراء47.

بل إن بعض الروايات تدعي أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) مات مقتولاً من أثر سم الشاة التي قدمتها له اليهودية في خيبر، فقد جاء في بعض الروايات أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لعائشة أم المؤمنين قبل وفاته: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا آوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم"([249]). وجاء أن أنس بن مالك قال: "فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله (صلى الله عليه و سلم)"([250]) يقصد مضغة السم من الشاة!، وهذه القصة تنافي تأكيد الله عز وجل ووعده لنبيه (صلى الله عليه و سلم) بأنه عاصمه من الناس {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة67.

ومن الروايات المعارضة لنصوص الكتاب العزيز رواية أمر الرسول (صلى الله عليه و سلم) لسهلة بنت سهيل أن ترضع سالم مولى أبي حذيفة -زوجها- وهو رجل شاب ملتحي! حيث يفرد مسلم فصلاً خاصاً في صحيحه لسرد هذه الرواية العجيبة والتي جاء فيها "جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فقالت: يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): "ارضعيه". فقال: أنه ذو لحية، فقال "أرضعيه يذهب ما وجه أبو حذيفة". فقالت: والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة"، وفي رواية أنها حين قالت للرسول (صلى الله عليه و سلم) أن سالماً رجل كبير. قال لها: "قد علمت أنه رجل كبير"([251]). وهذه الرواية تخالف مجمل الأخلاق الإسلامية التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة القائمة على العفة والطهارة، وتعارض أمر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات بغض البصر وعدم التطلع إلى زينة النساء من غير ذوات المحارم والتي أصلتها سورة النور وخاصة قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور: 31.

بل لقد وصل الإسفاف بهذه الروايات إلى النيل من عرض السيدة عائشة أم المؤمنين حيث جاء في أحدها أن أم سلمة تستغرب من عائشة كيف تسمح للغلمان المشارفّي الحلم بالدخول عليها!، وأن عائشة ردت عليها محتجة برواية سهلة وإرضاعها لسالم مولى أبي حذيفة!. ونص الرواية: "قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل عليَّ، فقالت عائشة: أما لك في رسول الله أسوة؟ .. فذكرت قصة امرأة أبي حذيفة"!([252]).

وجاء في بعض الروايات أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) كان يدخل على النساء اللواتي لسن من محارمه وأنه ينام بين أيديهن وأنهن كنَّ يفليين رأسه؟! فقد جاء فيها أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) "كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت. فدخل عليها رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول الله (صلى الله عليه و سلم)"([253])، وهذا الفعل الذي تنسبه مثل هذه الروايات إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) مخالف لصريح القرآن الذي يصف الرسول (صلى الله عليه و سلم) بأنه صاحب أخلاق عظيمة {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم4، والمتواتر من السنة الرسول (صلى الله عليه و سلم) القولية والفعلية التي تحرم الخلوة بين الرجل والمرأة، فقد ثبت عنه (صلى الله عليه و سلم) قوله : "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت"([254])، فكيف يتصور منه (صلى الله عليه و سلم) النوم عند امرأة أجنبية ثم تقوم بفلي رأسه!.

ومن ذلك أيضاً ما جاء في بعض الروايات من محاولة الرسول (صلى الله عليه و سلم) للانتحار، حيث كان يصعد "رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً. فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع"([255]). فكيف يجوز تصور رغبة الرسول e في الانتحار والله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} النساء29، ويقول: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} البقرة195، إن إثبات الهمّ بالانتحار للرسول (صلى الله عليه و سلم) يعطي المنتحرين ذريعة لاقتراف فعلتهم، فطالما أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قادته نفسه إلى الانتحار لولا إنقاذ جبريل له، فكيف بمن هو دونه ممن ليس له وحي ينقذه من هذه الرغبة التي لم يصمد أمامها النبي المعصوم؟!

وجاء في بعض الروايات أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يمشي عارياً أمام الناس! فقد جاء عن جابر بن عبدالله أنه قال: "أن رسول الله e كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه: يا بن أخي لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة. قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشياً عليه. فما رؤي بعد ذلك عرياناً e "([256]). يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: "من يصدق هذه الرواية ولو جاءت بأصح الأسانيد كما يزعمون؟!، من يصدق أن النبي (صلى الله عليه و سلم) الذي يصفه الله بأنه على خلق عظيم {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: 4، يصل به الأمر أن يبدي عورته، ذلك الشيء لا يرضاه حتى أولئك الذين يعيشون في الأدغال أبعد ما يكونون عن الحضارة وعن القيم الإنسانية فضلاً عن القيم الدينية، من الذي يصدق هذا"([257]).

وتنسب بعض الروايات إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) الغرق في الجهل والخرافة!، فقد جاء فيها أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: "ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها. فإنها تطلع بين قرني شيطان"([258])، ومعلوم أن الشمس تسطع على كل سطح الكرة الأرضية المقابل لها، واشعاعاها لا ينقطع عن الارض في لحظة من اللحظات، ولكل أهل أقليم من الأرض مطلعهم الخاص، فهل الكرة الأرضية محاطة بحجاب محكم من الشياطين شبيه بطبقة الأوزون مثلاً؟!.

وجاء في بعض الروايات أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) أخذ بيد أبي هريرة وقال له: "خلق الله عز وجل- التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم (عليه السلام) بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل"([259]).

وهذه الرواية التي تدّعي أن خلق الكون تم في سبعة أيام مخالفة لنص الكتاب العزيز الذي يؤكد أن الله عز وجل خلق الكون في ستة أيام {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} ق: 38. قال ابن كثير معلقاً على هذه الرواية: "وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً وقد حرر ذلك البيهقي"([260]).

عودة إلى القائمة

 

روايات تطعن في الأنبياء عليهم السلام:

جاء في أحد الروايات أن موسى (عليه السلام) استقبل ملك الموت حين أخبره بموعد وفاته بلطمة على عينه فقأها!، فقد نُسب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "أرسل ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم مه؟ قال: ثم الموت"([261]).

وهذا الفعل لا تجوز نسبته إلى موسى (عليه السلام) لمخالفته للنصوص القطعية من الكتاب العزيز التي تؤكد على أن الأجل لا يستقدم ولا يستأخر، يقول تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}المنافقون: 10-11.

والرواية تصف ملك الموت بصورة الآدميين، كما أنها تزري بالملائكة وتبين ضعفهم أمام النبي الذي يمجده اليهود!، مما يثير الريبة في مصدرها.

يقول الشيخ محمد الغزالي مستنكراً هذه الرواية: "وقد وقع لي وأنا بالجزائر أن طالباً سألني: أصحيح أن موسى (عليه السلام) فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعدما استوفى أجله؟ فقلت للطالب وأنا ضائق الصدر: وماذا يفيدك هذا الحديث؟ إنه لا يتصل بعقيدة، ولا يرتبط به عمل! والأمة الإسلامية تدور عليها الرحى وخصومها طامعون في إخماد أنفاسها! اشتغل بما هو أهم وأجدى ... وعدت لنفسي أفكر: إن الحديث صحيح السند، لكن متنه يثير الريبة، إذ يفيد أن موسى يكره الموت، ولا يحب لقاء الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوض بالنسبة إلى الصالحين من عباد الله كما جاء في الحديث الآخر "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه". فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحد من أولي العزم. إن كراهيته للموت بعدما جاءه ملكه أمر مستغرب! ثم هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عمى أو عور؟ ذاك بعيد"([262]).

ثم قال معلقاً على المازري الذي اعتبر من رد الحديث ملحداً: "هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ!، ومن وصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيل في أعراض المسلمين، والحق أن في متنه علة قادحة تنزل به عن مرتبة الصحة، ورفضه أو قبوله خلاف فكري، وليس خلافا عقائدياً، والعلة في المتن يبصرها المحققون، وتخفى على أصحاب الفكر السطحي"([263]).

وتنسب بعض الروايات الكذب إلى إبراهيم (عليه السلام) فقد روي عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "لم يكذب إبراهيم (عليه السلام) إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا}، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه. قال: أختي. فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني([264]).

ثم يأتي تفصيل القصة في رواية أخرى، وفيها. "فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضّأُ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ الكافر. فغط حتى ركض برجله، قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبدالرحمن: إن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته فأرسل. ثم قام إليها، فقامت توضأ تصلي وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ هذا الكافر. فغط حتى ركض برجله قال: عبد الرحمن، قال: أبو سلمة، قال: أبو هريرة، فقالت: اللهم إن يمت فيقال: هي قتلته، فأرسل في الثانية أو في الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إليّ إلا شيطاناً، أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها آجر، فرجعت إلى إبراهيم (عليه السلام) فقالت أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة"([265]).

وهذه القصة منقولة حرفياًُ من التوراة([266])، يقول الفخر الرازي: "واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "ما كذب إبراهيم (عليه السلام) إلا ثلاث كذبات" فقلت: الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار. فقال على طريق الاستنكار: فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة، فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم (عليه السلام)، وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أن صون إبراهيم (عليه السلام) عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب"([267]).

و"آجر" الخادمة هي "هاجر" أم إسماعيل (عليه السلام)، وبذلك يكون النبي محمد (صلى الله عليه و سلم) من أبناء الإماء والجواري! مع أن الله تعالى يقول: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} آل عمران: 33-34.

وجاء في أحد الروايات أن موسى (عليه السلام) كان يكشف عروته أمام الناس!، فقد جاء من طريق أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال"كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده. فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر )متورم الخصية)، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه!، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس. وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا. فقال أبو هريرة والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربا بالحجر"([268]).

ولنا أن نتساءل كيف سمح موسى لقومه أن يغتسلوا عراةً ينظر بعضهم إلى بعض؟ وادعاء المتكلفين أن الله تعالى لم يأمره بأن يخبرهم بستر العورة غير مقبول لأن مثل هذه الأمور تعتبر من أبجديات الشرائع السماوية، فكيف يتصور أن يخوض موسى (عليه السلام) بقومه البحر ويواجه بهم صلف فرعون وهو لم يخبرهم بعد بوجوب ستر العورة؟ وسياق القصة يدلل على أصولها التوراتية التي ربما اقتبسها أبو هريرة من كعب الأحبار ونسبها الرواة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم).

عودة إلى القائمة

 

روايات تطعن في موقف الإسلام من المرأة:

حرّر الإسلام المرأة من هوان الجاهلية والأفكار الوثنية التي لابست الملل المنحرفة، وساوت بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات كل بحسب تكوينه البيولجي والنفسي والإجتماعي، بيد ان بعض الروايات الآحادية تنسب إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) أنه جعل المرأة في منزلة الحمير والكلاب!، حيث روي أنه قال: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب"([269]). وأحمد بن حنبل وهو إمام أهل الحديث- أخذه شيء من الشك في هذه الرواية فقال: "الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء"([270])، والكلب الأسود في حقيقته لا يختلف عن الكلب الأحمر، بيد أن الروايات تنسب إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "الكلب الأسود شيطان"([271])، ونعجب من هذه العنصرية التي انتقلت أيضاً إلى عالم الكلاب حيث صار اللون الأسود في الكلاب شر الألوان!.

وقد ردت السيدة عائشة هذه الرواية وقالت: "قد شبهتمونا بالكلاب والحمير، والله لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة"([272]). وقالت: "إن المرأة لدابة سوء لقد رأيتني بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و سلم) معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي"([273])، ورد ابن عباس أيضاً هذه الرواية قائلاً "بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلباً وحماراً، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله (صلى الله عليه و سلم) يصلي بالناس حتى إذا كنت قريباً منه مستقبلهُ نزلت عنه وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في صلاته فما أعاد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) صلاته ولا نهاني عما صنعت ... ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يصلي في مسجد فخرج جديٌ من بعض حجرات النبي (صلى الله عليه و سلم)، فذهب يجتاز الصفوف بين يديه، فمنعه رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة"([274]).

وادّعت أحد الروايات أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: "لولا حواء لما خانت أنثى زوجها"([275])، علماً بأنه لا ذكر في القرآن الكريم على أن زوج آدم قد خانته، أو أنها دعته إلى فعل المعصية! بل إن الله تعالى أثبت المخالفة لآدم قبلاً ثم زوجه بالتبعية، حيث قال عز وجل: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} طه: 115، ثم قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} طه120-121. فالخطأ الأصلي صدر من آدم الذي اتبع وسوسة الشيطان، وأما الزوجة فخطأها كان في اتباع زوجها على الخطأ. ولو سلمنا بخطأ زوج آدم، فما ذنبها حتى تنتقل معصيتها إلى بناتها والله تعالى يقول: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} الأنعام164.

وتزعم أحد الروايات أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "إن المرأة خلقت من ضلع، وأن أعوج شيء في الضلع أعلاه"([276]). علماً بأن عقيدة خلق المرأة من الضلع ه