أكتوبر 2008


تعيش الأمة الإسلامية اليوم راهناً فكرياً يموج بالكثير من المراجعات والغربلة للتراث، خاصة الشق المقدس منه وهو المتعلق بالقرآن والسنة والعلوم المرتبطة بهما، وهذا الحراك يبشر بغد أفضل ومستقبل أكثر إشراقا، لا ريب أن هذا الحراك أحدث غبارا وأدخنة أحرقت البعض وأصابت آخرين بأمراض أعاقت قدرتهم على مواصلة النقد والفحص في التراث، بيد أن هذا الغبار ليس إلا نتاجا لنزع الأغطية المقدسة عن التراث ونفضها، وليست الأدخنة سوى محصلة لإحراق الزائف من الأفكار المغلوطة التي لم يخلو منها أي تراث إنساني.

فلهذا يتوجب علينا عدم الاستسلام أمام الضباب والأدخنة والغبار لإنها ليست سوى حجاب يمكن التعامل معه بالحكمة من أجل الوصول إلى مناطق التراث المحتاجة إلى إعادة فحص وترميم. أما الاستسلام والخضوع والابتعاد عن مهمة التدبر والنقد فإنه يُعبر عن قصور في فهم ظاهرة ردات الفعل المتشنجة من قبل بعض المعجبين بالتراث والمقدسين لغثه وسمينه. إن تاريخ الأفكار ليؤكد أن كل فكرة انتجها الإنسان لم تخلو من اتباع يكافحون عنها، لن يُعدم الفكر الإصلاحي المتحمسين من أصحاب الطاقات الذين يضخون فيه دماء الحياة ومزاحمة الأفكار الجامدة.


 

إن الاختلاف وتعدد الآراء لا ينبغي أن يكون وسيلة إلى الفرقة والخصام، وإنما يجب أن توجه طاقات المختلفين إلى إثراء المرجعية المعرفية للأمة، إن الفرقة والخصام ليست سوى نتاج لأفكار ضيقة محدودة تتوهم فناء العالم بمخالفة رأيها، فلهذا تجد أصحابها من أشد الناس تعصبا وخصاما، لا يقبل هؤلاء رأيا غير الذي رأوه، ويبرأون من صاحب الرأي مخالف، وهم بذلك يمارسون لا شعوريا الشعار الفرعوني {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى}غافر: 29. كل منا يمتلك فرعونا قابعا في داخله، لكن العقل يقيده ويصرفه عن ممارسة الاستبداد، ولكن هذا الفرعون استطاع أن يعطل عقول المتعصبين فيستبد بها ويطلق سهامها نحو مخالفيهم براءة وتكفيرا.


 

أما فتح أبواب الحوار وتعدد الأراء والأفكار فهو رديف للحكمة الإلهية، فالله سبحانه وتعالى حاور ملائكته قبل استخلاف البشر على الأرض، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}البقرة: 30. بل ما هو أكبر من ذلك فقد قصّ الله علينا حوارا وقع بينه وبين أشد المخلوقات جحودا وظلالا، حوار بين الله والشيطان، جاء فيه {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}الأعراف: 12، ذات الحكمة الربانية القائمة على الحوار نجدها ماثلة في ممارسات الأنبياء التي قصّها القرآن الكريم، فهذا إبراهيم يحاور ابنه ويطلب رأيه في تنفيذ الأمر الإلهي من عدمه (الصافات: 102)، وهذا إبراهيم يحاور الملائكة ليصرفهم عن عقاب قوم لوط (هود: 75). وهذا يعقوب يحاور ابناءه وينزل عند قولهم مع ظنه بسوء نواياهم (يوسف: 11-14). وهذا سليمان يحاور الهدهد قبل أن يصدر عليه حكما عقابيا على تخلفه عن الاجتماع، وينزل عند رأيه لقوة حجته (النمل: 20-22). وهذه ملكة سبأ تحاور قومها ولا تستبد بالرأي عنهم {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ}النمل: 32. وهذا محمد يأمره ربه أمراً، ويفرض عليه فرضا الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}آل عمران: 159.


 

هذه نماذج من الحوار القرآني بين الخالق ومخلوقاته وبين الملائكة والأنبياء والصالحين الذين أمرنا بالاقتداء بسنتهم {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}الأنعام: 90، وهذه الحوارات ليست في أمور زائدة عن الحاجة بل هي حوارات في صميم الإيمان والتوحيد، وتتعلق بالتشريع وتطبيقاته في الواقع. ليست الحوارت التي قصها القرآن الكريم من قبيل التسلية والاستمتاع، وإنما هي حوارات مأسِسة لمبدأ الحوار الإيماني الذي لا يقل أهمية عن مباديء الإيمان الأخرى كالتوحيد والتنزيه، ولا تقل أهمية عن أصول التشريع المرتبطة بأحكام الصلاة والزكاة وغيرها.


 

إن الحوار والاستماع إلى الآخر فريضة قرآنية لا يستقيم إيمان المرء دونها، ولكنه للأسف الشديد تمت تنحيته في أغلب خطابات الإسلاميين، واستعيظ عنه بخطابات فرعونية انحلت من قيود العقل وتفلتت من زمام التوجيه القرآني، لقد تم تغييب الرؤية التقريبية للحوار وكونه أداة لاكتشاف وتصحيح المعرفة وتم الاستعاضة عنه برؤية انتهازية لا ترى فيه سوى وسيلة إفحام وتبكيت للخصم وإيصال رسالة وعظية إليه، فلهذا لا يكاد الحوار يبدأ حتى تستفز البنى المعرفية من اللاشعور، وتبدأ مصلطحات الأدلجة مثل قطعا وإجماعاً تطفو على السطح، وحين يعجز طرف عن إقناع الآخر يوجهه الشعور بالفشل نحو التشنج والانفعال والبراءة والتكفير.


 

وإن تعجب فعجب ملأ هؤلاء لردهات ما يسمى مؤتمرات حوار الأديان والثقافات، وليس ذلك بعجيب، فتواجدهم هناك تم طوعاً لتكريس زعامتهم العاطفية لأمة مسلوبة الرأي، أو كرها لتقديم فروض الولاء والطاعة للآخر المنتصر عسكريا واقتصاديا، إن حضور مؤتمرات الحوار مع غير المسلمين في ذات اللحظة التي يختطف فيه الحوار داخل البيت الإسلامي ليكشف بعمق ظاهرة الاستبداد والتسلط الفكري التي يعاني منها الخطاب الإسلامي، إضافة إلى التشويش الذهني الحاجب لحقيقة بدهية مفادها أن القصور الذي قد يبدو عن بعض المسلمين أفضل من الكفر البواح الموجود عند غير المسلمين، والمسلم المقصر أولى بالحوار والاحتضان من غير المسلم.


 

ليس التعصب والتكفير طارئا على مجتمعاتنا الإسلامية وإن كان مستفزا وسائدا في الفترة الراهنة، فقد ابتدأت بذور التعصب مع آخر أيام الخليفة عثمان، كانت بداية الاختلاف سياسية بامتياز وقادها الثوار ضد عثمان، ووجهها الأمويون ضد علي وشرعية خلافته، ورسختها من بعد المؤسسة الفكرية التي انشأتها الدولة الأموية لاستمالة القلوب والعقول الناقمة على سياسيتها، لم تجد تلك المؤسسة أمام هذه الحشود من المسلمين التي لا تحتكم سوى إلى ميراث محمد (القرآن والسنة) سوى الرواية سبيلا لتأسيس شرعيتها، وأنهم قضاء الله وقدره الذي صيرته الرواية ركنا إيمانيا سادسا! واستلم الفقهاء تركة الصراع السياسي بين الأمويين ومخالفيهم وبدأوا في التنظير للخلاف وتأصيل المفاصلة بين الأحزاب وتأسيس المذاهب وفقا لاحتيجات كل حزب من المخزون الروائي الذي صار كلأ مستباحاً كل يروي فيه ما يشاء ويختلق فيه ما يهوى، حتى تضخمت الروايات وصارت تلالا تعد بالآلاف المؤلفة والأطنان المكدسة.

وحين استفاق الجميع من سكرة اللهاث الروائي بدأوا في عملية غربلة ذلك المخزون الهائل من المرويات، إلا ان عملية الغربلة تلك اكتفت بنقد القشور المرتبطة بإسناد النقل، ولم تحفل –وإن ادعت ذلك-بدراسة متون الروايات ومضامينها، فورثنا بغير حول منا تركة هائلة من المرويات التي تصدمك دلالالتها المخالفة للحس والوجدان والعقل والقرآن، بل هي مخالفة لسنة النبي التي اتفق الناس عليها، وهي مع ذلك متشاكسة متضاربة لا تكاد تجد موضوعا إلا وفيه رواية أو أكثر متعارضة في الدلالة.

وطغت على الأمة النظر ة الإسنادية باعتبارها حافظاً للسنة والدين، وصار كل مسلم مداناً بالتجريح ما لم تثبت عدالته! وسيطرت على العقول النظرة الجاسوسية المتوجسة من كل صاحب فكرة، وسلت سيوف التجريح والبراءة، وسالت دماء التكفير، وأخرست أصوات الحوار، وهذا هو أصل اختلاف الأمة وتمزقها، إنه الرواية ومنهجها الإسنادي، يقول ناصر بن جاعد الخروصي: “إن أصل اختلاف الأمة في الأحكام نقل الأحايث التي هي كذب ممن تقول بها على النبي”.


 

لقد باءت كل محاولات الإصلاح التي قام بها الرواد المسلمون لإيقاظ الأمة من غفوتها بالفشل وأصيبت محاولات من بعدهم بالفتور والخلل، فالمدرسة الإصلاحية لمحمد عبده بشرت بمنهج “المقاصد التشريعية” إلا أن جذوته ما لبثت أن انطفأت تحت هدير الرواية ومنهج أهل الحديث الذي اتهم هؤلاء بإنكار السنة ورد الروايات التي لا تتوافق مع أهواء أصحاب نزعة “المقاصد التشريعية”. ورجعت الأمة إلى صندوق الرواية من جديد وظلت عقول مفكريها حبيسة أغلال المرويات التي تجزيء التفكير وتشظيه بدل أن تدفعه إلى رحاب الرؤية الكلّية والشمولية التي جاء بها القرآن.


 

إن التعصب والتكفير والبراءة من المخالف ليس طارئا على مجتمعاتنا الإسلامية بل هو نتيجة حتمية لتراجع دور العقل وانحسار دور المدرسة الفكرية القائمة على النقد والتدبر والنظر في النصوص والأخبار. إن الدعاية المضادة التي وجهها أهل الرواية ضد مخالفيهم من المفكرين نقاد المتون لتكشف عن إيدلوجيا وجدانية صارخة يختزنها هذا الخطاب، فهو يقدس الرواية ويتعامل معها بإعجاب يفقده القدرة على النقد الحيادي، فلهذا وسمت قراءته للمتون الروائية بـ “القراءة التلفيقية والتبريرية”، واصطنعوا لذلك ما اسموه فن “تعارض الأخبار”، بحيث يوفقون بين الدلالات المتعارضة للروايات المتناقضة، يقول ابن خزيمة: “لا أعرف أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثان باسنادين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما”. هذا التعامل مع التراث والمنطلق من حس وجداني منبهر إعجابا بالمادة التي ينبغي أن يقوم بنقدها وتقويمها سيخفق لا ريب في الوصول إلى نتائج ذات جدوى، ذات الاخفاق متحقق أيضاً إذا ما انطلقت القراءة النقدية من أسس معادية للتراث كما هو الحال مع “الاستشراق”.

الأمة اليوم بحاجة إلى النقد الموضوعي الذي يستطيع الالتزام بالحياد الاكاديمي بعيدا عن رياح الأحقاد وأضواء الانبهار. الأمة بحاجة إلى أن تخلع التلسكوب الذي تنظر من خلاله إلى التراث وكأنه شمس تخطف الأبصار، وأن تقوم بتشريح هذا التراث وفحصه مجهرياً لتعرف مكوناته ودقائقه ومواطن القوة والضعف فيه، على الأمة أن تقوم بعملية جرد فكرية للتراث تمحصّ فيه الأصيل فتحافظ عليه وتجعله أساسا تبني عليه مستقبلها، وأن تفرز الغث الهزيل وتتخلص من إلزاماته المفرقة للأمة والمثبطة لنهضتها والمعطلة لانطلاقتها، ولن تستطيع الأمة القيام بهذه المهمة الحضارية ما لم تلتزم بقواعد البحث العلمي القائم على الموضوعية والحياد.


 

أمتنا اليوم بحاجة إلى المصارحة والحوار والتشخيص السليم لعلتها، فمواجهة الإلزامات الحضارية الراهنة من خلال افتعال صراعات مع المفكرين الذين يرومون نقد التراث وتميز غثه من سمينه ليس سوى وسيلة ساذجة للهروب، والإخلاص لتراث الأمة يلزمنا بمواجهة تحديات اللحظة والصمود أمام تيار التفوق الحضاري للآخر، وذلك لا يكون بالتكفير والتفسيق والبراءة من المخلصين من ابناء الأمة ممن سار في ميدان المواجهة النقدية وحيدا غير آبه بتقهقر الآخرين وتثبيطاتهم، بل المواجهة إنما تكون بالتجرد من التقديس الزائف وغير الموضوعي للتراث، فالتقديس الحقيقي لا يكون إلا حين نمارس عمليات التشريح وإزالة الأورام والأسقام من جسد التراث.


 الأمة محتاجة إلى أصوات عاقلة محملة بالفاعلية والحركة في اتجاه التسامح والبحث العلمي وفتح أبواب الحوار وتعدد الآراء، على الاستبداد أن يبقى في مساكنه ويفسح الطريق لجيش الأفكار كي يطهر الأرض من أدران الزيف وعوائق الاستخلاف الحضاري للأمة.

هموم الكتاب العماني  (1-2)

تثار في مجالس الكتاب والأدباء مناقشات حول ما يسميه البعض ظاهرة “ركود الكتاب العماني”، والركود هنا بقدر ما يحمل من معاني سكونية على مستوى التوزيع والانتشار ينطوي بالسواء على شحنة غير يسيرة من تهم الخواء المضموني إضافة إلى اللغة المفرطة في الجمود القاتل أو الحركية المتهورة.


 

وأكبر دليل على بروز هذه الظاهرة -عند من يؤمن بها- قلة توزيع الكتاب العماني مقارنة مع غيره، ونحن لا نختلف مع هؤلاء حول تشخيص الظاهرة مع تحفظنا على تقديرهم لدرجة حضورها، فنحن متفاؤلون جدا من واقع تجربة ذاتية مع تأليف الكتاب –العماني-من قدرة هذا الكتاب على الانتشار وتحقيق القبول عند القراء، ومع ذلك نرى أن الحلّ للإشكالات التي يعانيها الكتاب العماني لا تكمن بأي حال من الأحوال في التذمر المزمن الذي يعانيه البعض، وإنما الكتاب العماني بحاجة إلى رؤى فاعلة تستطيع مده بالطاقة اللازمة للمنافسة في سوق الانفتاح الفكري والمعرفي وتوفر المنافس القوي.


 

وقد اطلعت على دراسة لطيفة قامت بها إحدى الرائدات في العمل التربوي التطوعي من خلال مركز الزهور التطوعي في الغبرة أوضحت من خلالها أن 94% من القراء لا يهتمون بجنسية المؤلف، لكن ما هو جدير بالملاحظة أن 16% من فتيات المرحلة الثانوية لا يحبذن اقتناء الكتاب العماني! وأن 34% يعتبرون عنوان الكتاب العماني غير جذاب، وهذه النسبة تتضاعف عند طالبات المرحلة الثانوية إلى 50%، و41% غير راضين عن تصميم الكتاب العماني، وتنخفض هذه النسبة إلى 17% عند طالبات الثانوية، و19% غير راضين عن قيمته بينما 83% من طالبات الثانوية غير موافقات على سعر الكتاب العماني.


 

هذه الدراسة الرائدة التي تكشف بعمق ظاهرة “ركود الكتاب العماني” –على الاقل عند العينة التي طالها البحث- تستدعي من الباحث وقفة تأمل على أكثر من صعيد، ففي تصوري أن الاشكالات التي يعانيها الكتاب العماني لا تنحصر في المؤلف وحده بل تتعداه لتطال مستويات أخرى لا حول له فيها ولا طول، ومع تشعب المسألة واتساعها إلا أنها غير عصية على الدراسة إذا ما تم النظر إليها وفق ثلاثة مستويات:


 

أولاً: الكاتب. فالكاتب عليه أن يكون واعيا إلى أن قرار تأليف الكتاب يستتبعه مسؤوليات فكرية واقتصادية، فالأمر ليس ككتابة الخواطر والهمسات التي تطويها الصحف اليومية بمجرد صدور صفحة الغد! عليه أن يكون على وعي بالحالة الثقافية للمجتمع وهل هو بحاجة إلى المادة التي يراد تضمينها الكتاب، وعليه أيضاً أن يدرك الخطاب الثقافي العام فلا يصعقه بخطاب خشبي جمد عند لحظة تولد صراعات الخروج والتشيع والإرجاء والاعتزال، ولا ينزلق به في منحدرات الحداثة المتهورة فيصطدم مع قيمه وأعرافه دون وعي لضرورة المرحلية في البناء والتغيير، حتى جغرافيا المكان يجب أن يراعى فيها الأنسة وعدم الاغتراب، فهناك من يكتب عن أشجار السنديان وهو لا يعرف شكلها، وعن الصفصاف وهو لا يعرف لونه، وعن شخصيات شرقية وغربية يكاد زيتها ينطفيء ولو لم تمسسه ظلمة الاغتراب عن واقع القاريء ومجتمعه.


 

على الكاتب أن لا يتعالى على المجتمع بتقديم خطاب مشفر أقرب إلى الذاتية والتوحد والتشفير يستحيل على القاريء أن يفك ألغازه، فهو بذلك لا يخلق هالة من الاغتراب عن المجتمع وحسب بل يأسس سبيلا للانعزال والتوحش النفسي والاجتماعي الذي عانى منه نيتشه في أواخر عمره.


 

على الكاتب أن يستشعر وهو يكتب أهمية الاحتفاء بتراث من يريد توجيه كتابه إليهم، فمن المؤسف أن يكتب البعض عن العظماء فيضيف إليها شخصيات أقرب إلى السذاجة والبله ويغفل عن عظماء ارتبطوا بالتاريخ العماني من امثال طالب الحق وأبو حمزة الشاري والجلندى بن مسعود والوارث بن كعب والخليل بن أحمد وابن المبرد وأحمد بن ماجد وغيرهم كثير، وهنا أثني على ديوان “صهيل فرس حروري” للشاعر عبدالله بن حمد المعمري الذي صاغ في لوحة شعرية ملحمية سيرة أبي بلال مرداس بن حدير التميمي صديق جابر بن زيد الأزدي العماني، فكم نحن بحاجة إلى قراءات أدبية إبداعية كرائعة المعمري لتراثنا العماني بدل إهماله بدعوى اقتصاره على مسائل الفقه والشريعة.


 

على الكاتب أن يعي أن كتابه ليس الأول ولا الآخر، فإن كان يريد لكتابه النجاح عليه أن يتفانى في إبداع أفكاره وصياغتها بالطريقة الأمثل لنوعية القراء الذين يستهدفهم، وعليه أيضاً أن لا يغفل عن مسألة الاخراج الفني للكتاب وتصميم غلافه والدعاية الإعلامية له سواء أكانت من خلال الصحف أو المواقع الإلكترونية أو الرسائل النصية القصيرة.


 على المؤلف إدراك أن فعل تأليف الكتاب ليس رديفاً ولا شبيها بكتابة الخواطر والقصائد، فهذه تنضج بمجرد إفراغ الذهن لها في قالبها المكتوب، أما الكتاب فإن تأليفه يمر بمراحل عدة، تبدأ بتدوين الأفكار، يتلوها صياغة العبارات، يتلوها إعادة قراءة وتصحيح لـ “مسودة” الكتاب الأولى، وهذه المرحلة هامة وحاسمة حيث تشكل لحظة الإنضاج الفكري والإفاضة التعبيرية وانتخاب الأجود من الأفكار والعبارات لتستمر في “المدونة النهائية” للكتاب، هذه المرحلة تتلوها أخرى يتم فيها مراجعة عامة للنواحي اللغوية بحيث تصحح الأخطاء الإملائية والنحوية وترمم التعابير اللغوية الركيكة وغير المناسبة لموضوع الكتاب.

بعد كل هذه المراحل التي أمسك فيها المؤلف كتابه بالمعروف حتى لا يسمعه الناس وهو يفكر بينه وبين نفسه، ساعتها فقط يمكن لمؤلف الكتاب أن يسرحه بإحسان فيخرجه للناس. روى العوتبي في “ضياء الضياء” عن إياس بن معاوية أنه قال: “من ألفّ كتاباً فقد إستهدف، فإن أحسن فقد إستشرف، وإن اساء فقد إستقذف، ثم لا يخرج كتابه من يده حتى يقرأه ويصححه، ويحرره ويوضحه، ليخرج سالماً صحيحاً واضحاً فصيحاً”اهـ.


 ورجوعاً إلى الدراسة التي تمت الإشارة إليها في مقدمة المقال يتضح بجلاء أن ابناء الجيل القادم والذي يعيش لحظات المراهقة في طريقه الطويل إلى النضج والبناء به نسبة لا بأس بها من المحبطين وغير الراضين عن شكل ومضمون الكتاب العماني، وهذا يستدعي منا دراسة متفحصة تأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في بنية التفكير بين الأجيال خاصة الجيل القادم الذي هو نتاج طبيعي لثقافة العولمة والانفتاح المندلق على الآخر بخيره وشره، إن دس التراب واتهام هذا الجيل بالضياع وسوء التربية لا ينتج سوى مزيد من المفاصلة بين الكتاب العماني وقراء المستقبل، علينا دراسة اهتمامات هذا الجيل وتطلاعته وتقديمها في صورة مبهرة تستطيع أن تربطه بتراثه وقيم مجتمعه، إن التأليف ليس ترفاً نمارسه كلما عنّت شهوة الكتابة بل الكتابة قيمة والتزام، وكل كاتب لا يعي هذه الحقيقة البدهية فهو غير جدير بهذه المهمة.
هموم الكتاب العماني (2-2)
تعرضنا في الجزء السابق من المقال إلى المسؤوليات الملقاة على عاتق المؤلف العماني، والأدوار المنوطة به لإنتشال الكتاب العماني من حالة “الركود”، وفي هذا الجزء سننظر إلى القضية من خلال مستويين آخرين وهما السلطة والقاريء.

ثانيا: السلطة. ثقافة أية أمة هي المحرك لها نحو البناء والتقدم، وقليل ما هم المسؤلون الذين يدركون أهمية الثقافة وقيمة المفكرين، والتراث العالمي فضلا عن التراث العربي غني بشواهد شعرية وقصصية وأحيانا أسطورية تؤكد على أسبقية المفكر على المسؤول في سلّم الأهمية الاستراتيجة للمجتمع والأمة، فالأمم لا تتحرك ولا تتقدم إلا بالفكر وأهله.


 

إن السلطة منصب إداري يتعاقب عليه الناس، لكن الفكر موهبة لا يمكن توريثها وإخلاء طرف المفكر منها فتُسرح إلى غيره. والكتاب ثروة لا تقدر بثمن، وهل قامت أمة الإسلام إلا بالكتاب العزيز، فلا عجب أن يقول مكيافيلي في مقدمة كتابه الشهير “الأمير” مهدياً كتابه إلى أميره لورنزو بيارو دي ميشي: “جرت عادة الناس في كسب ود الأمير على محاولة هذا الكسب بتقديم الهدايا إليه من الأشياء التي يعتقدون غلاء ثمنها أو تلك التي يعرفون محبة الأمير لها، وهكذا تنهال على الأمراء الهدايا من أمثال الخيول والأسلحة والملابس المذهبة واللأليء وغير ذلك من أدوات الزينة اللائقة بمكانتهم. وقد تمكنت بعد طويل جد وكد من التأمل والاستقصاء في أعمال العظماء، وتوصلت إلى نتائج أقدمها إلى سموكم ضمن إطار مجلد صغير ليس في مكنتي أن أقدم إليكم هدية أعظم من تمكينكم في فترة قصيرة من فهم جميع الأمور التي تعلمتها منفقاً في تعلمها سنوات طوالاً من الانزواء والمخاطر”.


 

إن قيمة المفكر لا تكمن في الأفكار التي ينتجها ويولدها ويغرسها في المجتمع وحسب بل يتعدى ذلك إلى كونه قبلة يُحج إليها من أصقاع الأرض كما يحج الناس للجامعات العلمية والأماكن السياحية، فكم من سائح لا يقصد في زيارته سوى الالتقاء بالمفكرين والمبدعين، إن تجاهل بعض المسؤولين لدينا للمفكرين يشي بإشكالية إدارية تحتاج إلى إعادة فحص وتصحيح مسار من قبل صناع القرار، فالجهل بقيمة المفكر لا يقل في خطورته عن عدم الوعي بمكونات وأسس الأمن القومي القائم على الجغرافيا والتاريخ والثقافة، فلإن كانت الجغرافيا جزءا من القدر فإن التاريخ والجغرافيا جزء من المقدور الذي لا يصنعه أحد سوى المفكرون. ويحز في النفس كثيرا أن بعض المسؤولين لا يدركون هذه الحقيقة التي تكاد تكون ضرورية لا شية فيها.


 

إن الدولة المتقدمة حضاريا تمارس التشجيع للمفكرين بسخاء منقطع النظير، فهي توفر لهم الدعم المادي والمعنوي، فعلى سبيل المثال تقوم بعض الدول بتفريغ مفكريها من أعمالهم وتدفع لهم رواتب وعلاوات وحوافز لا لشيء سوى ليكتبوا قصيدة أو رواية أو قصة قصيرة! قد يعجب بعض مسؤولينا من ذلك ولكن حين ندرك أهمية الانتاج الثقافي في الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري للأمم ساعتها فقط يمكنهم إدراك الحكمة وراء هكذا سياسيات تقدمية متحضرة.


 وإني إذ أذكرّ الجميع بالحقائق السابقة لا استطيع إغفال الحركة المتسارعة والداعمة للحركة الثقافية في عمان، لكن ما يحركني إلى التذكير هو الرغبة في تعزيز المنجزات وتجاوزها إلى فضاءات أرحب من التقدم الفكري والحضاري لبلدنا وأمتنا، هناك الكثير مما يمكن للمسؤولين إضافته لدعم الكتاب العماني.

يتساءل البعض: هل يجهل مسؤولونا أن اكثر الإبداعات العمانية طبعها أصحابها وفق عقود ظالمة اضطروا بموجبها إلى التنازل عن حقوقهم الفكرية مقابل حفنة من النسخ لا تتعدى بضعة مئات؟ أدوار كثيرة ينتظرها المفكر والأديب العماني من السلطة، فإن كان أمر التكريم والاحتفاء والحوافز المادية أقرب إلى الرومانسية الحالمة فلا أقل من تسهيل السلطة لإجراءات استصدار تصاريح النشر التي هي أصعب أحياناً من إجراءات طلب عقار!

على الجميع أن يتخفف من قيود الرقابة، وعلى السلطة أن تسن قوانين تكفل حرية التعبير وعدم وقوع المفكر والأديب تحت طائلة المحاسابات القانونية إن بدأت لا تنتهي. وزارة التراث والثقافة تستطيع أن تتبنى مشروعاً لطباعة جميع الاصدرات العمانية ونشرها داخليا وخارجيا بما يحفظ حقوق المفكر والأديب العماني. وزارة الإعلام ومؤسساتها التلفزية والإذاعية والصحفية عليها دور كبير في الترويج والدعاية لابداعات العماني، وزارة التربية والتعليم العالي والجامعات عليها دور وطني في إعادة صياغة مناهجها بحيث تستوعب الطرح الإبداعي العماني، كما أنه يناط بها إقامة ندوات خاصة بالمفكر والأديب العماني، كما أن المخصصات المالية الطائلة التي ترصدها هذه المؤسسات لشراء الكتب من معارض الكتاب يجب أن توجه في المقام الأول لدعم الكتاب العماني، وهناك الكثير مما يمكن للسلطة في أية بلد القيام به خدمة للفكر والثقافة والوطن.

ثالثا: القاريء. القاريء يمثل الحلقة الأهم، فحكمه هو القول الفصل على الكتاب بالنجاح أو الفشل، فالكتاب لم يُؤلَّف ليكون مكدساً في المخازن وأرفف المكتبات، وإنما كُتب كي تتسابق إليه أيدي القراء، بالتأكيد الكتاب العماني لم يصل إلى مرحلة الكمال، ولكن غيره أيضا لم يصل إلى تلك المرحلة فالتخلف الفكري في عالمنا العربي والإسلامي يعد ظاهرة عامة لا تختص بقطر أو إقليم معين، والقاريء باستطاعته أن يدفع حركة الفكر والتأليف في البلد نحو الكمال إن هو بادر إلى تشجيع الكاتب ودعمه باقتناء الكتاب ونشره والترويج له.


 

في دول العالم المتقدم يصطف الناس طوابير لشراء كتاب الرياضيين والمصوريين والرساميين لا لجودة مضامينها وإنما هو العرفان للمؤلف وتشجيعا له ودعما لمسيرته الإبداعية، ما الذي يمنع القراء عندنا من ممارسة هذه العادة الحميدة؟ بل يستطيع القراء تطوير هذا الفعل عن طريق إقامة تجمعات شبيهة بما يعرف بالطبق الخيري لجمع التبرعات للمحتاجين، ويتم استبدال الطبق الخيري بكتاب خيري يُقدم إلى المتبرعين بدلاً من أطباق الطعام وقمصان الرياضة، ويمكن تقديم الكتاب مع الطبق والقميص.


 ويستطيع القراء عمل تجمعات أهلية لدعم المفكر والأديب الذي يحبون أو على الأقل الذي يقيم بينهم، فيتكفل هؤلاء بطباعة وتوزيع الكتاب والترويج له. كما يستطيع القاريء أيضاً دعم الكتاب العماني عن طريق ممارسة عادة الإهداء الرائعة فيستبدل الهدايا المعهودة بكتاب عماني قريب من نفسية المهدى إليه.

وهنا لا يجوز لنا إغفال مكتابتنا المحلية التي تعاني من هجرة واسعة النطاق للقاريء المحلي الذي صار غريبا عن مكتبات بلاده، نعلم يقينا إن هذه المكتبات تعاني من الضعف والهزال على مستويات المادة المتوفرة فيها، بيد أن هذا الضعف ليس سببا وإنما هو نتيجة هجرة القراء والمرتادين، فكيف يمكن أن تنهض مكتبة رأس مالها محدود إن لم ندعمها بالزيارة والتجارة.


 

إني أنظر إلى قارئنا العماني نظرة ثقة وتفاؤل بل نظرة إعجاب وتقدير اتلمسها عند كل أصحاب المكتبات العربية الذين ابهرهم الشغف العماني باقتناء الكتاب، وأنا على ثقة أنهم سيحنون قبعاتهم ويطأطؤن رؤوسهم حين يدركون أن بعض القراء ذهب إلى أبعد من مجرد دعم الكتاب بشراءه ومطالعته بل وصل بهم الحماس الفكري والوطني إلى دعم الكتاب عن طريق التكفل بطباعته ونشره! ولا تعجب من ذلك فالقاريء العماني ينتهض في ذهنه الوعي بفريضة الزكاة التي يشكل “في سبيل الله” أحد مصارفها، ولعمري لا أعلم شيئا “في سبيل الله” هو أفضل من خدمة العلم والتعليم ونشر الكتاب في أمة “الكتاب العزيز” التي كانت القراءة “أقرأ” هي أولى فرائضها.


 

وإن لم يؤمن القاريء بضرورة دعم الكتاب العماني مادياً ومعنوياً فلا أقل من أن يدعمه بالانتهاء عن قراءته بعقل دوغمائي مسكون بالرغبة الحاقدة في التشفي والتبكيت، ليسوا قليلا أصحاب النظارات السوداء الذين تنطلق قراءتهم من مواقف حاقدة على المؤلفين لأسباب إيديولوجية بعيدة عن الموضوعية والنزاهة العلمية، وهؤلاء بقدر ما يسيؤون إلى أنفسهم يسيؤون إلى الوطن وترابطه الاجتماعي، فمثل هذه القراءات لا تفرخ سوى الاصطفافات العدائية المفخخة للسلم والترابط الأهلي للمجتمع.

  

 “المتبقي” مصطلح أستعيره من جان جاك لوسيركل في كتابه “عنف اللغة”، الذي طرح فيه نظريته اللغوية التي عُني فيها باللغة التي لا تدخل ضمن السياق اللغوي المتواضع عليه أثناء الحديث، وإنما يظهر على هيئة سقطات اللسان… 

وهو يدافع في نظريته هذه عن هذا المتبقي؛ بأنه هو الآخر له تأثيره على المتكلم والسامع، بل يمكن أن يشكّل بنفسه نسقاً لغوياً خارج النسق اللغوي العام.

 إذن عندما أتكلم عن المتبقي في الفكر فإنما أقصد تلك الكائنات الفكرية التي لا تظهر مباشرة ضمن المنظومة العقلية للإنسان، وحتى يتضح الأمر دعوني أقربه بمثال: 

عندما تدخل محلاً تجارياً تجد النظام ساكناً كل ربوعه؛ قُرنة للملبوسات، وأخرى للمطعومات، وثالثة للمشروبات، وهناك رَبْعة للمنظفات، وتقابلها أخرى للأدوات المنزلية، العمال بلباس موحد، تجد فيهم حسن المعشر في التعامل، والبضاعة بأسعار معتدلة، وهكذا…

 لكنك قد تجد مادة على وشك الانتهاء، ونوعاً من الغذاء عالي الجودة يتميّز عن بقية المواد، ونوعاً آخر أرخص مقارنة بسعر السوق العام، وقد تلاحظ انحرافاً في ترتيب بعض المبيعات، وتلمح غباراً في زاوية، وهكذا… 

 وحينها ربما تقول: ما أجمل نظام المحل؛ لولا هذه الهنات. وقد يقول غيرك: جميل رخص هذا المادة وجودة تلك، ليت كله كذلك. وقد يأتي ثالث ولا يبصر هذه المختلف من النظام العام. 

إذن ما نراه قد خرج عن النظام العام هو المتبقي، وطبعاً قد لا نراه، أو لا نرى أكثره.

 والسؤال: هل هذا المتبقي لا يحويه نظام عام؟ هل هو مجرد فوضى عارمة تنهش النظام خلسة؟ أو هو فوضى خلاّقة؟ وأسئلة أخرى قد ترد علينا ونحن نحلل هذا الموقف. 

 نأتي إلى الفكر والمتبقي فيه؛ كل إنسان يفكر، وتنتظم عقله مجموعة من الأفكار، تدفعه للسير في الحياة، والفكر ليس صخرة صلدة تكبس تفكير الإنسان بنمط جامد منذ ميلاده وحتى وفاته، بل التفكير نهر جارٍ لا يمكن أن تستقر مياهه عند نقطة واحدة، ولذلك الإنسان بكونه كائناً مفكراً اليوم ليس هو نفسه في الأمس، ولا هو كذلك في الغد، ولذا تجده يطور منظومة تفكيره بيولوجياً باستمرار، ونحن هنا لا يعنينا التطور إيجاباً أو سلباً، وإنما أقصد أن التفكير في حركة دائبة. 

والإنسان وهو يفكر لا يفعل ذلك خبط عشواء، بل يحكمه منهج واعٍ، والسؤال: هل كل الكائنات الفكرية التي يحويها دماغه تدخل نظامه الفكري الواعي؟.

 طرح سجموند فرويد نظريته في العقل؛ بأن الإنسان يوجد فيه عقل ظاهر وعقل باطن، وأن ما يتحرك به في الحياة بشعوره هو العقل الظاهر، هذا ما يبدو، ولكن في الحقيقة أن للإنسان عقلاً باطناً له تأثيره القوي عليه، يظهر في سقطات اللسان والأحلام والاضطرابات النفسية والعصبية، وقد يكون هذا العقل أخطر أثراً على حياة الإنسان؛ من جهة أنه لا يدركه، فضلاً أن يسيطر عليه، بل العقل الباطن قد يوجهه في أحيان كثيرة وأوقات حاسمة. 

 خرج فرويد في نظريته هذه أن العقل الباطن عشوائي وغير نظامي ولا مرئي، بيد أنه حتماً يتدخل في تسيير السلوك الإنساني.  ثم جاء بعده جاك لاكان ليطوِّر هذه النظرية فيقول: إن العقل الباطن هو الآخر منظم ويتحرك بانسجام مع كائناته، ويمكن أن يكون مرئياً بدراسته وتحليله. 

[انظر مقدمة محمد بدوي على “عنف اللغة” لجان لوسيركل، طبعة المنظمة العربية للترجمة، 2005]

 مرة أخرى نقول: إن الإنسان كائن مفكر وفق منظومة شعورية، إلا أن خلفها تقبع كائنات فكرية أخرى لا يشعر بها الإنسان مباشرة، هذه المنظومة اللاشعورية هي ما أسميها هنا بالمتبقي. 

 وبعيداً عن مناطق الشعور واللاشعور الفرويدية نعيد ترتيب المسألة كالآتي:  الإنسان يفكر وفق محددات فكرية ينتظمها منهج معيّن مُدرَك يقوم بتحريك الفعل الإنساني، هذا الإنسان يشعر تماماً بطبيعة تفكيره، ويكون مسؤولاً أدباً عن اتخاذ قراراته في الحياة. 

بيد أنه يوجد خلف هذا المنهج متبقٍ من الكائنات الفكرية تسلك طرائق عدة في البروز والتخفي لكنها مؤثرة، وأحياناً مزعجة، هذا المتبقي في رأينا لا يمكن أن نتبنى فيه نظرة فرويد وحدها، ولا نظرة لاكان وحدها، بل تتوزعه مجموعة لانهائية من البروز والتخفي، والشعور اللامنتظم واللاشعور، ومنه ما ينتظمه –مع خفائه– منهج، ومنها ما يعيش طليقاً تتقاذفه الأنواء الذهنية، فبينما هناك ما لا يحصى من الكائنات الفكرية التي تنخر عقولنا دون أن نشعر بها، نجد في المقابل كائنات نكاد نمسك بها، إلا أننا لا نستطيع إليها طولاً، ويتردد بين هذين الطرفين ما لا يحصى من الكائنات الفكرية أحب أن أسميها بالأشباح الفكرية، هي ليست أشباحاً وهمية بل هي كائنات قائمة، وإنما تتبدى لنا في صور لا نكاد نستطيع أن نمسك بها.

 والسؤال: كيف ينتج هذا المتبقي؟. 

 إنه ثمرة المعارف التي تدخل من نفس منافذ الشعور، بل ومنذ اللحظات الأولى للإنسان التي قد تسبق لاشعوره، فالإنسان يتغذى بالمعلومات كل لحظة، هذه التغذية يقوم بصفها في قالب شعوري منهجي يُقْدِرُه على فهم الحياة حوله، لكن الزخم الهائل من المعلومات تفوق كثيراً مقدرة الإنسان على صفها في قالب منهجي واحد متكامل في وقت واحد، كما أن كل معلومة تدخل ذهنه ليست بريئة تماماً، بل هي تحمل قدراً كبيراً من المضامين اللاشعورية التي لا يحسّ بها الإنسان مباشرة. 

ولذلك يملك الإنسان جهاز صف ومراجعة بيولوجي في عقله، يقوم كل حين بإعادة تدوير المعلومات وفق منهج شعوري، هذا الجهاز فوري وذو مقدرة هائلة في عمله.

 لكن هل يقوم بإعادة تركيب كلية كل لحظة؟. 

لا، لا يقوم بإعادة كلية، لأكثر من سبب، أولاً: لأن المعلومات تتجدد كل حين، وثانياً: لأن هذه المعلومات من طبيعتها قد لا تؤثر مباشرة؛ بل تختمر لفترة من الزمن، وثالثاً: لأن كل معلومة أو مجموعة معلومات لا تعطي منظومة مكتملة وإنما هي الأخرى ناقصة، ورابعاً: لأن هذه المعلومات قد تتمحور في منهج خفي لا يسهل كشفه، وإن اكتشفه الإنسان فيصعب عليه دمجه في منهجه الشعوري، لأنه يحتاج إلى طاقة فكرية هائلة ليصنع من منهجين منهجاً واحداً منسجماً مع مجموع مفرداته الجديدة.

 لكل هذا يوجد دائماً متبقٍ. 

 وأخيراً: لو افترضنا هذه الإعادة الكلية لما كان هناك متبق أصلاً. 

والأهم من كل هذا أنه كثيراً ما توجد خطوط ممانعة لإعادة الصف والمراجعة في المنهج الشعوري تنشأ من أعراف اجتماعية أو قصور معرفي أو تصورات دينية، ونحو ذلك.

 إن كان هذا المتبقي وجوده حتماً في الإنسان؛ فهل يمكن أن يهمشه جانباً، ثم يتحرك وفق منهج شعوري ثابت؟. 

في الحقيقة؛ لا يملك الإنسان تثبيت هذا المنهج، لأنه آلة ذهنية تقوم بعملها في المراجعة والصف لاإرادياً؛ لتعطي كل مرة منهجاً محسوساً، إن أي عملية تهميش قد يقوم بها الإنسان اتجاه بعض كائنات متبقيه تؤدي في النهاية إلى التراكم وفق منهج خفي قد يقوم في لحظة ما بقلب المنهج الشعوري الذي عليه الإنسان عادة إلى منهج آخر، وإن ضغط ليحول دون هذا الانقلاب فإنه سيعيش حياة قلقة فكراً ونفساً، أو يُجبَر على الانسحاب من المعترك الفكري في الحياة؛ ليعيش حياة باردة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة.

وبما أن هذه المراجعة هي ذاتية، أي تخص كل إنسان بذاته، وعند ظهورها قد تبدو متقاطعة أو حتى نافرة عن المنظومة الاجتماعية الكلية –سنتكلم عن ذلك في حلقة لاحقة– وهذا قد يتهدد الذات الاجتماعية أو الدينية، فإن الإنسان لجأ إلى التثبيت الخارجي، ونقصد بذلك إنشاء مناهج ثابتة لمعارفه، كالمنطق والنحو والفلسفة وأصول الفقه والقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد، ونحوها.

طبعاً نحن لا ننكر أن هذه المناهج قد خدمت الإنسان كثيراً، واختصرت له المسافات المعرفية، وضبطت له بوصلة معارفه، إلا أن كثيراً منها ثبّط إعادة البناء المنهجي الذاتي للتفكير الإنساني، وهذا لم يحلّ الإشكال ولم يحسم المسألة، بل أدى إلى التناقض بين الذات وخارجها.

عند عدم فسح المجال لظهور قراءات مستمرة لمنظوماتنا الفكرية، أي تغييب التركيب المنهجي العلني الذي يمنح الفرصة لكشف الخلل وإعادة تركيب دائمة، فإن المتبقي لا يختفي بل يعمل عمله في النفس الإنسانية، وهذا ما قد يظهر على هيئة انفصام بين الأجيال، أو تناقض فكري أو اضطراب عقلي أو قلق نفسي.

إن الإنسان ولو حاول جهده أن يزيح هذا المتبقي عندما تظهر له أشباحه فإن لا يملك ذلك، بل تستمر منظومته في التشكّل من جديد، فإذا كُبِت فإنه ينفجر بطريقة أو أخرى، وربما بمنظومة بعيدة كلياً عن نسق المنظومة الاجتماعية العامة.

ومن هنا فعلى الإنسان أن لا يخجل من إبراز متبقيه الفكري إلى العلن مهما كان نوعه، بل عليه أن يعرضه على العقول الأخرى، إذ يمكن أنها قد وصلت إلى حلٍّ فلسفي أو معرفي يفيده، بل عليه أن يتصيّد أشباحه الفكرية فيقوم بوضعها في موقعها من منظومته، وعليه أيضاً أن يفتش عن تلك الكائنات الفكرية المختبئة في لاوعيه، ويقوم بترويضها داخل منهجه الواعي، حتى لا تفريه من الداخل وهو لا يدري، أو تحوله إلى كائن ذي شخصيتين؛ إحداهما: يعيشها مع نفسه، يخجل بها من الناس، وأخراهما: يتعايش بها مع مَن حوله، ولو كان غير مقتنع بها.

وعلى المجتمع أيضاً أن يعطي فرده مساحة واسعة من التفكير العلني حتى يعينه على المراجعة الواعية لمنهجه فيستطيع من خلاله فهم شتات متبقيه، ويتمكن من إعادة صفه دورياً بسلاسة، وبصورة أقرب إلى النجاح، وتخطي العثرات والمزالق الفكرية التي قد تترك عليه آثاراً لا تحمد.

إن من المآزق الفكرحضارية التي تعاني منها شعوبنا عدم تربيتها على إعادة صياغة منهجها الشعوري الفوري صياغة سليمة مُدْرَكة، وإنما جلّ مناهجنا –لاسيما الدينية منها– تعمل على التثبيت الخارجي للمناهج، أو التربية على المناهج الثابتة، دون تقدير صحيح لتغيّر الزمان، إن هذا التثبيت كما أنه يعني جمود عند لحظة ماضية كابحة عن الانطلاق نحو مستقبل أفضل؛ يقوم كذلك بعمله السيء في الانفصام المعرفي والفكري، وكثيراً ما يؤدي إلى القلق النفسي والاضطراب العصبي، الإنسان بطبيعته مفطور على تجاوز هذه الحواجز، لكنه عندما يجد التركيبة الفكرية من حوله تشدّه نحو مركزية رافضة المراجعة، فإن أقل ما يصيبه هو موت آلة الإبداع، والتمرغ بلذة على تراب التقليد، وعدم القدرة على السعي نحو الأفضل.

وأخيراً: لو حذفنا –جدلاً– المتبقي فإن المنهج الشعوري سيكون معلَّقاً، يمكن لأدنى ريح تهب عليه أن تقتلعه من جذوره، وذلك لأن المتبقي يكوِّن أعمدة غير مرئية يقف عليها المنهج الشعوري، والفراغ الناشئ من الاقتلاع لا يعني سكون النفس وهدوء البال، بل مناهج أخرى تحل محله وتملأ فراغه، فالحياة لا تؤمن بالفراغ، ثم تبدأ دوره جديدة من المنهج الشعوري ومتبقيه.

 ولذلك على الإنسان أن لا يخاف من هذا المتبقي، بل هو فرصة لإعادة تطوير منهجه الشعوري بطريقة مُرْضِية وسليمة، وليس من وسيلة أنجع في ذلك من القراءة والبحث والحوار والمصارحة الفكرية وطرح سيل من الأسئلة على النفس والآخرين مهما كانت محرجة في نظرنا، وصدق الله العظيم القائل: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيـمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَـئِنَّ قَلْبِي)). 

 

انتشر في كثير من خطابات الإسلاميين عبارات تنفر من الأخذ بالآراء المبنية على اليسر والتخفيف، وصاروا يسمون تلك الآراء بـ “الرخَص”، و “التساهل في الدين”، وأن الأخذ بها هو ضرب من النفاق، ويرَون أن الإيمان الحق لا يكون إلا عند من اتبع أشد الأقوال وأصعبها، وسموا ذلك بـ “العزيمة”. لا ريب أن هؤلاء يقصدون من وراء ذلك ترسيخ مبدأ الانقياد والطاعة للشرع الحنيف، إلا أن الأمر قد تمادى لدى بعضهم فصار الأصل عنده في الأشياء الحُرمة حتى يثبت الدليل على حليّتها، وهنا وقعت الواقعة التي لم يستطع الناس لها دافعة، فالنفس الإنسانية بالفطرة ميالة إلى البعد عن التكاليف والأثقال، ولا يمكن لأي ديانة أو فلسفة أن تنتشر إلا بتحقيقها هذا الشرط الإنساني الأولي. فلذلك تجد أن الديانات والفلسفات القائمة على التطرف والغلظة لا يكتب لها الانتشار بل تميل إلى التقلص والانحسار، وكأمثلة حية على ذلك يمكننا النظر إلى الديانة اليهودية المنحسرة كما نقلها أحبارهم، والديانة النصرانية المنتشرة كما نقلها قساوستهم، وقس على ذلك الفلسفات الوضعية والأديان البشرية.

يذكرُ علي الوردي أن المجتمعات التي تعتمد التشدد في مسألة تحريم إظهار وجه المرأة تفشو فيها الأمراض الاجتماعية والأُسرية، وما ذلك إلا لأن هذا الرأي مع وجاهته لم يدرك البعد الإنساني لسكوت المُقدَّس (الوحي) عن هذا الموضوع، فالمرأة بطبيعتها ترغب بالشعور أنها مقبولة وأنها ليست مُقالةً اجتماعياً ومتقاعدة بشرياً ولا قيمة لها إنسانياً، فهي تكتفي بالشعور أن الأعين البريئة لا تهجرها كي تشعر بالرضى النفسي والثقة بالذات والقبول الاجتماعي، وحين تُمنع المرأة من هذا الحق الفطري يتجه الحال ببعضهن إلى البحث عن تلبية هذا الشعور في دهاليز لا يرضاها العُرف ولا تقبلها الشريعة.

بخلاف ما ذهب إليه أصحاب الخطابات المشددة على وجوب الأخذ بالآراء المُغلّظة والمُعسّرة والمُحذّرة من الأخذ بالآراء المُوسّعة المُيسرة نجد القرآن الكريم يقرّر أن شريعته ليست سوى شريعة سعة ويسر، يقول تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}البقرة: 185. لا يمكن للفقيه أن يغفل وهو يأسس رأيه الفقهي هذا النص الواضح في دلالته والذي يعززه الكثير غيره من النصوص القطعية في ترسيخ ذات دلالة اليُسر، حيث يقول تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}النساء: 28.

 فتخفيف الله تعالى عن الإنسان إنما هو نابع من معرفة الله تعالى الشاملة بضعف الإنسان وحدود قدرته. وهذا الضعف الإنساني هو الذي راعاه القرآن في توزيع التكاليف على البشر، حيث يقول تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}البقرة: 286، ويقول تعالى أيضاً معززاً لهذا المعنى الرحيم: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}الطلاق: 7. فاليسر في التشريع هو مبدأ قرآني أصيل نابع من علم الله تعالى الأزلي بضعف الإنسان وقصوره ومحدودية قدرته، فلهذا أنزل الله تعالى عليه هذا الدين كي يخفف عنه ويرفع عنه الحرج، يقول تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}الحج: 78.

هذا هو القرآن في سماحته ورحمة تشريعه، وما أنزل الله تعالى علينا هذا القرآن إلا ليخفف عنا ويوسع علينا وييسر أمورنا، يقول تعالى: { طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}طـه: 1-2. وقد نعى على بني إسرائيل حين غلّوا في دينهم وتشددوا على أنفسهم، واعتبرهم مخالفين للنهج الرباني حين حرّموا على أنفسهم مُتع الدنيا وزينتها، يقول تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}الحديد: 27، ويقول تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}الأعراف: 32. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ}المائدة: 87. فهذه هي شريعة القرآن وهذه هي توجيهات الرحمن: اليُسر، والتوسعة، ورفع الحرج، ورفع الشقاء.

وعلى هذا سار النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن هديه يخرج عن نور القرآن حتى قالت عنه عائشة أم المؤمنين: (إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن) مسلم. ونحن لو تتبعنا هدي اليسر والتوسعة في سنة النبي عليه السلام مقتصرين في النقل على ما رواه الشيخان سنجد أن البخاري روى عن عائشة أنها قالت: (ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه). وأنه عليه السلام قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا). وقال أيضاً: (يسرا ولا تعسرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، وقال عليه السلام عاتبا على امرأة تطيل قيام الليل (مَهْ، عليكم ما تطيقون من الأعمال). وقال: (هلك المتنطعون. قالها ثلاثاً). وقال لعبدالله بن عمر: (يا عبدالله، ألم أُخبَر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزََوْرِكَ عليك حقاً)، وقال: (ما بال أقوام، قالوا: كذا وكذا. لكنّي أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني).

وعلى هذا النهج القرآني والهدي النبوي سار أئمة المسلمين وعلماءهم. حيث يقول أبو سعيد الكدمي: “وإذا وقع الشيء أحببنا أن لا نضيق على الناس ما وسعهم”. وقال وائل بن أيوب: “إنما الفقيه الذي يعلم للناس ما يتسع للناس مما سئل عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط”. وقال أيضاً في وصف المؤمنين: “والاتساع بما وسّع الله في دينه، والأخذ بتيسيره، وما منّ به من رحمته فيما أراد لعباده باليسر وجعل لهم فيه العذر”.

وحتى لا يكون كلامنا عاماً وبعيداً عن واقع الناس فإننا نضرب أمثلة من مواقف العلماء التي تؤكد على روح التيسير ورفع الحرج، فمعلوم قطعاً أن هناك طائفة من العلماء حرّمت قص اللحية وتزينها، إلا أن ما قد لا يدركه البعض منا أن هناك طائفة كبيرة اعتبرت قص اللحية سنة يندب الإنسان إليها، فقد روى ابن جعفر في جامعه أن ابن دينار قال: (رأيت رجلاً محرماً قصّر لأبي الشعثاء يحلله، قلت: ما الذي أخذ من شعر رأسه ولم يأخذ من لحيته؟ قال: يجزئه، وقد يستحب له، ويؤمر أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظافر يديه ورجليه قبل أن يجامع). وقال الربيع بن حبيب بعد روايته خبر الأمر بإعفاء اللحية: (يريد القطع لما طال منهما) أي ما طال من اللحية والشارب، وهو نفس الأمر المروي عن شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة حيث قال السالمي في المعارج: (قال الشيخ إسماعيل: ورخص في الأخذ منها أبو عبيدة، وهو مسلم فيما وجدت عنه.  قال: واستحسنه الشعبي وابن سيرين في ما وجدت عنهما …. قال الشيخ إسماعيل: والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين).

وقال أبو المؤثر الخروصي: (سمعنا أن المحرم إذا أحلّ من إحرامه، وأخذ رأسه، أخذ من عفا لحيته. قال [أبو المؤثر]: والذي معنا، أنه يأخذ من عرضها أكثر من طولها). وقال عمروس بن فتح النفوسي: (ثم يقص رأسه ويأخذ من شاربه ولحيته وأظافره). وقال أبو سعيد الكدمي معلقاً على كتاب الأشراف: (وكان ابن عمر يأخذ من لحيته وشاربه وأظافره إذا رمى الجمرة. وكان عطاء وطاووس والشافعي يحبون لو أخذ شيئاً من لحيته. قال الشافعي: حتى يضع من شعره شيئاً لله. قال أبو سعيد رحمه الله: معي أنه يخرج ما حكي كله مما يؤمر به ويستحب).

وقال أبو الحسن البسيوي: (ويستحب للمحلل أن يأخذ من لحيته وشاربه إذا قصّر، ومن أظافر يديه ورجليه). وقال أحمد بن عبدالله الكندي: (ثم احلق رأسك وخذ من عفا لحيتك، وقلّم أظافرك).وقال خميس بن سعيد الشقصي: (ويستحب له ويأمر أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظافر يديه ورجليه). وقال عبد العزيز الثميني: (ويأخذ من عرض لحيته أكثر من طولها).

والأمر في الموسيقى أشبه بذلك فمع وجود أقوال لعلماء تحرّم جميع أنواع الموسيقى والغناء توجد هناك آراء لأئمة معتبرين أجازوا أنواعاً من المعازف والغناء مما لا يخرج إلى حدّ المجون والسفه، ومن ذلك ما أورده الكندي في بيان الشرع: (ولا يجوز استماع القصبة للهو إلا أن يريد بذلك ذكر الآخرة)، وقال: (وقيل لا بأس باستماع القصبة)، وقال: (وأما القصبة الكبيرة فلا إلا على الجماعة على اللهو والغناء لأن المسلمين قد أجازوا استماعها يتذكر بها الآخرة، يتذكر بها الموت، أخبرني زياد بن الوضاح أنه رأى أباه يستمعها وهو يبكي).

وقال: (وقيل لو استمع مستمع إلى الغناء إذا كان لا يقدر على إنكاره وهو كاره للغناء مبغض له إلا أنه يستمع إليه يتذكر بذلك أمور الآخرة، وإن وقع في نفسه ذلك لم يكن بذلك بأس)، ونقل عن محمد بن محبوب أنه قال: (إن ضرب الطبل لا بأس به)، وأنه قال: (عن رجل ضرب الدفاف والمزامير والأدهار هل ينكر عليه؟ فأما الدف وحده من غير لعب فلا بأس به من غير لعب). وقال أبو المؤثر: (ما كان من ضرب الدهرة والطبول من الهند وغيرهم فهو يكسر ويغير إذا كان من الملاهي وإن كان من جهة الحرب فيستحب فعله).

ولا يُظن أن الاختلاف حول هذه المسائل الفرعية القائمة على أدلة ظنية كمرويات الآحاد هو اختلاف قطيعة ونفور، بل العكس هو الصحيح، حيث يقول الشيخ أحمد الخليلي: (فمسائل الرأي هي المسائل التي ربما تعارضت فيها الأدلة، أو كانت أدلتها فيها أخذ ورد من حيث ثبوتها، فقد يرى بعض العلماء ثبوت رواية من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى آخرون عدم ثبوتها، فمن هنا يكون الاختلاف بينهم، ولا يفسق بعضهم بعضاً، ولا يضلل بعضهم بعضاً، ولا يقطع بعضهم عذر بعض، لأن قطع العذر إنما هو في مخالفة القطعيات، أما قضايا الفروع فالاختلاف فيها لا يفضي إلى الشقاق بل يجب التسامح فيه، فلذلك لا يفسق ولا يضلل الناس فيها بعضهم بعضا)، فلهذا وجدنا هذه الآراء وغيرها مبثوثة في كتب الفقه الإسلامية لتسع كلّ باحث عن التفقه في دينه دون أن يفسق العلماء بعضهم بعضا ودون أن يضلل بعضهم بعضاً.

الخلاصة أن الشريعة الإسلامية هي شريعة رحمة وتيسير وسعة، وأن من هدي النبي عليه السلام التيسير والرفق والنهي عن التنطع والتشدد على النفس والناس، وأن علماء المسلمين أيام الوهج الفكري الأول حين انتشر الإسلام واتسعت رقعته وكانت الأمة الإسلامية هي القائدة للأمم ساروا في بناءهم الفقهي على ذات التوجيه الرباني القرآني النبوي، ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى إتّباع منهج القرآن وسلوك هدي نبي الرحمن لكي يكتب لأمتنا النهوض والقيادة والسبق والريادة.

 زكريا بن خليفة المحرمي

في مسيرة البحث عن ينابيع العلم يكتشف المرء أن هناك علوماً سهلة المنال، وأخرى بعيدة النوال، وفي العلوم الشرعية تعتبر أصول الدين مثل علم الكلام وأصول الفقه من أصعب العلوم وأكثرها تعقيداً لما تستلزمه من مقدمات عقلية ومطولات نقلية، فلهذا تجد كثيراً من طلبة العلم بل والعلماء يضربون صفحاً عن الخوض في لجتها، ويفضلون الركون إلى ما سهل من المعارف مما شاع عند العوام خبره وقلّ في الفقه أثره، يقول الغزالي: (العلوم ثلاثة: عقلي محض.. ونقلي محض كالأحاديث والتفاسير والخطب في أمثالها يسير، إذ يستوي في الاستقلال بها الصغير والكبير، لأن قوة الحفظ كافية في النقل وليس فيها مجال للعقل. وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والنقل، وعلم أصول الفقه من هذا القبيل).

وكم رأينا وقرأنا عن أئمة يندبون زمانهم حين هجر طلبة العلم الأصول وارتضو بالحفظ والخمول، يقول ابن بركة في ذم أمثال هؤلاء (فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، لأني رأيتُ العوام من متفقهي أصحابنا ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا).

ولا يكاد ينقضي زمان إلا هاجت الأرض بمصلح للحال، وماجت الجموع بمجدد للآمال. ولإن كان وراء كل حدث عظيم رجل عظيم، فإن بعض هؤلاء العظماء يتجاوز تأثيرهم زمانهم، ويتجدد عطائهم مع إعادة اكتشاف ابداعاتهم، ومن هؤلاء العظماء الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ)، الذي أصدرت مكتبة الظامري له مؤخراً سفر (كرسي أصول الدين) تحقيق خليفة البوسعيدي. الكتاب يقع في أربعمئة صفحة من الحجم المتوسط، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول يتحدث عن موضوع “الولاية”، والثاني عن أصول الفقه، أما القسم الأخير فهو يتحدث عن “البراءة”.

لا شك أن موضوع “الولاية والبراءة” يعبر في حقيقته عن مسألة “الإنتماء والإقصاء” داخل الجماعة، وهذا العلم لم يتم تحريره والإسهاب في شرحه وتفسيره إلا حين واجهت الجماعات والمذاهب الإسلامية أنواعاً من الانقسامات الداخلية، ومن أبرز من كتب في هذا العلم أبو سعيد الكدمي (ق 4هـ)، فقد أفرد للقضية مؤلفان هما “الاستقامة” و “المعتبر”، وقد تمت صياغتهما قطعاً في جو المفاصلة التاريخية المشهورة بين المدرسة العمانية النزوانية التي كان الكدمي أبرز رموزها والمدرسة الرستاقية التي كان ابن بركة السليمي أكبر ممثليها. ومن ثم كانت المؤلفات في موضوع الولاية والبراءة مقتصرة على اجترار آراء أبي سعيد قصاً ولصقاً، ومع روعة وتمام مؤلفات الكدمي إلا أنها تعاني من فقر لغوي وضعف تعبيري في رأي ناصر بن جاعد الخروصي وهو شيخ واستاذ سعيد الخليلي.

إن مما يمميز كتاب “كرسي أصول الدين” للخليلي عن باقي المؤلفات حول هذه القضية انطلاقه المباشر في التأصيل لها من مصادر التشريع بعيداً عن مرجعية النقل من كتب أبي سعيد الكدمي التي أعتمدها أهل النقل، كما امتاز في تفريعه للمسائل بنفس صوفي مجلل بالرقة ولطف العبارة مع وقار في الطرح وسعة في الرأي، بل ربما يكون الخليلي أولّ من أضفى مسحة صوفية على قضية “الولاية والبراءة”.

يقول الخليلي في أحدى تجلياته الصوفية: “وهم في ذلك على منازل ومقامات لتباين الأحوال في الكرامات، وفي كل منها منازل لا تحصى ومقامات لا تستقصى وإن كانت الأخرى هي المنزلة الكبرى، ومن ظهرت عليه شواهد هذه المحبة الإلهية مع الاستقامة الدينية فهو المعبر عنه بالولي عند الصوفية، ولكن في التوحيد لمقام التفريد يقال بعكسها في أصل قدسها، فلا منافاة لأنهما حكمان أفادهما علمان أحدهما الظاهر رعاية للمظاهر، والثاني لغريق الأنوار خارق ستور الآثار”.

ويقول أيضاً: “وأما الصغائر فهي ما عدا الكبائر من المعاصي مطلقاً كقبلة ونظرة ومس في بدن أجنبية، وعلى قول آخر فجميع المعاصي كبائر، وكأنه قول من استغرقته هيبة الجلالة فأسكرته ودهشته بوارق العظمة فحيرته، فأتى في مقاله بشاهد حاله”.

قد لا نجانف الصواب إن وصّفنا الخليلي بأنه غزالي زمانه، فكلاهما راسخ في الأصول وله من همسات التصوف فصول، والخليلي يؤكد على القاعدة الغزالية المطالبة بالرسوخ العلمي، حيث يقول: “فدع عنك الإقتحام على الولاية قبل أحكام الدراية، فهو القول الأصح، والمنهج الأوضح”. وهو يصرح في أكثر من موضع بممارسته للاجتهاد وإعمال النظر، فيقول: “والذي يرجح عندي في كفة النظر بميزان الفكر وقانون العبر أن الأحداث قد لا تكون على دستور واحد في الحكم، فلا بد من تنقية الأخلاط لتمييز الأجناس قبل تمهيد القياس”.

إن كتاب “كرسي الأصول” هو كما قال راشد اللمكي في مقدمته: “تندهش من جلالة عظمته العقول، تصنيف من عقم الزمان أن ينتج بمثاله من الجهابذة الفحول، فهذا السفر قد أسفر مخدرات أبكار معانيه في شوامخ قصور مبانيه، بناموس الإلهام، بحر الشريعة، وقطب الحقيقة الرباني الإمام الشهيد السعيد الخليلي الهمام، فأبرزها مفصلة يندك في شهود عظمتها طود بلاغة أولي النهى من الأعلام، فما الجمان في نظامه لسلكه، وما العقيان في صفائه بسبكه، وما الرحيق والمسك له ختام”.

ليس هذا الكتاب هو الوحيد للخليلي فله عدة مؤلفات أغلبها لم ير النور بعد مثل “الإنتصار للزمخشري”، و”النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم الربانية”، والمكتبة التراثية العمانية حبلى بالكثير من هذه النوعيات الفخمة من الكتب والمؤلفات التي تنتظر من ينفض عنها غبار الإهمال وتستصرخ من يزيل عنها دثار النسيان. 

استنزفت محابر كثيرة في معركة الحداثة الأدبية، أقلام كثيرة جفت وهي تسجل قصفاً أو رداً، البعض رأها تعبيراً عن تزاحم أجيال وآخرون رأوها تخلياً عن هوية أمة وتاريخ حضارة، اهتم أغلبهم بالأشكال وفاتهم احتضار الفكرة ومُواتها في حمأة هذا الصراع. غاض الاهتمام بالإبداع، ونضب الاحتفاء بالفكرة، فصار ما يسمى “النقد” منصباً على الشكليات دون الغوص في المضامين، إلا أن الأكثر إثارة للقلق -غير الحميد- اعتماد من يُسمون “النقاد” معايير غربية وشرقية لقراءة النص العربي عامة والعماني خاصة.

وفي خضم هذا المعترك والصراع بين الأصالة والتحديث غابت الهوية العمانية أو كادت حتى بتنا لا نفرق بين نص لكاتب عماني بخرته رطوبة البحر الدافيء بعبق اللبان وبين نص لآخر غربي تجمدت أحساسيه بصقيع رياح الشمال القارصة.

قليل هي الكتابات التي استطاعت أن تمزج الإبداع الأدبي بالأصالة الحضارية للكاتب، وآخر هذه الإبداعات التي اطلعت عليها كتاب “أبواب أغلقتها الريح” لسماء عيسى. أورد عيسى في كتابه مجموعة من النصوص التي تتحدر أصالة كما تتحدر الأفلاج (وهي تسير منحدرة من الجبال إلى القرى) كما يقول عيسى. ليست الأفلاج والجبال والقرى وحدها ما امتلئت به نصوص عيسى، فهي حبلى بالكثير من المفردات المعبرة عن جغرافية الوطن وتضاريسه التي استقل بها عن غيره من العوالم والأكون، فهناك (الرستاق، وإزكي، وبركة الموز، والروضة، وسمد الشأن، وسيح الظبي، والعامرات) وهناك الصحراء والبحر، وهل عمان سوى واحة قلعتها الجبال وحصنها الصحراء وحارسها البحر؟!

حين نقرأ للكُتاب الفاقدين لبوصلة الأصالة والتاريخ نجدهم يحدثوننا عن قصص أشجار السنديان وغيرها مما لا نراه في بيئتنا نشعر بالتيه النصي الذي يحوي أشتاتاً متشاكسة من مناخات ابتذلتها عقلية الانشطار عن الواقع وعن جغرافيا الكاتب. أما سماء عيسى فقد أضاء في نصوصه قناديلأ معلقة على (النخلة، والسدرة، والشخر، والنبقة، والفيفاية، والغافة، والموز، والليمونة، والشريشة، والسمرة)، لا يشعر القاريء معها باغتراب وهو يسري في بساتين الإبداع النصي.

بل حتى الأداوت والآلات احتفظت في نصوص سماء عيسى بحميميتها لدى القاريء، فهي ذات الأدوات التي عهدها في بيئته ومجتمعه وتعبر بالضرورة عن حضارته وتراثه، إنها جزء من هوية العماني من قبل ومن بعد، فهناك (القلعة التي صارت سجنا مركزياً، ومدرسة القرآن، والمنجل، والهيب، ومساكن الطين، والمجذمة، والماعون، ومرجام الباب، والإزار، والطوي الذي سقطت به المرأة، والسجم، والسلالم الحجرية، والمروق الصغيرة، والسبلة الصغيرة، والتفق القديم، ودرس البقر، وزريبة الغنم، والمندوس).

لم تخلو نصوص سماء عيسى من توثيق لبعض الأساطير المحلية والتي تناقلتها الأجيال عبر تاريخ مليء بالأحداث والمتغيرات، فهناك أساطير مرتبطة بالحيوانات كأسطورة الوشق الذي يقول عنه سماء عيسى (يسمي العمانيون الوشق بالباعث لأنه يبعث الموتى من قبورهم ليلاً، يتغذى من هذه القبور). وأسطورة المسحورين الذين صاروا كلاباً، وأسطورة الصبية الجميلة التي ماتت وأصبحت عنزة.

كما لم تخلو نصوصه من الاعتزازر بهويته الدينية التي لا تخلو من مسحة صوفية رقيقة، فهو يتحدث عن (باب المسجد، وإمام المسجد، ومدرسة القرآن، ومصلى البيدار، وعابدة القرية ووهجها النوراني)، كما يأكد أن شعائر الإسلام هي جزء من الهوية التي يحملها ويمارسها صباح مساء، فهو يقول: (ثم قرأت بعضاً من القرآن الكريم، وأسير إليها اليوم الأول من شهر رمضان كل عام فقط للإفطار معها، لكم وددت أن اتوضأ من ماء الساقية والصلاة تحت ظلال شجرة الليمون)، بل أنه وبخلاف الأدباء الذين يطعّمون نصوصهم بأقوال أدباء وفلاسفة الغرب فإن سماء عيسى يجلّل كتابه بنص قرآن رائع وهو قوله تعالى {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}الضحى: 4-5.

في نصوص سماء عيسى لا نجد حضوراً لنيتشه ودوستويفسكي كما يفعل بعض أصحاب النصوص التائهة، وإنما نجد حضوراً لـ (قيد الأرض، وأبا مسلم البهلاني وميمته: معاهد تذكاري سقتك الغمائمُ)، بل نجد ما هو أكثر تعبيراً عن الاعتزاز بالهوية والافتخار بالأصالة حين يخاطب سماء عيسى بودليرَ بقوله (إلى بودلير، أرقد الآن تحت شجرة فيفاي ميتة أنا وقط عجوز)، ففي خطابه لبودلير لم يتصنع عيسى سمات حضارية لا علاقة لها ببيئته، بل صاح مفتخراً بأنه يحمل إلى بودلير والغرب صوت الهوية العمانية التي تمثل شجرة الفيفاي أحد رموزها الأصيلة.

 كم نحن بحاجة اليوم إلى أدباء من طراز سماء عيسى يتواصلون مع العالم من خلال هوية العماني وتراثه الذي ينتظر الآخر أن نكشف له كنوزه وأسراره، فالعالم لا ينتظر التقليد والاجترار بل ينتظر الإبداع وإعادة الاكتشاف لكل الرموز الحضارية التي تدون في صفحات التاريخ العلمي والأدبي حضارة الإنسان ومنجزاته. 

 

 

كثير هم العمالقة في تاريخنا العربي المجيد، وكثيرة هي المحطات التي نستطيع استجلائها من خلال اقتفاء آثارهم لو أدركنا أننا نستطيع بناء الذات وأننا جديرون بالتميز عوضا عن التوسل والرضى بالفتات. ابن بطوطة وابن خلدون علمان عملاقان تميزا بالسياحة والمطالعة وقراءة واقع الناس وتاريخهم ودراسة علاقتهم ببعضهم، أراد الإثنان أن يقدما للعالم رؤيتهما لأسباب نهوض الأمم وانهيارها، أحدهما آثر السياحة والسفر، والآخر عاش بين العرب والبربر، ولكنهما قرأا كثيراً وكتبا كثيراً، وكانت كتابتهما هي الأكثر تميزا في مجال علم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا البشرية، فأين نحن منهم، ولماذا أضحت سفراتنا خاوية إلا من الترفيه أو الانحباس في مغاليق الدراسات والدورات التعليمية دون التفات ولا اكتراث بواقع الناس وأحوالهم وطبائع معاشهم وأسرار تقدمهم أو فضائح تأخرهم.

في رحلتي الأخيرة أغرقني سيل الرسائل النصية المشيعة والمودعة المليئة بالحب والأمل، فتفكرت في المنقطعين عن الناس والقابعين في أبراجهم الورقية بدعوى النخبوية أو الثراء والجهوية وهم يظنون أنهم في كراسي عاجية وهي ليست سوى سجون وحشية تمارس فيها الروح رذيلة الاعتلاء على البشرية، فحمدت الله على البساطة وحب الأهل والجماعة.

في المطار يدهشك منظر المدخنين في قفصهم الزجاجي كالقطط الحبسية حيث تم عزلهم حتى لا يسرقوا منا نعمة الجو وصفاءه والهواء ونقاءه، فهل هم منتهون عن هذه العادة القبيحة التي ليس من ورائها سوى رائحة نتنة وأسنان خربة وشرايين متيبسة وقلوب عليلة وأسر منتحبة لمتمرد فضل مصارعة ثور سرطان السجائر بدل الالتفات إلى أحلام أطفاله وأمال أزواجه.

تخيل أن يتمزق حذائك بل ويتفت وأنت في الطائرة، هذا ما حصل دون مقدمات ولا إشارات، فالفقير ملزم دائماً أن يدفع مرتين الأولى حين يشتري شيئاً رخيصاً والثانية حين يهتريء ويفسد فيحتاج إلى استبداله، وقديماً قيل أن الحذاء يعكس شخصية صاحبه باعتباره الأساس الذي يقف عليه ويستند إليه، ولحسن الحظ كانت هناك محطة تغيير طائرة حيث الأسواق الحرة لا تخلو من محل لبيع الأحذية، والناس عادة لا يفضلون الطائرات غير المباشرة، ويتطيرون مما يسمى عرفاً بـ (الترانزيت)، لكنه كان ترانزيت خير وبركة جنبنا الإحراج وتعكر المزاج، وصدق الحكيم الكريم حين قال في الخمر والميسر {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}، فحتى شر الأمور لا تكاد تخلو من منفعة لمن علم أسراراها.

الخير ليس معدوما من البشر، فلا تكاد تطلب حاجة في الطائرة أو المطار إلا وامتدت إليك الأيدي معينة ومساعدة وموجهة، ليت هذه السماحة تستمر في الناس خارج عالم الطيران، ليت الطائرات تنفث أجواء العالم المليء بالعداوة والحروب ببعض من سماحة راكبيها، ليت غيث السماحة الطائر ينهمر على عراقنا ولبنانا وفلسطيننا وسوداننا وصومالنا وأفغاننا وشيشاننا وتشادنا ونيجرنا، والكثير من (ننا) لإننا وحدنا من كتب علينا أن لا يسامحنا أعداؤنا، وربما أن لا نسامح أنفسنا!

الناس مذاهب في ممارسة فضيلة الصمت، كما أنهم ليسوا سواء في ممارسة فريضة الكلام، ولتجدن أكثر الناس ثرثرة في الطائرات المضيفات والذين معهن حتى ليضيق المجلس بالباحثين عن الهدوء حينما تقذف بهم سهام الحظ في المقاعد الخلفية، وما يزيد الأمر تنغيصاً معرفتك بلغة المضيفات، فهن لا يتحدثن عن سباق الرئاسة الأمريكية ولا أسعار النفط القياسية بل أكثر كلامهن عما يتفصد له الجبين عرقاً حياء وخجلاً، باختصار هي أمور نسائية ربما حتى بعض النساء يستحين من الحديث عنها! ولعل في سماعات الأذن وما تنقله من برامج سمعية مخزنة في الهواتف سلوى ومهرب من جلسة (المُعصّرات) في مؤخرة الطائرات!

السفر قطعة من العذاب، هكذا روي عن النبي الأمي، وقولته حكمة لا تخرج إلا من مشكاة القرآن، فلا السيارة أبعدت التعب ولا الطائرة أنهت العذاب. لا شك أن الاحساس بالاجهاد أمر نسبي، ولكن تجربة السفر بالطائرة تكفي للتدليل على ما يصيب المرء من تعب ونصب، والناس في الرحلات الطويلة تحسبهم أيقاظاً وهم رقود، وترى المطبات إذا طلعت تقلبهم ذات اليمين وإذا غابت تقرضهم ذات الشمال وهم في ضيق من الطائرة. مغبون من يلبي النوم نداءه حين يشاء، ومسكين من يبات سهير الرحلة داجي العين، وهو يعلل نفسه ويسليها بالقول غابطاً النائمين: ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلا النوم.

القصة أو الرواية هي خير أنيس في وحشة السفر، وكنت فيما مضى أظن أن ثقافة الأوربيين هي ثقافة قصص وروايات وحسب لأنك لا تراهم يقرأون إلا القصص والروايات، حتى سماهم البعض بأهل “ثقافة هاري بوتر” نسبة إلى روايات هاري بوتر الخرافية التي بيع من الجزء الأخير منها وحده أكثر من عشرة ملايين نسخة! وفي الطائرة وما قبلها وبعدها تدرك أن القصة والرواية هما وحدهما الجديرتان بمليء فراغ الرحلات، فالكتب العلمية والثقافية والفكرية المدرسية تحتاج إلى أجواء تختلف تماماً عن أجواء الطائرات لما تستلزمه من تركيز وانتباه وحضور لقواميس ومعاجم ومراجع لا تحتاج إلى أي منها وأنت تقرأ القصة والرواية، ولأن الأوربيين يقرأون كثيراً فقد أدركوا بالتجربة والاختبار أن أفضل كتاب للرحلة هو قصة أو رواية بينما الكتب العلمية محلها مكتبة المنزل أو الجامعة أو المكتبات الوطنية، فأدركت ساعتها أن تعبير “ثقافة هاري بوتر” لا يدلل على خواء قرائي أوربي بقدر ما يعبر عن ضعف قرائي عربي للآخر.

 أخيراً يجدر بنا أن لا ننسى أن أروع القصص والروايات وأصدقها وأعظمها فائدة هي تلك التي جاءت في ثنايا القرآن المجيد، وصدق الحق حين قال في سورة يوسف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ}. يقول الدكتور حمود الدغيشي أن القرآن حوى في قَصصه كل عناصر القصة والقصة القصيرة جداً بل وحتى الرواية، وهو يتعجب كيف غفل المسلمون عن استلهام تلك العناصر الكامنة في النص القرآني لبناء تصور نقدي أدبي حتى سبقهم الأوربيون إلى ذلك، والإجابة على تساؤل الدكتور الدغيشي تعود بنا إلى مجدداً إلى هجران تراث ابن بطوطة وابن خلدون والانكفاء العربي عن التدبر والبحث وقراءة تجارب الآخرين.  


 

التنافس الرئاسي على أشده هذه الأيام في أقوى دولة في العالم، كلا الطرفين يحشد قواه للإطاحة بالآخر، الجانب الجمهوري خلف لواء العجوز جون ماكين، والحزب الديموقراطي خلف الشاب الأسود ذي الأصول الكينية المسلمة! طبيعي جداً أن نرى قصفاً متبادلاً بين الطرفين حول قضايا السياسية والاقتصاد غير أن هناك أبعاداً أخرى مسكوت عنها أو أنها مغيبة في زحام الاهتمام بالسياسية الخارجية والاقتصاد الأمريكي الذي يمر بأسوء حالة ركود عرفتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى.


 

هذه الأبعاد تتمثل في الشق الثقافي (الديني والاجتماعي) الذي يستند إليه كل طرف في معادلة التنافس الرئاسي، فباراك أوباما وإن كان منتمياً إلى الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية إلا أن أصوله الإسلامية ما تزال شاخصة لدى الناخب الأمريكي ولدى ذاكرة أوباما ذاته الذي ينتسب إلى جده المسلم (الحسين)، ونحن لا ندري هل كان الحسين الكيني ذاك من أصول عمانية أم لا، فقد كان العمانيون من أوائل من نشر الإسلام في جنوب شرق أفريقيا، وانتشر الإسلام في تلك النواحي كالنار في الهشيم بفضل أخلاق العمانيين القائمة على رحمة القرآن وسماحة نبي الإسلام، أما الغربيون فقد جاءوا إلى تلك النواحي بحثاً عن مناجم الذهب والجواهر والعبيد! والمفارقة أن أمريكا وهي التي كانت الراعي الأكبر لتجارة الرقيق تتهم عمان الرحمة والسماحة بالاتجار بالبشر! مع أن عُشر الشعب الأمريكي وهم من أصول أفريقية سوى ثماراً لتجارة البشر، أما في الوقت الراهن فتهريب القُصّر والمومسات من أمريكا اللاتينية إلى لاس فيجاس وغيرها غير خاف على دائرة الهجرة الأمريكية.


 

وبغض النظر عن أصول الحسين جد أوباما إلا أن الجدير بالملاحظة أن شخصاً مثله من أصول أفريقية بل وإسلامية لم يكن ليصل إلى زعامة الحزب الديمقراطي لولا الميول الليبرالية الواضحة لهذا الحزب، والليبرالية فلسفة براجماتية تسيرها المصالح والمنافع. بيد أن اليبرالية الأمريكية هي الأضعف تأثيراً في المجتمع مقارنة مع الدول الغربية الأخرى -الكاثوليكية- حيث التدين يعاني من احتضار وتراجع أمام المدّ الليبرالي.


 

أما ماكين فإنه ينتمي إلى الحزب الجمهوري ذو الميول المحافظة، وأغلب الرؤساء الجمهوريين هم من المتدينين، وقد تجلى التأثير الواضح للتدين عند الرؤساء الجمهوريين من عهد رولنالد ريجان ومن بعده جورج بوش الأب وبوش الابن.


 

انتشرت في الأدبيات التي تعاطت مع التحولات الدينية في أمريكا فكرة أن بروز التيار الديني المحافظ في أمريكيا ليس سوى نتاج تغيرات ثقافية وفكرية حديثة ترجع ربما إلى العقود الثلاثة الماضية بدايةً من عهد ريجان في ثمانينيات القرن المنصرم، إلا أن هذه الفكرة لا تعبر سوى عن قصور في دراسة التاريخ الفكري والثقافي الأمريكي، فالتدين في أمريكا هو سمة بارزة منذ الهجرات الأوربية الأولى إلى العالم الجديد، بل أن بعض المؤرخين يزعمون أن المذاهب المسيحية المتطرفة وجدت لها في أمريكا ملاذاً آمنا من شرور قمع الكنيسة الكاثوليكية في روما!


 

يقول كارل ماركس (ت 1883م) في كتابه “المسألة اليهودية”: (إن شمال أمريكا هو بلد التدين بصورة خاصة كما يؤكد كل من بومون وتوكفيل والانكليزي هاملتون بالإجماع). وقال جوستاف لوبون (ت 1923م): (ونبدأ بذكر مجمل من صفات الشعب الإنجليزي السكسوني الذي يسكن الولايات المتحدة، فهو أشد شعوب الأرض على التقريب وحدة وتماثلاً ونشاطا قديرا ومشاعر دينية شديدة). بل يشير بعض الؤرخين إلى أن الجيوش الإنجليزية وفرقها القتالية المتطوعة كانت تحارب السكان الأصليين في أمريكا الشمالية باعتبارهم أعداء المسيح! فالتدين في أمريكا ليس وليد الفترة الراهنة بل هو سمة امتاز بها المجتمع الأمريكي مع بداية تكونه، واختزال روح التدين لديه في فترة ثلاثة عقود إنما يعبر عن جهل تاريخي واجتماعي وبالتالي عجز عن قراءة السلوك الأمريكي السياسي والاقتصادي.


 

من هذه المقدمة نخلص إلى حقيقة مفادها أن وصول باراك حسين أوباما إلى الحكم قد يعبر عن ثورة ليبرالية مضادة للاخفاق الديني زمن جورج بوش الابن بيد أنه ليس معبراً بالضرورة عن توجه ليبرالي من قِبل الجمهور الأمريكي، وبالتالي لا نستغرب أن تتم التضحية بباراك حسين أوباما إذا ما عنّت وشيجة التدين في الضمير الأمريكي، خاصة وأن الأصوات المتطرفة في الجناح الأمريكي المتدين تشكك في ولاء الأمريكيين السود، فقد قال برنارد لويس: (وتم لفظ اليهودي بوصفه شرقياً متطفلاً فتحول لتأييد الشرقيين الأكثر سلطة وقوة بحثاً عن المساندة، وبذلك فهو يشبه الأمريكيين السود الذين ينظرون لأفريقيا او حتى لآسيا في الوت الراهن للسبب نفسه في الحالتين).


 

 وأخشى ما يخشاه المرء بسبب هذه الأصوات وتلك الخلفية الثقافية الأمريكية المتعصبة أن يتعرض الحسين الكيني أو العماني إلى هلوكوست سياسي دموي شبيه بمجزرة الحسين الهاشمي في كربلاء، فتصفية الرؤساء جسدياً ليست استثناءا في الولايات المتحدة وآخر الرؤساء المغدورين جسدياً كان الرئيس الديموقراطي جون كينيدي وآخر الرؤساء المغدورين سياسياً هو الرئيس الديموقراطي أيضاً بل كلنتون الذي وقع ضحية إغراء الفتاة اليهودية المدسوسة مونيكا لوفنسكي. فهل سيكون باراك حسين أوباما إذا ما فاز في الانتخابات الأمريكية استثناءا للقاعدة؟ أم أنه ينتظر كربلاء أمريكية وشيكة!.

ملاحظة: هذا المقال تم نشره في شهر يوليو 2008م في ملحق “شرفات” الثقافي في جريدة عمان وفوجئت بعدها بمقال لأحد الصحفيين العرب الذي اقتبس فكرة مقالي ليصوغ منها مقالا مشابها دون إشارة منه إلى مقالي! والحمد لله على كل حال.

  

ثار الجدل وما يزال بين الفلاسفة والمفكرين حول دائرة المُقدَّس، حدودها وضوابط الولوج إليها، المتدينون اعتبروها محرمة على العقل، وأن مجرد التفكير في قراءة المُقدَّس موضوعياً هو تعدّي وانتهاك للدين وحرماته، فصار المُقدَّس عند هؤلاء أشبه بـ (الطوطم) عند قبائل الأرونتا الأسترالية، أما الفلاسفة فقد اعتبروا المُقدَّس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي يمكن تجاوزها والتعامل معها باستباحة فجة كما فعل فرويد في كتابه (الطوطم والمحرّم)، ويرى بعض المفكرين مثل ميرتشا إلياده أن المُقدَّس هو عنصر من عناصر بنية الوعي تنتشل الإنسان من الفوضى إلى التنظيم عبر استجلاء المقدس في الحياة البشرية.

لم يُبحث مفهوم المُقدَّس عند العرب والمسلمين إلا من خلال الدلالات اللغوية لمفردة المُقدَّس، وتعاني الكتابات الإسلامية حول هذا الموضوع من قحط وجدب، ولا يتم التعاطي معها إلا من خلال استحضار مصطلح (الأسماء الحسنى)، حيث يمثل اسم (القُدّوس) حسب النظرية الإسلامية التقليدية أحد تلك الأسماء كما جاء في رواية أبي هريرة (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً …الخ). ورواية أبي هريرة متأخرة في الظهور حيث لم تظهر في عهد أوائل مدوني الحديث مثل الربيع بن حبيب والإمام مالك، فلهذا تجنبها البخاري ومسلم، وقد يعكس تأخرها في الظهور ثقافة العصر التي نشأت فيه، والغالب أنها نشأت في عصر تبلور فيه مفهوم المُقدَّس على صيغته النهائية التي سيتم تداولها فيما بعد باعتبارها التعريف النهائي لهذا المصطلح، وأول المصادر اللغوية التاريخية التي تشير إلى اكتمال مفهوم المُقدَّس هو كتاب “العين” للفراهيدي (ت 175هـ) الذي يقول في تعريفه لهذه المفردة: (قدس: القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس). وهو ذات الأمر الذي سيتكرر في المعاجم العربية اللاحقة. بيد أن ذات هذه المعاجم لا تُخفي بعض اللمحات التي تشي بأن مصطلح المُقدَّس متشكل في العقل الجمعي العربي قديماً حتى قبل ظهور الإسلام، ينقل ابن منظور عن امرؤ القيس -وهو شاعر جاهلي- القول واصفاً صِبْيةً من النصارى يتمسحون بثوب راهب لهم حتى قطّعوه: (فأدركنه يأخذن بالسَّاق والنَّسا، كما شبرَقَ الولدانُ ثوبَ المُقَدَّسِي)، والملاحظ على بيت امرؤ القيس نسبته المُقدَّس إلى الإنسان (الراهب)، فهل تم لاحقاً استيراد مفهوم (المُقدَّس) كما كان مستقراً في الثقافة العربية قبل الإسلام أم أن نزول النص القرآني قد هذّب دلالة هذا المفهوم نهائياً؟!. هذا ما سندرسه في الفقرات القادمة.

بداية نسجل ملاحظة هامة وهي أن مصطلح المُقدَّس وغيره من المفردات مع ارتباطها الوثيق بالدين لم يتم دراستها من خلال النص الديني الخالص، وهو القرآن، ويُمكن اعتبار توشيهيكو إيزوتسو صاحب كتاب “الله والإنسان في القرآن” أول من قام بدراسة المفاهيم والدلالات القرآنية للمصطلحات والمفردات العربية لا من خلال جرد حضور تلك المفردات في النص القرآني وحسب بل ومن خلال دراسة العلاقة بين تلك المفردات وغيرها من الكلمات داخل النص القرآني، وهو ما سماه إيزوتسو بـ “الدلالة العلائقية” للمفردة القرآنية.

لم يلتفت المسلمون في خضم انغماسهم في المناهج التفكيكية التي فرخت حالة الانقسام المذهبي إلى محاولة الرجوع إلى النص الخالص واستنباط منهج كلّي شمولي يأسس القواعد من الآيات المحكمات المشكّلة للأصول القرآنية {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}آل عمران: 7، والأمُّ هي الأصل الذي ترجع إليها الفروع “الآيات المتشابهات”. وسوف نحاول فيما يلي دراسة مفهوم المُقدَّس داخل النص القرآني لاكتشاف دلالاته وأبعاده النفسية والاجتماعية.

ورد لفظ المُقدَّس في القرآن باشتقاقاته المتعددة في ثمانية مواضع، الأول في حديث الملائكة مع الله وقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}البقرة: 30. وفي ثلاثة مواضع كلها تصف الروح الذي أُيد به عيسى، مثل قوله {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}البقرة: 87، وجاء في وصف الملَك الذي نزل بالقرآن على محمد، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}النحل: 102، وجاء في موضعين لوصف الوادِ الذي تكلم الله فيه مع موسى أول مرة، منها قوله {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}طـه: 12، وجاء في موضع واحد لوصف الأرض التي أَمر موسى وقومه بالهجرة إليها، {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}المائدة: 21.

واللافت للنظر في جميع هذه المواضع عدم ارتباط لفظ المُقدَّس بوصف الإنسان، وإنما جاءت لوصف فعل من أفعال الملائكة، ووصف الروح، ووصف الملَك الذي نزل على الأنبياء، ووصف أماكن على الأرض. ويتجلى من خطاب الملائكة وقولهم {وَنُقَدِّسُ لَكَ} وأمر الله موسى خلع نعليه {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} أن معنى التقديس في القرآن لا يخرج عن دلالة معناها اللغوي وهو (التنزيه والطهارة)، إلا أن الأهم من ذلك كله هو أن ارتباط فعل التقديس بالمخلوق لم يرد في القرآن الكريم إلا في موضع واحد وهو قول الملائكة {وَنُقَدِّسُ لَكَ}، أما روح القُدُس والوادِ المُقدَّس والأرض المُقدّسة، فهي جميعاً ارتبط التقديس فيها بالاختيار الإلهي الذي ليس للإنسان فيه حول ولا طول، فهي بالتالي مُطهرة ومنزهة إلهياً.

إذاً فالمُقدَّس حسب دلالة النص الديني الخالص في الإسلام لا تنسحب على البشر، بل حتى الأنبياء ليس لهم من المُقدَّس سوى الوحي. وبذلك نجد أن دلالة مفهوم المُقدَّس قد تطورت في العقل الجمعي العربي بفعل تأثير القرآن.

 إن هذا المفهوم القرآني للمُقدَّس والذي وجدنا لمعة منه في إشارة الفراهيدي حين قال: (القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس) يفتح أمام الدارس أبواب البحث الموضوعي والنقد العلمي لجميع الأشخاص والأفكار والرؤى والعادات والتقاليد، كل ذلك في دائرة تنزيه الله وتقديسه، وتقديس الوحي الذي جاء من عنده، لكن المدارس الإسلامية وفي حمأة الصراع الأموي العلوي مالت قليلاً عن الدلالة القرآنية للمُقدَّس، فتعاملت مع أئمتها وفقهائها وآرائهم بحساسية أقرب إلى الأرتكاريا بحيث اعتبرت كل مخالفة أو تخطئة أو نقد لأحد رموزها هو تعدٍّ على المُقدَّس، فاتسعت دائرة المُقدَّس، وتقلصت مساحة حرية الرأي، وغاض النقد الموضوعي، وأطلّ المفهوم الذي أشار إليه امرؤ القيس بخيله ورجله. الأمة اليوم بحاجة إلى العودة إلى النص الخالص لتعيذ صياغة مفاهيمها كي تتمكن من مواكبة حركة الحياة القائمة على البحث العلمي والنقد الموضوعي. 

 

 

تنديس المُقدَّس ليس حكراً على مذهب فكري دون آخر، فحتى حرّاس الهيكل لم يخلعوا نعليهم عند بابه، فانتهكوا حرمته من حيث لا يدرون، وأسباب هذا التدنيس مختلفة باختلاف أطياف تلك المذاهب، فالأدباء الذين دنسوا المُقدَّس كانوا مدفوعين بحماسة التشفي من سدنة المُقدَّس، بل هم ناقمون على المجتمع راغبون في تجريعه ذات الغصص التي كابدوها حين وقف الكهنوت حيال رغبتهم في التحليق الإبداعي والفني، فكان تدنيس المُقدَّس في نظر هؤلاء هو أقرب وسيلة إلى التشفي والانتقام.

أما الفلاسفة فمع أن علي شريعتي وتونبي يريان أن تدنيسهم للمُقدَّس عبارة عن ردة فعل مادية ثائرة ضد الزهد والرهبنة والكهنوت التي سادت العصور الوسطى إلا ان ذلك ربما لا يفسر جوهر الإشكال الفلسفي المدنس للمُقدَّس، فالتنديس الفلسفي للمُقدَّس نابع من المناهج غير السوية التي اعتمدها الفلاسفة في البحث حول دائرة المُقدَّس، فأكبر إشكال يقع فيه هؤلاء هو عدم الفرز بين دائرة الظن ودائرة اليقين، وعدم التفريق بين اليقين الذاتي الغنوصي واليقين الموضوعي العلمي القائم على دراسة العلاقات الداخلية والخارجية للفكرة.


 

المتدينون أيضاً ليسوا أقل انتهاكاً للمُقدَّس من الفلاسفة والأدباء، فهم قد دفعوا الناس إلى تعدي الخطوط الحمر للمُقدَّس حين وسعوا دائرة المُقدَّس وقلصوا دائرة الإباحة والممكن. فالنفس الإنسانية بالفطرة ميالة إلى البعد عن الأثقال والتكاليف، ولا يمكن لأي ديانة أو فلسفة أن تنتشر إلا بتحقيقها هذا الشرط الإنساني الأولي. فلذلك تجد أن الديانات والفلسفات القائمة على التطرف والغلظة لا يكتب لها الانتشار بل تميل إلى التقلص والانحسار، وكأمثلة حية على ذلك يمكننا النظر إلى الديانة اليهودية المنحسرة كما نقلها أحبارهم، والديانة النصرانية المنتشرة كما نقلها قساوستهم، وقس على ذلك الفلسفات الوضعية والأديان البشرية.


 

لم ينتبه الفقهاء إلى هذه المسألة أثناء تأصيلهم العلمي،  بل على العكس من ذلك أسسوا قواعدً وأصولاً تكرس مبدأ توسيع دائرة المُقدَّس وتضييق مساحة الممكن، ومن هذه القواعد قاعدة (سد الذرائع) التي توسَّعَوا فيها إلى درجة صارت فيها المُحرّمات الوضعية أكثر من محرمات النص المُقدَّس، إضافة إلى تعويلهم في بناء الأحكام على الروايات الظنية التي لم تجتمع عليها الأمة. ظن هؤلاء أنّهم بهذه المنظومة يُحصنون المجتمع من انتهاك محرمات النص المُقدَّس كـ(الزنا والربا والسرقة والقتل وشرب الخمر)، فأضافوا إلى قائمة المحرمات (الموسيقى والغناء وحلق وتقصير اللحى والإسبال والتأمين وتجارة الأسهم و….الخ)، وجميع هذه المُحرّمات لم تثبت حُرمتها بالنص القطعي وإنما هي مأسسة وفق قاعدة (سد الذرائع) ودلالات مرويات أحادية غير مجتمع عليها.


 

ومع أن هذا المسلك محمود النية إلا أنه يُعاب عليه عدم مراعاته الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية، حتى بلغ ببعضهم هوس الوسواس القهري إلى تحريم كل شيء بدعوى سد الذرائع، إن هذه الممارسات لا تحمي دائرة المُقدَّس قط وإنما تدفع نحو انتهاكها وتحقيرها، فالناس بطبعهم لا يصبرون على الشدة والغلظة والمنع والحرمان، ويثورون رغبة في الحصول على كل ما يحقق لهم السعادة والمتعة في الحياة، ولا شك أن الكثير مما تُوسع في تحريمه والتشديد على منعه مما لم يرد ذكره في النص المُقدَّس (القرآن والسنة والمجتمع عليها) يعتبره الناس ضروريا لسعادتهم ومتعتهم، فلهذا هم لا يعبهون بأحكام التكفير التي تصدر ضدهم، وليت الأمر يقف عند هذا الحدّ، وأن يبقى في دائرة المباح التي اشتغل هؤلاء بتضيقها، إلا أن ردة فعل النفس البشرية بطبيعتها دائماً تميل إلى المبالغة والتضخيم، فصار المرء لا يفرق حين ينتهك ما يعتبره حراماً بين الحرام الوضعي وبين حرام المُقدَّس.

إن تحريم الأمور التي ارتبطت بحياة الإنسان اليومية وعلاقاته الإجتماعية العصرية مثل الموسيقى وتزيين اللحى جعل المرء يتوهم أن انتهاكه المتواصل لهذه الأمور قد صيّره في خانة المغضوب عليهم والضالين، وأن اللعنة قد حلّت عليه إلى يوم الدين، فلا يضيره بعد هذه اللعنة والطرد من الرحمة أن يقترف غيرها من المُحرّمات سواء أكانت من صنف المُحرّمات الوضعية أم المُحرّمات المرتبطة بالمُقدَّس.


 

يذكر علي الوردي أن المجتمعات التي تعتمد التشدد في مسألة تحريم إظهار وجه المرأة تفشو فيها الأمراض الاجتماعية والأُسرية، وما ذلك إلا لأن هذا الرأي مع وجاهته لم يدرك البعد الإنساني لسكوت المُقدَّس (الوحي) عن هذا الموضوع، فالمرأة بطبيعتها ترغب بالشعور أنها مقبولة وأنها ليست مُقالةً اجتماعياً ومتقاعدة بشرياً ولا قيمة لها إنسانياً، فهي تكتفي بالشعور أن الأعين البريئة لا تهجرها كي تشعر بالرضى النفسي والثقة بالذات والقبول الاجتماعي، وحين تُمنع المرأة من هذا الحق الفطري يتجه الحال ببعضهن إلى البحث عن تلبية هذا الشعور في دهاليز لا يرضاها العُرف ولا تقبلها الشريعة.


 

إن أفضل علاج لظاهرة تدنيس المُقدَّس هو بإحسان الظن بالآخر وعدم قراءة النصوص الأدبية قراءة كهنوتية مغلقة لا تحتمل سوى تأويلاً واحداً، فترك مساحة للإبداع سيقلل ثورة الأدباء الناقمين والمدنسين للمُقدَّس، كما أن على الفلاسفة إعادة صياغة المنهج الفلسفي الذي خرج بالفلسفة عن السكة وجعلها معزولة غير قادرة على مجاراة التطور العلمي المادي القائم على القطعيات التجريبية، كما ينبغي على الفقهاء الالتزام بالدوائر التي ثبتّها الوحي المُقدَّس (الإباحة والتحريم) فلا يجوز لأيّ كان أن يتوسع فيها ولا أن يضيّقها، يقول تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ}النحل: 116، فلهذا نجد الرعيل الأول من الفقهاء أيام الوهج الفكري ملتزماً بهذا التوجيه المُقدَّس، يقول القرطبي: (عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون. وقال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا)، والناظر في كتب المتقدمين من الفقهاء مثل “مدونة أبي غانم الخراساني” و “جامع ابن جعفر” و”بيان الشرع” و”المصنف” وغيرها، يجد أنها لا تخرج عن هذا المسلك الذي يراعي الفطرة الإنسانية ويلتزم بالتوجيه الرباني العالِم بالإنسان وضعفه {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} النساء: 28.


 إن الأمة اليوم بحاجة إلى إعادة النظر في قواعدها وأصولها، وعلى الفقهاء أن يعووا خطورة الخطاب الذي تسوده ذهنية التحريم، على المفكرين والفقهاء الحوار حول آليات قراءة النص المُقدَّس وعلاقاته الدلالية بالطبيعة الإجتماعية والنفسية كي لا يكون الخطاب الفقهي مفارقاً للواقع ولا مناقضاً للفطرة ولا سبيلاً إلى تدنيس المقدّس وتعظيم المدنّس.
   

 

سجل التاريخ مدونات أدبية كثيرة لا يُدرى قائلها، فبعض أبيات الشعر التي تُعد اليوم مرجعاً للترجيح في الدلالة اللغوية داخل قواميس اللغة لا يُعرف أصحابها، بل إن بعضها الآخر تمت نسبته إلى بعض أعلام شعراء الجاهلية ظناً وتخميناً لا قطعاً ويقيناً. ومع وصول شبكة الانترنت إلى عالمنا العربي بدأت ظاهرة “منتديات الحوار” تطغى على جميع أشكال استخدامات الانترنت الأخرى، وهذه الظاهرة تكشف بعمق حالة الكبت “الحواري” التي يعاني منها العربي.

ليس الواقع السياسي وحده المسؤول عن الكبت “الحواري” الذي تم تفجيره في منتديات الانترنت بل هناك ما هو أعمق، إنه الكبت الفكري والثقافي والاجتماعي، فالعقل العربي كما تشكل بعد عصور الانحطاط قائم على تقديس الرأي الواحد، وتدنيس كل رأي مخالف، الحوارداخل الأسرة لا ينتهض إلا من خلال مصادرة الذكر حق المرأة في التعبير، والأمر ذاته يتكرر على مستوى القبيلة والسلطة السياسية. ذات الأمر ينسحب أيضا على الفقه الذي اعتمدت فيه كل مدرسة أقوال مجموعة من فقهائها باعتباره مدونة مغلقة الخروج عليها هو خروج عن الدين وعمالة لأعداءه.

ظهور منتديات الحوار التي تسمح للجميع بالتعبير دون اعتبارات جنسية أو قبلية أو سياسية، والمشاركة بأسماء مستعارة، أوجدت للناس في العالم العربي منفذاً لتفريغ شحنات الكبت الفكري والثقافي والسياسي، وقد وقفت المؤسسات الرسمية العربية مواقف متباينة من هذه المنتديات الأمر الذي يعكس ضعف بعض هذه المؤسسات عن قراءة واقع مجتمعاتها ومتطلباته الفكرية والنفسية.

كُتاب المنتديات المتخفين وراء الأقنعة العنكبوتية متمايزون في كتاباتهم، فهناك من يخط كلمات أقرب إلى كلام السوقة والعوام مبنا ومعنا، وهناك من يُبدع أفكاراً ونصوصاً أرقى من الكثير مما تنشره الملاحق والمجلات الثقافية والأدبية.

شخصياً كانت لي تجارب كثيرة مع أقنعة العنكبوت في أكثر من منتدى حواري، فهي تغري بالمشاركة بسبب تميزها بالتخفف من قيود الرسميات في الكتابة والصرامة في المراجعة، إن ما يُكتب في الشبكة بقناع العنكبوت هو أقرب إلى المُسَودة حيث لا يلتزم فيه الكاتب بمراجعة النص المكتوب، وأحياناً يجد الكتاب خلف القناع العنكبوتي أنه يُفكر بصوت مسموع، فكل ما يخطر بباله يفرغه في المنتدى دون تبصر بالعواقب وتمهل في الطرح.

إن أكبر مشكلة في قناع العنكبوت تضيعه لحق الملكية الفكرية، فما تكبته بالقناع يصير حقاً مشاعاً للقراء في العالم أجمع، ولا يستطيع أحدُ ما ادعاء ملكيته للنص المدَوّن، وقد حاول البعض الكتابة في هذه المنتديات باسمائهم الشخصية لكنهم يواجهون صعوبة التعامل مع أصحاب أقنعة العنكبوت الذين يسيء بعضهم إلى كل من يختلف معه في الفكرة سواء أكتب باسمه الشخصي أم تخفى خلف قناع.

ستظل ظاهرة المنتديات الحوارية حية ومتفاعلة في عالمنا العربي ما لم يتم دراسة هذه الظاهرة ومحاولة معالجة أسبابها، أما إغلاق بعض المواقع بسبب الازعاج الذي تسببه الانتقادات التي توجهها إلى بعض المؤسسات فإنه لا يخدم سوى تعزيز ظاهرة الكبت الحواري والدفع نحو انفجار آخر ربما لا يكون حوارياً.