المعرض الدولي للكتاب لا يعبر عن تظاهرة ثقافية تعيشها مسقط بداية كل عام وحسب بل هو يعبر أيضاً عن توجه حضاري نحو بناء مجتمع القراءة والعلم والتجدد الثقافي. كل أمة اتجهت نحو الصعود الحضاري انطلقت من وعي أن الجمود المعرفي يؤدي إلى التقادم والتزمت تلك الأمم شعار “تجدد معرفياً أو تبدد”.
ومع ذلك يعيش الكثير من القراء هاجس حسن اختيار الكتاب واستثمار الأموال فيما يعود على الوعي والفكر بالنفع والدفع نحو آفاق المعرفة الرحبة، ومن هنا ينشأ قلق اقتصاد-نفسي تزيد حدته تلك الجاذبية والبريق التي تصنعها العناوين الرنانة والأغلفة الملونة والمزخرفة.
وكم من القراء من أغراه عنوان أو بريق ألوان وإذا بالكتاب لا يستحق أن تصرف في قراءته ثواني من وقتك الثمين الذي تتنازعه المشاغل في عالم السرعة الالكترونية والاتصالات الفضائية، فقيمة الكتب تتفاوت، فهناك كتاب لا تكاد تسيغه حتى تلفظه، وهناك كتاب تتصفحه سريعاً منتقلاً إلى غيره، وهناك كتب تستوقفك كل كلمة فيها، تأخذك عباراتها وتعبيراتها إلى عوالم أخرى من الإبداع وفضاءات أرحب من الإمتاع، هذا هو الكتاب الذي يخلق بنا أن نقرأه بل وأن نعيد قراءته لنلتقط درره وننظمها فكراً وثقافة قادرة على تغير وجه الأرض.
قليلة هي الكتب التي تساوي في قيمتها ملايين الكتب، إنها الكتب التي تغير الإنسان، لا ليس الإنسان وحسب، بل تغير الأرض والأكوان، وقد تبقى هذه الكتب حبيسة الأرفف وقد يغطيها الغبار، إلا أنها يوماً سيكتشفها الباحث عن المعرفة الصانع للثورة الثقافية.
وما أرومه في هذه العجالة هو التطرق إلى نماذج من هذه الكتب التي تستحق أن تحمل لقب “الكتاب” فكم من كتاب لا يساوي خاطرة في جريدة عابرة.
من أهم الكتب التي أعادت بناء تكويني الثقافي كتاب “العودة إلى الذات” للفيلسوف وعالم الاجتماع الإيراني علي شريعتي، هذا الكتاب اعتبره النافذة التي أطللت منها على فضاء المعرفة القائمة على النقد والموضوعية في التحليل، كتابا صاغ فيه الشهيد شريعتي حوارا بين أسس الأفكار المتصارعة في السبيعينيات، في هذا الكتاب يكشف شريعتي للقاريء أهمية البعد التاريخي للفكرة وتطورها، يعيد شريعتي في كتابه الفذ هذا الاعتبار إلى الذات التي ضاعت وسط زحام السذاجة في فهم الدين وما يسميه بـ “الاستحمار” في تقليد الآخر الغربي المنتصر، لقد أكدّ شريعتي في كتابه الرائع هذا على أهمية “علم الاجتماع” في دراسة الأفكار ونشؤوها وارتقائها في المجتمع وانتقالها من مجتمع إلى آخر. هذا الكتاب فتح شهيتي على مائدة الشهيد شريعتي التي تتألف من مجموعة واسعة من المؤلفات والتي شدني منها كثيراً كتاب “مسؤولية المثقف”، و”النباهة والاستحمار”، و”معرفة الإسلام”، و”التشيع العلوي والتشيع الصفوي”.
كتاب “السلطة في الإسلام” للمستشار عبد الجواد ياسين اعتبره الجسر الذي انتقل بي من ضيق الجمود على التراث إلى فسحة ممارسة علوم التشريح على النص التراثي، لقد أوضح عبد الجواد في كتابه هذا أن السلطة في الإسلام ليست لأي شيء آخر سوى “النص”، وهو يقصد هنا بالتحديد النص “الروائي” الذي زاحم النص القرآني حتى أزاحه!، وقد نشأ النص الروائي على أعين السلطة وسمعها، فكانت تغذيه بما تشاء حتى يدر لها الخضوع والتسليم من قبل الأتباع، ناقش عبد الجواد تطور حجية الرواية وكيف تمت صياغة مناهج الأمة من قبل السلطة الروائية، حتى انسدت آفاق الحرية الفكرية، وتم تقليص دائرة الإباحة التشريعية، وتمت تربية الأمة على النظرة الجزئية المفتتة والمشظية والمكرسة للفرقة والاختلاف والخضوع والتسليم لكل من تقلد كرسي السلطة باسم الرواية.
كتاب “الطريق إلى المستقبل” لفهمي جدعان يعتبر من أهم منجزات الفكر العربي في آواخر القرن العشرين، يلح جدعان فيه على ضرورة التعامل مع الإنسان لا باعتباره عقلاً محضاً كما يتوهم العلمانيون ولا عاطفة محضة كما يتوهم المتدينيون، ولا باعتباره تركيباً بيولوجياً محضا كما يتوهم آخرون، بل الإنسان عبارة عن مزيج من مكونات الثقافة الموروثة، ومكوّن الإرادة، والمكوّن السيكولوجي بأطيافه المتعددة “الشعورية” والعاطفية والوجدانية والانفعالية الغنية، والمكوّن اللاعقلاني أو اللاشعوري بما ينطوي عليه من رغبات ودوافع ومناشط سوية أو غير سوية، والمكوّن البيولوجي بمورّثاته الصارمة أو الشاردة التي تذهب كل مذهب في ضبط أو دفع نشاطنا الحيوي وأخلاقنا وطباعنا وأفعالنا وجملة مصيرنا. ثم يتحدث جدعان عن ظاهرة الأقنعة “النفاق” التي أضحت الصفة الأبرز في تعاملاتنا، ويثني على دور المثقف وعلى تاريخ الحداثة العربية وعلى العلاقة بين التراث والحداثة والتباسها حين يكون الوحي أحد عناصرها، ومن ثم يستعرض مفهوم الحضارة ومكوناتها الثقافية، ويدرس العلاقة التواصلية والتدافعية بين الحضارات فيناقش برنارد لويس وهنتجتون في مقالتهم عن “صراع الحضارات”، وغير ذلك الكثير الكثير مما حواه هذا الكتاب الفذ لمؤلفه المتميز.
محمد عابد الجابري اسم لا يمكن تجاوزه في ساحة الفكر العربي ومؤلفاته رباعية “نقد العقل العربي” و كتاب “نحن والتراث” و”المشروع النهضوي العربي” و”في نقد الحاجة إلى الإصلاح” تعتبر من أهم المؤلفات التي تثير القلق الفكري بصورته الحميدة وغيرها –أحياناً- كل بحسب الخلفية المعرفية التي يقرأ بها الجابري الذي امتازت كتاباته بسبك فكري ولفظي راقٍ، ولا تقلّ سلسة جورج طرابيشي “نقد نقد العقل العربي” في الأهمية عن كتب الجابري ومؤلفاته حيث ترسخ مؤلفاتهما حقيقة القصور في الجهد البشري وضرورة ممارسة النقد حتى على النقد ذاته.
كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد يعد تحفة علمية جب ما قبله وما بعده من مؤلفات حول ظاهرة “الاستشراق” أصولها وفصولها وتطورها وارتباطها بالتوجه الكلونيالي الأوربي قديما والأمريكي حديثاً، ويفضح الكتاب البعد الديني للأصولية المسيحية في تمويل حركة الاستشراق ودعمها وتجنيد الكثير من العرب والشرقيين لخدمة مآرب الكنيسة والدول الاستعمارية.
من الكتب التي تمثل بالنسبة إلي محفزاً نحو إعادة صياغة المنهج في التفكير الفقهي كتاب “السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث” وكتاب “كيف نتعامل مع القرآن” للشيخ محمد الغزالي وهذه الكتب اعتبرها خلاصة تجربة الغزالي في الدعوة والبناء الاجتماعي، يلخص الغزالي في الكتابين أزمة الأمة في ابتعادها عن تدبر كتاب الله وانحرافها عن فهم السنة والخلط بينها وبين الرواية، وللغزالي تجربته الفريدة في مجال الدعوة انتقل فيها من طبق إلى طبق، ومن طور إلى آخر مع الجماعات الإسلامية، وهو كثيراً ما يعرّي الصور غير الحميدة التي التصقت بالكثير ممن يحتكرون المعرفة الدينية ويتبنون لا شعوريا خطاباً أقرب إلى الشعار الكنسي في القرون الوسطى “إحمل صليبَك واتبعني”.
كتاب “التوارة جاءت من جزيرة العرب” لكمال الصليبي، هو أروع بحث تاريخي تمتزج فيه الانثروبولوجيا بعلم الاجتماع والألسنية فيما يتعلق بتاريخ بني اسرائيل وارتباطه بالجزيرة العربية وانقطاع صلاتهم التاريخية بالشام عموماً وفلسطين تحديداً، الكتاب مارس عملية مخض للكثير مما كنا نعده مسلمات فإذا بها فقاعات جوفاء تتبخر حين يطرقها البحث العلمي، لقد أعاد هذا الكتاب ترتيب أوراقي المعرفية فيما يتصل بتاريخ بني إسرائيل الأمر الذي فتح لي آفاق أوسع في فهم وتدبر آيات القرآن المتعلقة بهذه المجموعة البشرية التي أقلقت التاريخ وأقضت مضجعه وما تزال.
كتاب “الفتنة” لهشام جعيط هو نموذج للدراسة التاريخية التي يمتنزج فيها الفكر والفلسفة بالصرامة التاريخية، وقد استفدت من منهج جعيط كثيراً في كتابي “الصراع الأبدي”.
من الكتب الرائعة أيضاً كتاب “الإجتهاد والتقليد والنظر” وكتاب “القطيعة بين المثقف والفقيه” ليحيى محمد، ففي هذين الكتابين يؤكد المؤلف على ضرورة اقتحام المثقف لحضيرة الفقه وأنه ربما يكون الأجدر من الفقيه التقليدي في تعاطي الأمور المستجدة على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وأخيراً لا يسعني وأنا أنوه بالكتب التي تصنع التفكير وتخلق الوعي بالمادة الفكرية وتحرض على اقتحام أسوار النقد والتدبر والانتاج الثقافي والحضاري لا يسعني أن أغفل عن الكتاب العماني، فهناك حقاً الكثير من الكتب التراثية والمعاصرة تستحق القراءة ففيها الكثير من أدوات البناء الفكري والمنهجي، فمن كتب التراث الحقيقة بالقراءة كتاب “الجامع” لابن بركة، وآثار ناصر بن جاعد الخروصي المبثوثة في كتاب “قاموس الشريعة” لجميل بن خميس السعدي، ومن الكتب المعاصرة الثرية بالمعرفة والبناء المنهجي كتاب “أشراط الساعة .. النص والتاريخ” لخالد الوهيبي، وكتاب “الإيمان بين الغيب والخرافة” لخميس العدوي وخالد الوهيبي، وكتاب “الخوارج والحقيقة الغائبة” لناصر السابعي.
بالتأكيد ليست هذه الكتب وحدها تحمل صبغة إعادة بناء العقل والتفكير، بيد أني أزعم أنها الأهم على الأقل فيما يتعلق ببناء المنهجية والفكر الذي أسير عليهما، أنا لا أزعم أني أتيت على كل ما في المكتبة العربية، فهناك الكثير مما لم يسعفني الوقت ولا المال –أحياناً- على اقتناءه ومطالعته، وأحياناً عدم وفرة الكتاب بسبب توقف طباعته أو امتناع بعض دور النشر من الحضور إلى معرض الكتاب السنوي في مسقط ربما تكون من ضمن الأسباب التي حرمتني وغيري من فرصة الإطلاع على ابدعات مفكري الأمة ومثقفيها.
إن القراءة فريضة دينية وحضارية والمستقبل كما يقول فولتير هو لمن يعرف كيف يؤديها، وقد حاولت فيما مضى أن أقدم خلاصة تجربتي الشخصية في محراب القراءة، متمنياً في الختام اختياراً موفقا للقاريء يرتقي به من القراءة المجردة إلى القراءة الإبداعية الخلاقة التي تستيطع أن تبني فكراً يستطيع أن يغير وجه الأرض إلى الأجمل، ويعيد صياغة الأمة إلى الأفضل.