ديسمبر 22, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (2): الأسباب (1)

هناك مجموعة من المتغيرات السياسية والاجتماعية التي أثرت وبأشكال مختلفة في الوجدان العربي، فأعادت صياغة وعيه الجمعي بصورة أصبح فيها أشد توقا إلى العدالة الاجتماعية، وأكثر قابلية من أي وقت مضى للثورة ضد الاستبداد ومظاهر الظلم والفساد.

أولاً: الشعور الجمعي بالثقة والاقتدار، فالانتصارات المتتالية للمقاومات العربية ضد العدوان الصهيوني في لبنان وفلسطين وإخفاق الاحتلال الأمريكي في العراق يمكن اعتبارهما أحد أهم أسباب استعادة الفرد العربي للشعور بالثقة والجدارة والقدرة على مواجهة الطغيان والاستبداد، حيث عززت تلك الانتصارات في اللاشعور العربي روح المقاومة الفردية، وأضحى الضمير العربي الجمعي بالتالي أكثر جرأة على مواجهة الخطر الذي تمثله الأنظمة القمعية.

ثانياً: نظرية الأجيال الثلاثة، فأغلب الثورات حصلت في دول جمهورية لا يتعدى عمر النظام القائم فيها أربعين عاما، ولكن هذا النظام تحول إلى ما يشبه الملكيات التقليدية التي لم تعتد عليها تلك الشعوب، ولأن الجيل الأول الذي يمثله من تعدوا الخمسين عاما عاصروا هذا التحول، فلم ينتبهوا لانحراف المسار، أما الجيل الثالث وهم الشباب العشريني فقد تربوا على قيم جديدة منبعها الفضائيات والإنترنت والهواتف الذكية، فلهذا سرعان ما تمرد هؤلاء وأثروا بصورة كبيرة على الجيل الثاني وهو جيل ما بين الثلاثين إلى الخمسين، وهذا الجيل هو عمدة المجتمع، ولكن كانت قيم الجيل الأول تكبح رغبته في التغيير إلى أن جاء بركان حراك الجيل الثالث، فأطلق مارد الجيل الثاني من قمقمه.

ثالثاً: الإنسان سياسي بطبعه، لا بالمعنى التقليدي للسياسة القائم على تشكيل الأحزاب والنقابات والتجمعات الحركية، وإنما بالمعني الذي أشار إليه أرسطو في قوله: (إن البشر مخلوقات سياسية لأنهم يتميزون بميزة الكلام الذي يسمح بالحديث عن العدل وعن الظلم). الأنظمة القمعية في العالم العربي صادرت هذا الحق الفطري، بحيث صار الحديث عن العدالة والظلم أو الاستبداد جريمة تودي بصاحبها إلى غياهب الجب، فأصيب وعي العربي بحالة من الفصام، فمن جهة هو يحاول ممارسة طبيعته السياسية، ومن جهة أخرى تجبره الأنظمة القمعية على كبت هذه الفطرة، مما أدى إلى تفاقم معاناته وتطورها إلى مزيد من التوتر النفسي والانشطار الروحي الذي دفع به إلى البحث عن وسائل جديدة لتفريغ طاقته السياسية الفطرية.

رابعاً: الإنسان ناطق بطبعه، فالإنسان لا يستطيع أن يكتم ما يدور في ذهنه من رؤى وأفكار، بل ربما أدى كتمان الفكرة في الذهن إلى انفجار الذهن وتشظيه، وهو بالضبط ما تشير إليه أسطورة الحلاق الذي حاول كتم سر ضخامة أذني الحاكم التي تشبه أذني الحمار فانتفخ بطنه حتى شارف الهلاك لولا أن هداه الحكيم إلى إفراغ الكلام في حفرة. لقد أدى قمع حرية التعبير من قبل الأنظمة المستبدة إلى حالة من الاحتقان المزمن وانتفاخ بطن الشعب العربي حنقا وامتعاضا حتى كاد أن يهلك، لولا أن هدته مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية إلى حُفر يمكن أن يفرغ فيها العربي همومه وأحزانه.

خامساً: الإنسان اجتماعي بطبعه، فالإنسان لا يستطيع العيش وحيدا معزولا كصخرة صماء لا تدرك ما يحيط بها، فهو يحب أن يجتمع مع الناس في هيئة منتديات أو جمعيات أو اتحادات أو نقابات وأحزاب كي يتقاسم مع الناس الهموم والأحزان والأحلام والآمال. الأنظمة العربية القمعية صادرت حق الإنسان في ممارسة اجتماعيته وأجبرت كل فرد عربي على العيش منعزلا في جزر نفسية مقطعة عن بعضها، ولا يهب عليه في تلك الجزر سوى عواصف من مرارات الاغتراب والوحدة.

جميع هذه العوامل النفسية أجبرت الإنسان العربي على الهروب بعيداً عن الواقع الذي تحاصره فيه أنظمة القمع والاستبداد، فوجد في العالم الافتراضي الذي تمثله مواقع التواصل الاجتماعي كالفسيبوك والتويتر ملاذا للتنفيس وممارسة الفطرة الإنسانية. لقد وفر العالم الافتراضي متنفسا للفرد العربي لممارسة طبيعته الاجتماعية، فصار يتواصل مع الآخرين مشاركاً إياهم الهموم والأحلام، كما خلقت له مواقع التواصل الاجتماعي مسرحا لممارسة طبيعته الناطقة، فصار يعبر عن رأيه بكل أريحية دون خوف من مقص الرقيب، وهيئت له منبراً لممارسة طبيعته السياسية، فصار يتحدث عن العدل والظلم ويفضح الصور المتعددة للفساد والاستبداد. وماذا بعد؟

 

نشر هذا المقال في ملحق شرفات في جريدة عمان بتاريخ 29 نوفمبر 2011

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.