ديسمبر 22, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (4): الشعب يريد … أفيون جديد

الإنسان مدني بطبعه حسب تعبير ابن خلدون، والمدنية في هذا الإطار تعني الاجتماع والاندماج في كيانات بشرية كبرى، وهذا الاندماج يوفر للإنسان القدرة على توفير احتياجات حياته من مأكل ومشرب ومسكن إضافة إلى الشعور بالأمن النفسي والأمان الاجتماعي، وكلما كان الفرد أكثر شعورا بالاندماج والتماهي مع الجماعة كان شعوره بالأمن أكثر اتقادا، فلهذا تتميز الاحتفالات الجماهيرية الحاشدة كالأعياد والمناسبات الشعبية بالبهجة والفرح والشعور بالسعادة، وفي مثل هذه الأجواء التي تتداخل فيها الأجساد والأرواح والمشاعر تنتفي الفروقات الفردية وتتلاشى التمايزات العقلية، فيصبح الفرد أكثر قابلية للانفعال الجماعي، وترديد ما تقوله الجماعة دون محاولة لعرض ما يقال على المرشحات العقلية التي تكون في حالة استلاب تام لنداء الجماعة، ولما لا، أليس النداء مرتبط في اللاشعور بالأمن النفسي الجالب للذة والشعور بالسعادة؟

لقد أضحت عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام” أيقونة تتردد في جميع الثورات العربية، وهذه العبارة فيها الكثير من الشحن والتوجيه والاستلاب، ذلك أن هذه العبارة مركبة في صيغة نهائية محملة بمضامين مغلقة ودلالات حاسمة لا تدع مجالا لأي فرد أن يقول بخلافها، فإن كان الشعب يريد فما حيلة الفرد سوى التسليم لإرادة الجماعة، لقد باتت عبارة “الشعب يريد” التي يروجها صانعوا الشعارات، ومنظموا المظاهرات  أشبه بعبارة “الله يريد” التي يروجها الكهنة ورجال الدين الذين يستلبون إرادة الشعوب باسم الرب. بل يمكننا القول أن شعار “الشعب يريد” ليست سوى كهنوت جديد باصطلاح رجال الدين، أو أفيون جديد باصطلاح الماركسيين.

ميزة مثل هذه الشعارات النهائية أنها قادرة على خلق أكثرية شعبية حين تتوفر لها المنابر الإعلامية التي تستطيع اختراق وجدان الفرد وتعطيل عقله وشل تفكيره، فتعيد صياغة رؤيته بطريقة تضمن استسلامه التام وانخراطه في سلك القطيع.

ظاهرة القطيع هي حالة إنسانية عامة لا ينفك منها سوى فئتين، الأولى هي فئة الساسة وزعماء الدين وأصحاب رأس المال الذين يستثمرون “الحالة القطيعية” خدمة لمصالحهم، هذه الفئة يعبر عنها القرآن الكريم بمصطلح (الملأ)، أما الفئة الأخرى فهي فئة المثقف التنويري أو الرسول الذي يستطيع تفعيل ملكاته النقدية حتى في أقصى حالات القصف الإعلامي ومحاولات الاستلاب التي تمارسها الفئة الأولى، فلهذا كان المثقف التنويري والرسول العبقة الكأداء أمام الملأ الذين يحاولون تحييده عن طريق استعداء الناس ضده وإفشال محاولاته استنهاض العقول المخدرة.

لا يفرض الملأ سلطته على الجماهير بين عشية وضحاها، بل تأخذ هذه العملية مراحل عدة وأزمان ليست بالقصيرة يستطع الملأ من خلالها اكتساب ثقة الجماهير، ويلعب الإعلام مجددا الدور الأكبر في زرع هذه الثقة من خلال تبني قضايا الجماهير ومناقشتها والدفاع عنها، وهذه العملية لا يمكن أن تنجح إلا إن تمت في صمت وبطء شديدين، أما وسائل الإعلام التي تظهر فجأة فلم ولن تستطع أن تخلق حالة جماهيرية مشابهة.

مهمة تحرير العقول التي يضطلع بها المثقف الرسول تعاني من إشكاليتين متلازمتين، تجعلانها أشبه بالمستحيل. الإشكالية الأولى تتمثل في أن حراك المثقف لا يبدأ إلا بعد ترسخ حالة استلاب الجماهير واستقالتهم العقلية، فمهمة المثقف  لا تكون في العادة استباقية بل هي غالبا مهمة ذات أثر رجعي. الإشكالية الأخرى تتمثل في الثورة المضادة التي يخلقها الملأ ضد المثقف الرسول، من خلال اتهامه إما في قدراته العقلية أو في وفائه للجماعة، وبالتالي اتهامه بالانشقاق والعمالة للعدو الموهوم للجماهير الذي يمثله رأس النظام في حالة الثورات العربية.

المثقف الرسول كي يكون جديرا بالقيام بمهمته التنويرية عليه أن يتحلى بدرجة عالية من الوعي بأبعاد هذه المهمة وتحدياتها، كما ينبغي عليه معرفة الوسائل والأساليب المستخدمة في ممارسة الاستلاب العقلي، ولكي يستطيع المثقف تحرير العقول يحتاج إلى إقامة منابر إعلامية بديلة إن لم يستطع اختراق المنابر الإعلامية التقليدية لإيصال خطابه التنويري للجماهير، وهو بحاجة أيضا إلى استخدام وسائل الإبهار الإعلامي السمعية والبصرية الذي تمثل تاريخيا في حالة الرسل بالمعجزات الخارقة، أما المثقف المعاصر فينبغي عليه خلق معجزاته الخاصة من خلال استخدام تقنيات الخطاب الجماهيرية ووسائل الإبهار السمعية والبصرية كالأغاني والأناشيد والأفلام والصور والرسوم الكاريكاتورية وغيرها، وفي الأخير على المثقف الرسول التحلي بالصبر والتضحية وسعة الصدر وعدم التخلي عن مهمته الإنسانية.

 

تم نشر هذا المقال في محلق شرفات الصادر في جريدة عمان بتاريخ 13 ديسمبر 2011

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.