ديسمبر 22, 2011 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (5): مؤامرة غربية أم مبادرة شعبية

ما يحدث في العالم العربي من ثورات شعبية ليس سوى سايكس بيكو جديدة لتقسيم العالم العربي إلى دويلات متناحرة يتحكم فيها الغرب. هكذا علق محمد حسنين هيكل على ما يسمى بربيع الثورات العربية، وهو رأي يفترض أن الثورات العربية هي جزء من مؤامرة غربية لإعادة تشكيل المنطقة العربية من خلال اصطناع كيانات ضعيفة منقسمة على نفسها، وينطلق أصحاب هذه النظرية من حديث كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة عن “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط ونشر الديمقراطية في الدول العربية على غرار النموذج العراقي.

 بينما يذهب آخرون إلى أن هذا الربيع ليس مؤامرة غربية وإنما هو نتيجة مبادرة شعبية، انطلقت بعفوية نتيجة قيام التونسي محمد البوعزيزي بإحراق نفسه تعبيرا عن الشعور العميق بالظلم وامتهان الكرامة، كما يستند أصحاب فكرة المبادرة الشعبية إلى أن عفوية الثورات العربية قد فاجأت الغربي وأدخلته في لحظة تيه لم يستطيع فيها تبين طريقة التعامل المثلى معها، وقد تجلت حالة الدهشة والتيه تلك في اضطراب قراره السياسي، حيث تلكأ الغرب في دعم الثورة الشعبية في تونس، وتأييد نائب الرئيس الأمريكي النظام المصري واصفا إياه بأنه نظام ديمقراطي، بيد أن تصميم المحتجين على إسقاط النظام أجبر الغرب على تغيير لهجته ومحاولة خطب ود الشارع العربي.

أما أصحاب نظرية المؤامرة فيرجعون الدهشة الغربية إلى سلميّة حركة الثورة في كل من تونس ومصر، فالعرب حسب هنتجتون صاحب الكتاب المثير للجدل “صدام الحضارات” يتميزون بـ”النزوع إلى العنف”، فكيف لهذا العربي “العنيف” أن يشهر الورود في وجه جلاديه وسارقي ثرواته بدلا من رفعه الرشاش والمدفع، بينما فشل الأوربي في صنع التغيير السياسي إلا من خلال الصدامات الدموية والمشانق والمذابح والمحارق. ويؤكد هؤلاء فرضيتهم القائمة على المؤامرة بما كشفته بعض التقارير الإعلامية من ضلوع شخصيات غربية موالية للمحافظين الجدد وإسرائيل مثل اليهودي برنارد هنري ليفي في توجيه الموقف الغربي من الثورات العربية، وتذهب بعض تلك التقارير إلى أن ليفي كان الداعم الرئيس للتدخل العسكري الغربي في ليبيا من خلال علاقاته الشخصية مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ولقاءاته السرية مع قادة الثورة المسلحة، كما استضاف ستراوس مؤتمرا للمعارضة السورية في باريس أثار صخبا في داخل سوريا وخارجها.

التفكير المؤامراتي بلا حدود، حيث ذهب الموسوسون إلى أن أمريكا تعد العدة لحروب عالمية تكتيكية تبدأ من منطقة الشرق الأوسط مرورا بالهند وباكستان وانتهاء بالصين وروسيا، وأن هذه الحروب ستساهم في تقوية الاقتصاد الأمريكي والغرب، وستسقط فرص العملاقيين الآسيويين في الصعود الاقتصادي.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية حدوث مؤامرات كثيرة غيرت مسار التاريخ، وقد قص القرآن كفل من ذلك كما في قوله تعالى {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}، ولكن ما قيل لموسى مبني على دليل قاطع، أما في وقتنا هذا فإن أغلب التفكير المؤامراتي قائم على الظنون والأوهام، فلهذا نجد أن طغيان فكر المؤامرة مرتبط بمركبات النقص التي تنفي عن ذاتها الجدارة وتسلب من شعوبها القدرة على التغيير بينما تضخم الآخر وتضفي عليه سمات أسطورية تستطيع أن تنسج خيوط الغيب وتوجه رياح القدر.

لا يوجد دليل قاطع على ضلوع الغرب فيما يحدث في العالم العربي،لكن ذلك لا ينفي أن الغرب تعامل مع الأحداث باعتبارها فرصة تاريخية يجب الاستفادة منها وتوجيهها خدمة لمصالحه، فلهذا قرر التدخل في ليبيا من أجل فرض وصاية على أي نظام ينشأ في هذا البلد الغني بموارده الطبيعية، والأمر كذلك بالنسبة للموقف من سوريا ذات البعد الجيوسياسي الاستراتيجي المهم بالنسبة لاسرائيل، بينما لم يكترث ذات الغرب بما يحصل في كل من اليمن والبحرين لأنهما يمثلان الساحة الخلفية لدول خليجية قوية حليفة للغرب، ولا تريد هذه الدول أن تتخلق دول ديمقراطية نتيجة ثورة شعبية بالقرب من حدودها.

إذن هل ما يحدث في العالم العربي لا علاقة له حقا بأي مؤامرة خارجية مع أن أهم عنصر لهذه الثورة هو مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الأمريكية؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد من مناقشة كيف نشأت فكرة الثورات الرقمية، وهو ما سنقوم به في المقال القادم مستعينين بكتاب “وهم الإنترنت” للكاتب الأمريكي من أصل بيلاروسي إيفجيني مورزوف.

 

تم نشر هذا المقال في ملحق شرفات الصدار في جريدة عمان بتاريخ 20 ديسمبر 2011

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.