يناير 4, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (7): أردوغان … ملاك أم شيطان

يقول نابليون بونابرت: لو كان للعالم عاصمة واحدة لكانت اسطنبول. تركيا تلك الإمبراطورية العتيقة التي أعادت إحياء نفسها على يد مصطفى كمال كما يفعل طائر الفينيق، تحاول الوقوف من جديد. لقد اتفق الأتراك على تسمية مصطفى كمال بـ”أتا تورك” أي “أبو الأتراك”، فهو من اختار اسم “تركيا” للدولة الوليدة من رحم الإمبراطورية العثمانية البائدة، واسم “تركيا” هو اسم مستلهم من القومية “التركية” الممتدة من أواسط آسيا إلى حدود الشام وجنوب أوربا. لذلك ليس مقبولا في الضمير التركي المعاصر اختراق المبادئ والأسس التي وضعها أبو الأتراك لأبنائه، وتلك المبادئ في مجملها هي أسس مواطنة قائمة على الانتماء العرقي والفكر العلماني والاقتصاد اليبرالي رغبة في اللحاق بركب الحضارة الأوربية التي سبقت تركيا بمراحل.

رجب طيب أردوغان هو الشخصية الوحيدة التي استطاعت التملص من كل الإلزامات الطوطمية التي فرضتها كارزميا أتا تورك، وقدم للأتراك بديلا متصالحا مع الذات ومنسجما مع التاريخ وممجدا للتراث، فهو ينطلق في سباقه مع الزمن للحاق بالحضارة الأوربية لا من خلال القطعية مع الماضي وإنما بترسيخ أسس العدالة وتنمية المجتمع انطلاقا من التراث الإسلامي والتاريخ العثماني المنغرس في الشرق، فلهذا حضرت تركيا الأردوغانية بقوة في المشهد العربي ابتداء من مسألة احتلال العراق مرورا بأزمة حصار غزة وانتهاء بالربيع العربي.

الموقف التركي من الثورات العربية تعتريه كثير من الضبابية، ففي البدء لم يتحمس الأتراك لما يحصل في تونس ومصر، كما كانت للدبلوماسية التركية ابتداء مواقف مناهضة للثورة الليبية، ولم يبدر من تركيا أي موقف داعم للثورة في اليمن، ولا الاحتجاجات الشعبية في البحرين، بيد أن الموقف التركي الصاخب من الثورة الشعبية في سوريا رفع كثير من علامات الاستفهام حول الدور التركي، ذلك أن الموقف التركي لم يتبلور من الحركة الاحتجاجية في الشام إلا بعد أن صدرت تصريحات أوربية وأمريكية قوية ضد النظام السوري، فتحول الصمت التركي وسلبية مواقفه حيال الثورات الشعبية في أماكن أخرى إلى ضجيج يصخ آذان النظام السوري، خاصة مع تلويح الأتراك باحتمال التدخل العسكري لدعم الثورة الشعبية.

مؤيدو التدخل التركي يرون في حكومة حزب العدالة والتنمية التركي مشروعا إسلاميا تنويريا، كما أنهم يعتبرون رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان نصيرا للمظلومين، وله مواقف شجاعة ضد إسرائيل في دافوس بعد حرب غزة، وخفضه للعلاقات مع إسرائيل بعد حادثة اعتداء إسرائيل على أسطول الحرية وقتلها تسعة مواطنين أتراك، كما يرى هؤلاء أن تركيا تمثل امتدادا للدولة العثمانية التي توحدت تحت لوائها الدول الإسلامية، وأن الوحدة الإسلامية هي حلم الأمة الأكبر، وربما يكون أردوغان هو المخلص المنتظر الذي سيوحد الأمة ويقود نهضتها.

بينما يرى المتوجسون من الموقف التركي أن تركيا ما تزال محملة بأوزار من حلم إعادة تخليق إمبراطوريتها البائدة التي لم يتعدى تاريخ سقوطها قرن من الزمان، كما أن حكومة أردوغان مدعومة غربيا لعدة أسباب جميعها ليست في صالح العرب، فأردوغان قام بتحويل وجهة المهاجرين الأتراك من أوربا التي تريد الخلاص منهم إلى الدول العربية الغنية بالنفط، كما أن حكومته تعمل على نشر صورة صوفية ليبرالية عن الإسلام، وهذه الصورة هي بالضد من الصورة السلفية المنتشرة في العالم العربي والتي تفرخ جماعات إرهابية معادية للغرب، فالإسلام التركي كفيل بالتخفيف بل وربما كنس التوجه السلفي من العالم العربي، كما أن تركيا هي عضو في الناتو والقوات التركية تعمل جنبا إلى جنب مع القوات الغربية المحتلة في أفغانستان، والغرب يستخدم العلم التركي لتحييد الانتحاريين الأفغان الذين يفضلون عدم القيام بعمليات ضد الجنود الأتراك المسلمين.

يرى هؤلاء أيضا أن موقف أردوغان من شمعون بيريز في دافوس كان مفتعلا لزيادة شعبيته قبيل الانتخابات، ورفع رصيده في العالم العربي. ويضيف هؤلاء أن الغرب والولايات المتحدة تهيئ تركيا لمواجهة ما يسمى محور الممانعة للمشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي يضم كل من إيران وسوريا وحزب الله وحماس، في المقابل ستضغط أمريكا على دول الخليج من أجل فتح أسواقها ومؤسساتها للاستثمار والعمالة التركية التي ستتحول بعد حين من أخ واجب الضيافة إلى سيد البيت والمتحكم في شئون البلاد.

ماهية المشروع التركي في المنطقة ما تزال محاطة بالكثير من الضبابية لكن ما بات واضحا هو التعامل العاطفي العربي مع المواقف التركية، حيث انقسم العرب بين مشيطن للدور التركي رافض له، وبين مقدس لذلك الدور وداعم له. لا شك أن تركيا تمثل امتدادا للثقافة العربية الإسلامية ورافدا قويا من روافدها، وأن النهوض التركي يمكن أن يساهم في عزة العرب واستعادتهم لأمجادهم، لكن ذلك لا ينفي أن من حق الأمة التركية أن تسعى من أجل مصالحها الخاصة، وعلينا نحن العرب أن نمايز بين المواقف التي تحقق مصالحنا من غيرها التي يمكن أن تستلب إرادتنا وتجعلنا نهبة لأطماع الآخرين مهما تدثروا بدثار الملائكية والإخوة الإسلامية.

 

نشر هذا المقال في ملحق شرفات الصادر عن جريدة عمان بتاريخ 3/1/2012

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.