يناير 14, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (8) … القيامة المنتظرة

حصد الإسلاميون في كل من تونس مصر والمغرب الأغلبية شبه المطلقة في الانتخابات البرلمانية، وصارت أحزابهم هي الجديرة بتكوين الحكومات وقيادة الشعوب، فهل هل ستتمكن التيارات الإسلامية فعلاً من الوفاء بمبادئ الثورة وإقناع الشعوب بجدارتها في الحكم؟.
لم تلجأ الشعوب إلى الإسلاميين إلا لأمرين. الأول هو الثقة، ففي وقت الأزمات يكون الدين هو جبل الخلاص الذي يعتصم الناس به، وفي الذهنية العربية يتمثل الدين في الأشخاص، فلهذا بادر الناس باللجوء إلى الأحزاب الدينية طلبا للأمن الذي تتضمنه شعارات الإسلام السياسي البراقة.
الأمر الثاني في اتجاه الناس إلى الإسلاميين هو الخشية من عودة الأنظمة السابقة بصور مختلفة على أكتاف الليبراليين الذين كانوا وما يزالون في صدام مع قيم المجتمع وعاداته وأعرافه.
بعض المتفائلين يتوقعون نجاح التجربة الإسلامية في العالم العربي تيمناً بالتجربة الإسلامية التركية، بيد أن هناك فروقا جوهرية بين فلسفة الحركة الإسلامية التركية التي ولدت في رحم العلمانية الليبرالية وبين فلسفة التيارات الإسلامية العربية والتي هي تيارات سلفية تقليدية منغلقة. كما أن فشل التجربة الإسلامية الإيرانية التي تعاني من ترنح شعبيتها، وفشل التجربة الإسلامية السودانية التي أدت سياساتها إلى تقسيم السودان وجعله بؤرة للصراعات تثير مخاوف الكثيرين.
هناك مفارقات عدة تدفعنا إلى الظن بأن التيارات الإسلامية مقبلة على تحد كبير، فالمجتمع العربي المتدين فطرة يحمل في داخله تشوفا إلى طرح إسلامي منفتح يقترب من الروح الليبرالية للحركة الإسلامية التركية، بينما فرض إسلام سلفي متطرف -كما حصل في إيران والسودان- لن يؤدي سوى إلى فقدان التعاطف الشعبي مع التيارات الإسلامية، كما أن وجود التباين الطائفي في بعض الدول سيمثل تحديا كبيرا لهذه التيارات خاصة مع وجود استفزازات طائفية يشير البعض إلى أنها موجهة من الخارج.
إضافة إلى أن الجيوش العربية قد تأسست إيديولوجيتها العسكرية على فكر أقرب إلى الليبرالية المتمنعة ضد التدين المتطرف والأسلمة التي ستحاول التيارات الإسلامية فرضها على المجتمع والمؤسسات الرسمية في حالة صعودها إلى موقع السلطة. هذا عدا عن التربص الخارجي المتوجس من الصعود الإسلامي سواء أكان معتدلا أم متطرفا.
هناك من يرى أن الثورات العربية لم تسقط الأنظمة المستبدة فحسب بل هي في طريقها إلى إسقاط الأيدلوجيات العتيقة بما فيها إيديولوجيا الإسلام السياسي الذي تعتبر حركة الإخوان المسلمين أبرز رموزه، وأن الفشل المحتوم للحركات الإسلامية ستتبعه ثورة فكرية ومعرفية تتجاوز السدود والموانع التي وضعها حراس الهيكل في طريق الباحثين والمفكرين، وأن سقوط الحركات الإسلامية التي لا تمثل سوى نسخة تالفة أخرى من نسخ الخطاب الديني الظلامي الذي أركس الأمة في حمأة التخلف والفرقة والخصام هو بداية الثورة الحقيقية للأمة، وهي ثورة معرفية تنويرية قائمة على القراءة النقدية والإبداع.
لا يوجد في تاريخ الإنسانية ثورة كتب لها الخلود سوى تلك القائمة على تجديد في الرؤى والأفكار والمبادئ، وما يحدث في العالم العربي اليوم ليس سوى ثورة شعوب ضد أنظمة حكم يشتركون معها في الثقافة والفكر والمبادئ، فجنة ما بعد الثورة التي يبشر بها الوعاظ الجدد ليست سوى حلم طوباي سرعان ما ستتلاشى سكرته حين تعود الجماهير إلى مساكنها وتبدأ عجلة النظام في تخليق صنف جديد من البيروقراطية القاتلة لمسيرة التقدم التي تحلم بها الشعوب.
بيد أنه من الواجب التذكير بأن أهم مكتسبات الثورة الشعبية في العالم العربي يتمثل في الارتقاء بمبدأ “حرية التعبير” حيث بات الإقصاء وتكميم الأفواه ملازما في الضمير العربي للأنظمة الفاسدة التي ثارت عليها شعوبها، إضافة إلى أن الإعلام التجاري والإعلام الرقمي البديل بات يوفر مساحات أكبر للمفكرين والمنظرين لطرح رؤاهم وأفكارهم التي كانت تصطدم سابقا بمقصات الرقيب ومشانق الفتاوى التكفيرية، إذن أبواب الإبداع الفكري باتت مشرعة أمام المثقفين التنويريين كي يقدموا للأمة الحلول المثلى لأزماتها، والأمة اليوم تمر بلحظة تاريخية سيندم المثقف التنويري كثيرا إن لم يحسن استغلالها للنهوض بأمته وإرجاع قاطرتها مجددا إلى سكة الصعود الحضاري.
إن ولوج البشرية العصر الرقمي أدى إلى اختصار البعد الزمني بصورة خيالية، فليس مقبولا اليوم أن تظهر الدراسات والمشاريع الفكرية مقطعة في فترات زمنية متباعدة كما هو الحال مع مشروع “نقد العقل العربي” لمحمد عابد الجابري، فهذا الأمر كان مقبولا قديما بسبب ضعف وسائل التواصل وصعوبة الحصول على المراجع العلمية، أما اليوم وفي عصر الثورة الرقمية تم اختصار المسافات المكانية والزمانية وبات المثقف أكثر قدرة على تخليق الفكرة وتنميتها وتصفيتها ونشرها في فترات زمنية محدودة.
في القرن الماضي تحدث محمد عبدالرحمن مرحبا عن المخاض “الفكري” العربي الكبير، واليوم نحن بحاجة إلى ما هو أكبر من عملية الولادة، نحن بحاجة إلى انفجار، نحن بحاجة إلى قيامة معرفية تجعل كل عقلية مثقلة ترمي بحملها، نريد أن نرى أفكارا تجعل من أصحاب العقول الجامدة والأفكار المحنطة سكارى وما هم بسكارى ولكن وقع الانفجار المعرفي شديد، فهل يستطيع مثقفونا نفخ الصور وإحداث مثل هذه القيامة؟ هذا سؤال عظيم ستجيب عنه الأيام.

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.