يناير 21, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

من وحي الثورة (9): الغاوون يتّبعهم … المثقفون

المثقف هو عقل الأمة المفكر ولسانها المعبر، وهو مسكون بهواجسها، ومدفوع بأحلامها وآمالها، وكل مثقف لا يستشعر آلام أمته هو عضو عليل، محتاج إلى فحص وإعادة تأهيل. إنما تمر به الأمة من عسف، وما تعانيه من خسف يسّاقط عليها من عروش الجبابرة والطغاة يستلزم من المثقف موقفا واضحا وضوح الجريمة ذاتها.
بيد أن المثقف العربي كان وما يزال مهموما بذاته، ومنصرفا عن هموم أمته إلى إشباع نرجسياته، فليس مصادفة أن تحدث الثورات العربية بعد وفاة أغلب رموز الفلسفة والفكر العربي، بداية من إدوارد سعيد، ومرورا بمحمد عابد الجابري ومحمد أركون، وانتهاء بنصر حامد أبو زيد، فالمفكرون العرب يعانون من النخبوية في الطرح وغياب الامتداد الشعبي.
لقد أدى غياب الامتداد الشعبي للنخبة المفكرة في عالمنا العربي إلى فراغ معرفي ملأه الإسلاميون بمختلف أطيافهم السلفية والصوفية والسياسية والجهادية، ولم يزاحم الإسلاميون أحداً سوى مجموعات قليلة من دعاة الاشتراكية والليبرالية الذين اضطر أكثرهم إلى أسلمة خطابه حتى لا يكون حظه عاثرا مثل حظ من سبقه من كبار المفكرين.
لهذا لم يكن انطلاق الثورات العربية الشعبية بعيدا عن وصاية المثقفين مفاجئا، ولكن المفاجئ هو انحدار خطاب المثقفين من التنوير إلى التثوير رغبة في اللحاق بقافلة الثورة وقيادة عربتها، بيد أن ما بات واضحاً هو أن المثقفين لا يقودون العربة بل هي من يقود خيول نرجسياتهم التي أثملها التطبيل والتصفيق.
لم تخرج كتابات المثقفين وشعاراتهم عن خطابات الجموع، ولم يجسر أي منهم على معارضة أي فكرة يطرحها العوام مهما كانت سذاجتها، ولعل موقف المثقفين المصريين الذين قادتهم الجموع وتقودهم إلى مختلف الميادين بين الفينة والأخرى خير مثال على ذلك، فمع اتفاق العقلاء على صعوبة تحقيق مطالب الناس بين عشية وضحاها، وأن التغيير المتعجل ربما يؤدي إلى انهيار الدولة وفشلها إلا أن الدهماء كانت تضغط على السلطة الجديدة من أجل الإسراع في تلبية مطالبها التي لا تخلو من فئوية وتهور، وقد وقف المثقفون المصريون موقف المتفرج، حيث لم يجرؤ أحد منهم على معارضة الدهماء خشية اتهامه بالعمالة والتطبيل، بل قام الكثير منهم بالتسابق إلى إرضاء العوام وتبرير نزواتهم.
في الكتابات العربية الثورية لا صوت يعلو فوق صوت دعوة حركات الإسلام السياسي واليساري القاضية بأن التغيير يجب أن يبدأ من القمة، أما الكتابات الداعية إلى التغيير المنطلق من الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي فهي ليست متوارية فحسب، بل هي كذلك متهمة إما بالرومانسية أو بالعمالة للأنظمة المستبدة.
لقد صار الشارع العربي هو الميزان لصوابية الأفكار والمقياس لصحة الدعوات، ما يريده الشارع هو صواب غالبا، وما يقوم به هو صحيح دائما. بيد أن الشارع تجاوز كونه شارعا، ولم يرضي الجماهير الثائرة سوى تصيير نفسها مؤسسة تفرض النظام ولا تعترف بنظام المؤسسة، فسقطت هيبة الدولة في ضمير الشعب الذي توهم أن هيبة الدولة إنما هي جزء من حاجز الخوف الذي تنشئه الأنظمة المستبدة لتبرير بقائها، النتيجة كانت ما اسماه أحمد الأتاسي حكم الغوغاء.
والغوغاء هي الجماعة من المراهقين أو الشباب العاطلين عن العمل الذين يتسكعون على الأرصفة وفي الساحات العامة والذين لا موجه لطاقاتهم. أما “حكم الغوغاء” فهو حالة مؤقتة يتم خلالها توجيه طاقات الغوغاء في مكان عام باتجاه القيام بعمل عنفي يصعب فيه تحديد الفاعل، وفي الوقت ذاته إعطاء هذا العمل صبغة من “العدالة الجماعية” التي قد تبرر الفعل في عيون الكثيرين باعتباره إحقاقاً للحق بيد “صاحب الحق”. كل شيء في “حكم الغوغاء” يكون بقصد استخدام العنف تحت غطاء “عدالة الشارع” ودون معرفة المشاركين مما يذيب المسؤولية في مجموعة كبيرة من الجناة الذين لا وجه لهم وبالتالي لا قصاص منهم.
حكم الغوغاء امتد أيضا إلى الشارع الثقافي العربي، فكتابات كثير من المثقفين ليست سوى عبارات عائمة أقرب إلى الغمغمة منها إلى الخطاب المكتمل الأركان، وهم يتحاشون الكتابة أو الحديث إلى النخبة التنويرية، بل يعمدون إلى المنابر الشعبوية كالقنوات الثورية أو الصحف والمجلات ذات الحضور الجماهيري الكثيف، وبالأخص المنابر الرقمية كمواقع التواصل الاجتماعي، ويحتشدون في هذه المنابر بصورة جماعية تعفي كل فرد منهم من مسؤولية الرد على الرأي الآخر أو مواجهته، فالحضور الجماعي يذيب مسؤولية الفرد عن تبعات ترويج الخبر الخاطئ أو الكلمة غير المسؤولة، إنه حكم الغوغاء الذي ابتدأ في الشارع بين السوقة والعوام وانتهى في شارع اللاشعور في عقول بعض المثقفين.
ومع ذلك لا يخلو المجتمع العربي من نخبة تنطلق في رؤاها من إدراك شامل للأجزاء المبعثرة من المشهد المتشظي، وتستصحب في تصوراتها ضرورات المرحلة وخصوصية المجتمعات العربية. فمن جهة هي تدعم مطالب الإصلاح وضرورات التغيير الديمقراطي، كما ترفض منطق الانفراد بالسلطة والاستبداد، ولكنها في الوقت ذاته لا تعتمد منطق التغيير المتهور، وتحذر من اصطفاف المثقفين والمفكرين وأولي النهى وراء رغبات العامة والدهماء، وتدعو إلى تصحيح التراتيبية الاجتماعية التي يفترض أن تكون الجماهير فيها موجَهة من قبل النخبة المثقفة التي يصطفيها ضمير الأمة اصطفاء أقرب إلى الانتخاب الطبيعي حسب نظرية النشوء والترقي الدارونية.
إن الوطن العربي يمر بمرحلة دقيقة من لحظات التاريخ، حيث المجتمعات العربية مرشحة نتيجة تراكمات ثقافية مديدة إلى الدخول في نزاعات طائفية وحروب أهلية. وقد استطاعت الأنظمة الاستبدادية الشمولية احتواء هذه الفروقات الأثنية والطائفية، ولكن احتواءها لم يكن قائما على التسامح والحوار بل على الترهيب والقهر، الأمر الذي أجّل الخلافات بين المكونات المتباينة إلى وقت الثورة أو ما بعدها، فليس بعيداً أن تستشعر بعض المكونات الاجتماعية أنها صارت مغبونة بعد الثورة لاحتكار المكونات الأخرى السلطة وما حولها، هذا الشعور بالتهميش وانفراد مكون ما بمفردات السلطة والقوة ربما يؤدي إلى انفجار اجتماعي وحروب أهلية، بل وربما إلى التدخل الأجنبي وفرض وصاية وانتداب جديد على مقدرات الشعوب العربية.
على المثقفين التنويريين المسارعة إلى تقديم حلول سياسية وقانونية تحفظ حقوق جميع المكونات الاجتماعية، كما أن عليهم تقديم خطاب ثقافي يتعالى على الخطاب الذي يصفه جورج طرابيشي بأنه خطاب “تكفير الآخر وتنجيسه”، خطاب لا يعتبر الهويات المتعددة سببا للفرقة والخصام بل يقدمها باعتبارها فرصة للتعارف ووسيلة إلى التشارك، خطاب رافض للاستبداد، ومحارب للفساد، ولكنه لا يغفل أن الاستبداد والفساد هما نتيجة لإشكالات اجتماعية وثقافية يُعد علاجها وإصلاحها أولوية الأوليات.
بمثل هذا الخطاب التنويري القائم على التعددية والتسامح والإصلاح الاجتماعي يمكن قيادة الجماهير إلى سبيل النجاح، وقطع الفرصة أمام الغوغاء لممارسة هواية التفريغ والتنفيس عن الكبت وإسقاط هيبة الدولة وتمييع النظام.

 

تم نشر هذا المقال في ملحق شرفات الصادر عن جريدة عمان يوم الثلاثاء 17/1/2012

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.