من وحي الثورة (10): الطريق إلى المستقبل

مصنف في فكر و حضارة 0 من التعليقات

رأيت الشيطان مستقلا قطار الديمقراطية، يريد حكم العالم وإقامة الجمهورية، هل يا ترى كان أفلاطون متوجسا من هذه اللحظة حين نادى في مدينته الفاضلة بأن الفلاسفة أحق بالحاكمية؟ نسيت أن اسأل هيجل وماركس عن هذه الأحقية! لا بأس فقد أسقط هتلر وماو ولينين تلك النظرية … هكذا تحدث كارل بوبر.

يبدو أن الأمة العربية اليوم على مفترق طرق حيال طبيعة نظام الحكم، ويبدو أن القضية الكبرى التي ستشغل اهتمام الباحثين لن تكون المفاضلة بين الانتخاب والتوريث بعد أن حسمت الشعوب غير الملكية أمرها برفض التوريث، وبرزت أصوات في الدول الملكية مفرغة من الحماس اتجاه النظام الوراثي التقليدي، بل سيكون الجدل محتدما بين النظرية الديمقراطية والدينية والفلسفية.

يتبدى للناظر من الوهلة الأولى أن النظام الديمقراطي هو الشكل الأكثر إلهاما وجاذبية، ومرد هذه النتيجة غير المتأنية هو الخلط بين الديمقراطية وبين حق الانتخاب، ذلك أن الديمقراطية لا تنحصر في مجرد الانتخاب وإنما تتعداه إلى تأسيس نظام يقوم على اعتماد “قانون” الأغلبية. مشكلة الديمقراطية أنها قائمة على الإحصاء، فميزان الحق والباطل ومؤشر الصواب والخطأ لديها ليس سوى رأي الأكثرية “العددية”، ذلك أن النظرية الديمقراطية في الأساس هي امتداد للنظرية الرأسمالية القائمة على حاكمية رأس المال، فالأُجراء ليسوا هم من يحدد شروط العقد بل صاحب المال “الأكثر” هو من يصنع القوانين. فلهذا ارتبطت الديمقراطية بالرأسمالية، وصارت الدول الرأسمالية هي الممثل الشرعي للديمقراطية.

بيد أن هذا النظام “الإحصائي” والذي يمثل صورة شبحية أو ظلالا للنظام الرأسمالي لا يخلو من إشكالات جوهرية، فحاكمية الأكثرية قد تؤدي –وقد أدت فعلا- إلى طغيان الأكثرية، واضطهاد الأقلية، ففي أوربا على سبيل المثال استطاعت الأغلبيات المسيحية تشريع قوانين مجحفة ضد الأقليات الأخرى خاصة الأقلية الإسلامية، مثل قوانين حظر الحجاب، وقوانين منع بناء دور العبادة، ومنع رفع الأذان وغيرها، كما لا ننسى محرقة  الهولوكوست التي أقامتها الأغلبية المسيحية النازية ضد الأقلية اليهودية.

يزعم البعض أن الدساتير تمثل ضمانا ضد استبداد الأكثرية، بيد أن هذا الزعم تسقطه حقيقة إمكانية الأكثرية العبث بالدستور وإعادة صياغته، طالما اتفق الجميع على أن الدستور هو نص بشري وليس تنزيلا مقدسا.

إشكالية أخرى تضرب في أعماق الفكرة الديمقراطية هي فتح الديمقراطية الطريق أمام الشيطان للتربع على كرسي الحكم، فبحسب القاعدة الديمقراطية يمكن للأكثرية أن تختار من يحكمها ولو كان إبليس نفسه، وواقع الديمقراطيات الغربية يكشف هذه الحقيقة بامتياز، فالرئيس الإيطالي السابق سلفيو برلسكوني لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من الآثام إلا أتاها، وهو يتردد بين محاكم الآداب ومحاكم الفساد المالي، والأمر كذلك بالنسبة للرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش الذي صار مضرب الأمثال في الحماقة والرعونة والسفه وعدم الإصغاء إلى أصوات الأغلبية من الشعب، هو ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير حيث خاضا حربا ضد العراق بالرغم من رفض الأكثرية التي أوصلتهما إلى سدة الحكم، ويجب أن لا ننسى أن هتلر النازي وموسوليني الفاشي لم يأتي بهما سوى رياح الديمقراطية.

هناك شكلان آخران للحكم يعتمدان وسيلة الانتخاب من دون الانتصاب على قاعدة الأكثرية، الشكل الأول هو الحكم الديني القائم على حاكمية الأتقى، فالحاكم في الفكر الإسلامي يجب أن يكون متصفا بالطهر والنقاء، والعلم والتقوى، ويزعم منظروا هذه الأطروحة أن الحاكم الطاهر هو أكثر الناس ورعا، وأشدهم اتقاء من الوقوع في المعاصي والأخطاء، ويضرب هؤلاء مثالا على ذلك بحكم الخلفاء الراشدين، والإباضية يضيفون إليها تجربة الإمامة في عمان. بيد أن هذه الأطروحة تعاني من إشكالاتها الخاصة، فأولا هي تحتكر عملية الانتخاب وتجعلها في يد فئة محدودة من الشعب وهم العلماء ومن يرتضونه من أعيان وشيوخ وزعماء قبليين.

ثانيا: لقد أثبتت هذه التجارب فشلها وعدم قدرتها على تطوير الذات، فهي غالبا ما تنتهي باقتتال وحروب يشنها الجيل الجديد من العلماء ضد الحرس القديم، كما أن الحكم باسم الدين يعطي الحاكم بعدا روحيا يتجاوز دوره البشري في خدمة الشعب وتنفيذ المهام الملقاة على عاتقه، والأنموذج الإيراني المعاصر أكبر دليل على هذه الحقيقة.

الشكل الأخير من أشكال الحكم هو ما طرحه الفلاسفة ابتداء من أفلاطون مرورا بأرسطو وانتهاء –كما يرى البعض- بهيجل وماركس الذين طرحوا نظرية حاكمية الفيلسوف، فأفلاطون يرى أن الفلاسفة أحق الناس بالحكم، فهم الأقدر على تأمل الأمور وتدبرها، والغوص في أعماقها، وربط أجزاءها المتناثرة ببعضها، لكن كارل بوبر يرى أن التجربة الدموية لحكم هتلر الذي كان متأثرا جدا بفلسفة ماركس، والتجربة المأساوية للينين في روسيا وماو في الصين تؤشر إلى طوباوية الأطروحة الأفلاطونية وعدم صوابيتها.

إذن ما هو الشكل الأنسب لنظام الحكم في الدول العربية؟ الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى دراسة موسعة تتجاوز ضيق المساحة في هذا العمود الذي ستكمل الأسطر التالية بقية لبناته، بيد أننا نؤكد على أن النظرية الأنسب لأمتنا العربية والأقرب إلى مطامح شعوبنا الإسلامية هي نظرية فسيفساء، تجترح إيجابيات جميع النظريات وتتجاوز سلبياتها، أما الحديث عن ماهية هذه الفسيفساء فسنؤجله إلى دراسة لاحقة.

 

نشر هذا المقال في ملحق شرفات الصادر عن جريدة عمان بتاريخ 24/1/2012

بواسطة drzak   في   25 يناير 2012 0 من التعليقات

إنشر هذا الموضوع

RSS Digg Twitter StumbleUpon Delicious Technorati

0 من التعليقات

لا تعليقات حتى الآن. كن أول من يبدأ بالتعليق !
إترك تعليق

يجب أن تكون مسجلا لتتمكن من إضافة تعليق.

الموضوع السابق
«
الموضوع اللاحق
»
EXULT designed by ZENVERSE  |  In conjunction with Reseller Hosting from the #1 Web Hosting Provider - HostNexus.