يناير 30, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

المباهلة .. والتخفف من الشحنات الأسطورية

ليست قليلة هي المفاهيم التراثية التي تضخمت حمولتها الدلالية على مر التاريخ، ومفهوم “المباهلة” هو أحد هذه المفاهيم التي اكتسبت روافد أسطورية خلال حركة الفكر الإسلامي سواء على المستوى الشعبي أم على مستوى الطبقة العالمة أو ما يسمى بـ “النخبة”.

في القرآن الكريم وردت المباهلة في نص يتيم وهو قوله تعالى {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} آل عمران : 61.

يبدو من ظاهر النص القرآني أن أفضل طريقة لمواجهة المتعنتين من المجادلين الرافضين للحجج التي تقام عليهم هو بمناظرتهم أمام الناس جميعا، خاصة الأقربين منهم، مثل الأبناء والنساء، وبالتالي القوم والأتباع، بحيث يتم طرح حجج الطرفين، ويظهر للناس من هو صاحب الحجة الأقوى، ومن هو المدفوع بالهوى، واللعنة هنا تعبر عن السقوط الجماهيري، وانكشاف حقيقة كل متعنت متنطع مدع للحق أمام أقرب المقربين منه، فتنكسر نفسه ويعيش محطم النفس حتى يرجع إلى الحق ويسلم للحجة التي يطمئن بها قلبه، وتأباها أهوائه وشهواته.

بيد أن هذا المعنى البسيط والواضح والمتصالح مع ملكات العقل، والذي لم يثر إشكالا في زمن النبوة أكتسب من خلال الصراعات المذهبية دلالات أسطورية أحالته إلى طلسم مليء بالمعاني الباطنية الخارقة، وقد وصل الأمر بالبعض إلى الاحتجاج بهذه الآية انتصارا لمذهبه على الآخرين، وهنا تبرز ساحة الروايات المنسوبة إلى النبي والصحابة والأئمة لتكون مرتعا تتناسل فيه مثل هذه الأفكار التي يتم تعليبها وسكها بخاتم النبوة والعصمة فتصير مع حركة التاريخ جزءا من المقدس الذي تتناحر دونه الغوغاء، وهو ما رأينا كفلا منه في الحروب الساذجة التي يأججها بعض الموتورين من المتطرفين في ما يعرف بالقنوات الفضائية الطائفية.

المباهلة إذن ليست سوى مناظرة علمية علنية لا علاقة لها بنزول الصواعق ولا بحق العلويين ولا بكراسي الأمويين.

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.