أبريل 3, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

ناصر بن جاعد (6) … الجبل المفقود

“فافهم لئلا تُضلل أهل العلم من حيث لا تفهم، فلا تُقْدم حتى تعلم لئلا تأثم” ناصر بن جاعد.

ذهب أحمد أمين في كتابه “فجر الإسلام” إلى أن الشعوب الأعجمية التي دخلت الإسلام إنما دخلته محملة بموروثاتها الثقافية وعقائدها الدينية، وكما قام الإسلام بتهذيب كثير من تلك الاعتقادات استطاع بعضها الآخر البقاء والانتشار، خاصة تلك التي كانت مدعومة من قبل الحركات السرية المناهضة للإسلام.

يذهب ريتشارد فولتز إلى أن “المانوية” التي ولد مؤسسها “ماني” في العراق عام 216م، كانت هي أخطر تلك الحركات على الإطلاق، فقد أخذت في الانتشار والتوسع في بلدان ما وراء النهر، والمناطق التي ما يزال الإسلام فيها حديث عهد ويواجه صعوبات إثنية ولغوية.

 ويذهب هاينس هالم إلى أن المانوية قامت بتأويل الوحي القرآني تأويلات “غنوصية” مفارقة لدلالات التوحيد، والغنوصية بحسب هالم هي نوع من المعرفة الحدسية القائمة على الإلهام، ولا تعترف بالإدراك النظري أو التجريبي.

لم تتوقف الحركة المانوية عند هذا الحد من التأويل الباطني الغنوصي بل قام سدنتها بترجمة كتبهم إلى العربية والفارسية ونشرها بين العوام في ما يسميه روبرت جيب بـ “حرب الكتب”، الأمر الذي دفع علماء الإسلام إلى التصدي لهم والرد عليهم، ويذهب أحمد أمين إلى أن ظهور المعتزلة كان نتيجة ضرورية للتصدي للمد المانوي.

اعتمدت المانوية وغيرها من الحركات السرية وسيلة سكّ الآراء وتعليبها في صورة نصوص منسوبة إلى النبي باعتبارها روايات مقدسة لتفسير القرآن، ومع كثافة عمليات التنصيص ظهر ما بات يعرف في التراث الإسلامي بـ”التأويل الباطني”، الذي يزعم أن القرآن له دلالات ظاهرية، ومضامين باطنية لا يفقهها إلا من يستطيع فك الرموز، واشتهر مثل هذا التفسير عند اتباع المذاهب الباطنية وأهل العرفان من غلاة المتصوفة.

كانت مهمة المفسر العرفاني اتخاذ العبارة القرآنية إشارة وجسرا لمعنى جاهز لديه، فلهذا صار التأويل الباطني بحسب الجابري تضمينا وليس استنباطاً ولا إلهاماً ولا كشفاً، إنه تضمين ألفاظ القرآن الكريم أفكاراً مستقاة من الموروث الهرمسي القديم السابق على الإسلام.

لم يكن ناصر بن جاعد بعيداً عن الإحاطة بطرف من ذلك الصراع المزمن بين النصّ الحر، وبين النص المكبّل بأغلال التأويلات الباطنية، بين الإسلام في صفاء نصه المكوِّن، وبين وحشية الحركات الباطنية المشوهة للنص، فلهذا نجده يصرح مغاضبا -على غير عادته- برفضه المطلق سجون التأويل الباطني قائلاً: (والمنافقين قسمان: قسم دائن بخلاف دين الله باستحلال التأويل الباطل للتنزيل والسنة والأثر الجليل).

إن هذا الربط غير المسبوق بين “النفاق” و”التأويل الباطل” لم يكن مجرد فتوى يتناقلها الفقهاء بل كان كاشفا عن عمق معرفي للصراع الطويل بين المنظومة الإسلامية في براءتها الأولى وبين المنظومات الباطنية المزاحمة لها.  لقد كان موقف ناصر بن جاعد استثنائيا إلى درجة تفجر الدهشة في نفوس متابعيها، وأول من فجئتهم تلك الدهشة كان محقق الكتاب الذي كتب قائلا: “هذه إشارة عميقة من الشيخ ناصر لما يصطلح عليه بـ(مراتب التأويل)، فهو يرى أن التأويل له حدود يجب أن يتوقف عندها، فإذا تعداها إنسان ما، ولم يكن له سند علمي دخل في جملة المنافقين … كما لم أجد من معاني (المنافق) هذا المعنى الذي ذهب إليه الشيخ في معجمات المصطلح الصوفي .. وهذا يدعو إلى القول إن الشيخ قد وقع على معنى آخر للنفاق وصل إليه مستنداً إلى قناعاته الفكرية”.

قطعا لم يكن يخفى على ناصر بن جاعد الغزوات المتتالية لكتائب التأويل الباطني لا على نص القرآن الحكيم وحسب بل وحتى على ما يسميه ناصر بن جاعد “الأثر الجليل” الذي تندرج في إطاره منظومة ابن الفارض، وقد صدّر كتابه بالقول: (وقد شرح بعض من تلامذة تلميذ الناظم شرحا سماويّ أغمض معاني شرحه أشد غموضا من معاني النظم وأبعد على الفهم بأضعاف مضاعفة … فسهلته بألفاظ قريبة، ولم أرد أن أورد معانيه التي أوردها للخلاف الذي بيننا وبينهم، فاخترعت لها معاني ظاهرة بينة موافقة للاستقامة، لأن النظم يحتملها في التأويل، وما لا يصح في ميزان الاستقامة فليسه بتأويل لكلام يحتمل أن يؤول على طريقة العدل)اهـ.

إذن كان ناصر بن جاعد حين يرفض التأويلات الباطنية المشحونة بالإرث المانوي السابق على الإسلام يصدر عن إرادة واعية تدرك تماماً أبعاد تلك التأويلات وخلفاياتها التراثية، ووفق هذه المقدمات لن يكون غريبا إن وجدنا نصاً يهاجم فيه ناصر بن جاعد أهل التأويل الباطني، فهو قد حدد سلفاً أن هذه النوعية من التأويلات داخلة في دائرة النفاق، ولكن أن نجد نصاً يتصدى فيه للدفاع عن أصحاب هذه التأويلات ويدعو إلى التسامح معهم، فهذا هو الموقف الذي لا تنقضي عجائبه. يقول ناصر بن جاعد: “واعلم أن لها تأويل باطنٍ خفيّ علوي سماوي روحاني، وتأويل ظاهر جلي جسداني، ونحن اكتفينا بالجلي الظاهر الممكن فهمه بالغالب من العقول السلمية، وأعرضنا عن الباطن الذي ربما إذا وقف عليه الغالب من المتعلمين تقصر عقولهم، فإما أن يصوروا ما لا يجوز، وإما أن يسيئوا الظن بنا”.

إن هذا الموقف المدهش في تسامحه مع الرأي الآخر يجسد روح الإسلام في صفائها المطلق، إنه موقف لا يتمثله سوى العظماء الذين تربعوا أعالي قمم الأخلاق، فصاروا مع الوقت جبالاً قيمية تفتقدها أمتنا المتناحرة.

 

نشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بالتزامن مع محلق شرفات الثقافي الصادر عن جريدة عمان يوم الثلاثاء الموافق 3/4/2012

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.