أبريل 11, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

ناصر بن جاعد (7) … خواطر اللاشعور

“ومرادنا بالرؤية هي قوة حضور العقل مع الله ومشاهدته بصفاته” ناصر بن جاعد.

في خلاصة دراسته حول التصوف الإسلامي ذهب محمد عابد الجابري إلى أن التصوف يعاني من إشكالات ثلاث تكوّن مجتمعة متلازمة “العقل المستقيل”. الإشكال الأول يكمن في التأويل الباطني الغنوصي للنصوص، وقد تطرقنا إليه في حلقة ماضية، أما الإشكالان الثاني والثالث فيتلخصان في النظرة السحرية للعالم القائمة على ما يعرف بعلم “الكشف” أو “الإلهام”.

هذا الكشف يجعل المتصوف قادرا على التصرف في الكون من خلال معرفة خاصة بأسرار الموجودات، وهذا المفهوم “المستقيل” لعلم “الكشف وما يرتبط به من قوى سحرية لا يقول به غلاة الصوفية فحسب، بل وتروجه حتى الشخصيات التي عُدت نموذجا للعقلانية الإسلامية،فابن خلدون على جلالة قدره وهو مؤسس علم الاجتماع، يقول في مقدمته: (وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة، فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها، ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية وتصير طوع إرادتهم).

لم يقع ناصر بن جاعد فريسة لسحر المفهوم الغنوصي لـ “الكشف” الذي ساخت فيه أقدام ابن خلدون، بل اعتبر الكشف مقيدا بتجلي صفات الله في قلب المجتهدين بالعبادة، حيث يقول: (هو أن تعلم أن التجلي الإلهي هو ظهور معرفته، والمتجلَّى عليه بها هو العالم بمعرفة الله تعالى)، وقال أيضاً: (وينكشف بسرّه حقائق الموجودات فتتجلى له الحضرات الإلهية فيها، ويرى ما يدهش عقله لا محالة).

لقد حاول الفلاسفة منذ القدم تقديم تفسير علمي لظاهرة “الكشف”، وكانت البداية مع أرسطو الذي اعتبر أن الكشف الذي يزعمه الفيثاغوريون ليس سوى تطبيق لمنهج “المماثلة” بين الصور والأشكال ذات الصبغة الرمزية السرية. التفسير ذاته اعتمده الجابري في تفسيره ظاهرة “الكشف” الصوفي، وأن المتصوفة يقومون بهذه العملية من خلال فعل العادة الذهنية غير المراقبة. بمعنى آخر إنها فعالية عقلية لا شعورية.

فما هي  الفعالية العقلية اللاشعورية وما علاقتها بالكشف والإلهام؟

طوال التاريخ الفلسفي لم يتم التعامل مع العقل إلا من خلال كونه آلة مفكرة ترتكز على مدخلات الحواس، في المقابل كانت الديانات الوثنية والحركات الهرمسية الغنوصية تطرح مفهوما مواز للعقل الحسي قائم على قوى باطنية، وتصورات روحانية ماورائية تقدس المعارف الوجدانية وتبخس المعارف الحسية التجريبية.

في القرن الثامن عشر طرح الفيلسوف الألماني فريدرك شلنج مصطلح “اللاشعور” الذي لم يحضى بالاهتمام والقبول والانتشار إلا في بدايات القرن العشرين حين استشعر طبيب الأعصاب النمساوي سجمويند فرويد الشحنات الرومانسية التي يتضمنها المصطلح، فأسس عليه علم النفسي التحليلي.

قطعا لم تكن مسيرة فرويد في ترسيخ مفهوم “اللاشعور” مفروشة بالورود، بل واجه كأي مبدع الكثير من الاعتراضات والرفض، لهذا نجده يقول في كتابه “النظرية العامة للأمراض العصابية”: (سنكتفي بأن نهز كتفينا ردا على اعتراض من يعترض علينا بأن اللاشعور ليس له من وجود بالمعنى العلمي للكلمة، وأنه لا يعدو أن يكون باباً للنجاة وصورة مجازية للكلام. والحق أن هذا الاعتراض ينقض نفسه بنفسه).

ومع كثرة الجدل الذي أحدثته نظريات فرويد في التحليل النفسي خاصة تلك القائمة على الكبت الجنسي إلا أن مفهوم “اللاشعور” ظل بريقه يتلألأ جاذبا إليه كثير من المريدين، بل قد انشغل كثيرا من الباحثين في محاولة إثباته تجريبيا.

ففي عام 2004م أجرت جامعة كولومبيا الأمريكية بحثا علميا يقوم على تمرير مجموعة من الصور المرعبة أمام مجموعة من المتطوعين بسرعة هائلة لا يستطيع الوعي إدراكها عادة، ولكنها كانت قادرة على إحداث تغيرات كيميائية في الدماغ مشابهة للتأثير الذي تحدثه حين يدركها العقل الواعي حسبما أوضحته مجسات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، وعلى أثرها قال رئيس فريق البحث البروفسور جوي هرش: (نتائجنا توضح الأسس البيولوجية ليقظة اللاشعور).

لم يدخل مفهوم “اللاشعور” الثقافة العربية إلا متأخراً، ولعل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي هو أول عربي اشتغل به دراسة وتحريرا، وقد كان كتابه “خوارق اللاشعور” خارقاً من حيث جودة مادته وسهولة لغته، لولا ما شابه من بقايا ثقافة الوردي التي تعد الخوارق أحد عناصر بقائها واستمراريتها، فلهذا تضمن الكتاب خلطا “لاشعوريا” بين “اللاشعور” بالمعنى النفسي السايكولوجي الذي كتب عنه فرويد وبين القوى النفسية بالمعنى الباطني الباراسيكولوجي التي يتعاطها الكهنة والسحرة والمشعوذون، فلهذا سمى الوردي كتابه بـ”خوارق” اللاشعور.

أما ناصر بن جاعد فقد كانت له رؤية أبعد من رؤية الوردي عالم الاجتماع المعاصر، رؤية تقترب جداً إن لم تكن تتطابق –وهي كذلك- مع رؤية فرويد، فهو ينص على أن العقل يعمل من خلال آلات الحسّ “الشعور”، ومن خلال الخواطر التي تأتي من الأغوار البعيدة للعقل، وهي التي يصفها بالإلهام وبالآلات الباطنة، يقول ناصر بن جاعد: (ولكن العقل لا يعقل إلا بالآلات هي الخواطر الإلهامية وهي الآلات الباطنة ومنها الخيالات، والآلات الظاهرة وهي الحواس الخمس التي هي الشم والذوق والسمع والبصر واللمس وكل شيء من هذه آلة له، تدرك بها المحسوسات، ولا يدركها غيرها بغيرها، والسادسة الخواطر التي تخطر عليه).

ويؤكد ناصر بن جاعد على أن الإلهام الذي يقصده ليس انطباعا ما ورائيا تنسج خيوطه في العقل قوى خفية، وإنما هو نتاج لحركة العقل وفاعليته غير المدرَكة، حيث يقول: (كذلك إلهام العلماء وما يخرجونه بالعقل من الحق الصحيح هو عن الله تعالى).

بل يذهب إلى ما هو أكثر وضوحا وجلاء من ذلك بالقول أن الإلهام ليس سوى حضور المعارف البديهية التي تعتبر أصل المعرفة وأساسها، حيث يقول: (ما أبدت إليك الحضرة الإلهية بوحي البديهة: أي الإلهام مما يقربك إليها بالأصول الصحيحة التي هي تحبها منك)

إن هذه النصوص الفريدة والتي تصف الإلهام بأنه خواطر عقلية لا شعورية ناتجة من ممارسات عقلية غير مدرَكة تستدعي البديهيات المعرفية تعيد صياغة معارفنا حول مفهوم “الإلهام” الغنوصي الذي ينسبه ماسينون  إلى غلاة التصوف الإسلامي كالحلاج وابن سبعين الأندلسي، ويحيله هنري كوربان إلى السهروردي وابن عربي.

ومن الجدير بالذكر أن ناصر بن جاعد قد انتبه إلى الفرق بين الإلهام بالمعنى اللاشعوري الفرويدي ، وبين الإلهام بالمعنى الباطني الغنوصي، فهو يقول: (فانظر إلى علم الإلهام الذي لم يصل إلى النفس بالحواس، ولا بالقياس إلى ما وصل بالحواس، فإنه هو من عالم الغيب، والمراد من عالم الغيب المتجلي به الله تعالى، لا الغيب الذي لا يتجلى به، فإن الغيب له معان، وقال الله تعالى {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}، ويريد بذلك كل ما غاب عنهم وسمعوا به كالحساب والنار والكتب والملائكة وأخبار الله، وهي محققة في العقول، ومع تحققها أسماها الله تعالى بالغيب. ومع أهل هذا العلم في اصطلاحهم عالم الغيب هو العلم الذي تنظره الروح، ويصل إليها من الله تعالى من غير جهة المحسوسات بالحواس، فافهم ذلك).

إن تفريق ناصر بن جاعد بين مفهوم عالم الغيب المتحقق في العقول، والثابت من المنقول، وبين عالم الغيب الروحاني ذي الطبيعة الهرمسية التي يقول بها الغنوصيون، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن التصوف الذي يتحدث عنه ناصر بن جاعد ليس مجرد سلوك وجداني خال من أوضار الهرمسية وأوزار الغنوصية، بل هو أيضا وبالضد من جميع أنواع التصوف السائدة ممارسة عقلية واعية تعتمد العقل بوصلة حتى في أقصى حالات هيجان العاطفة، وانسراب خواطر اللاشعور.

نشر هذا المقال في مجلة الفلق بالتزامن مع ملحق شرفات الصادر عن جريدةعمان بتاريخ 10/4/2012

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.