أبريل 17, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

ناصر بن جاعد (8) … برميثيوس

 

(كنت قبل وصولي هذا المقام في حال سلوكي وبدايتي طاهراً بكثرة الورع والمجاهدات والأخلاق) ناصر بن جاعد

 

تنقسم الدراسات الفلسفية التقليدية إلى ثلاثة أفرع، المعرفة (الإبستومولوجيا) وهي تشتغل بالمنهج النظري أو التجريبي. الوجود (الانطولوجيا) وتشتغل بقضايا الإلوهية والمبدأ والمعاد. القيمة (الإكسيمولوجيا) التي تضم فلسفة الأخلاق.

يُعرّف عالم الاجتماع الإنجليزي أنتوني جيدنز الأخلاق بأنها: “منظومة الأفكار التي تحدد ما هو مهم ومحبذ ومرغوب في المجتمع، وتعطي مؤشرات إرشادية لتوجيه تفاعل البشر مع العالم الاجتماعي”. وهو تعريف يقترب من التعريف الذي أشار إليه الجرجاني حين قال: (الخُلُق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية).

وفي حين مارس قدماء العرب الأخلاق فطرة وبصورة تلقائية كما يعبر الجرجاني، غاص الإغريق في تحليل أصل الأخلاق، وبحث غاياتها، ودراسة تحولها وثباتها. ويلخص ثيوكاريس كيسيديس جهودهم بالقول أن الإغريق كانوا يربطون الأخلاق بغاياتها، وأنهم يحتفون بالأسباب المنتجة لتلك الأخلاق أكثر من عنايتهم بنتائجها.

أما فيما يتعلق بالثابت والمتحول في الأخلاق فقد اختار أرسطو عميد العقلانية الإغريقية نسبية الأخلاق وإمكانية تحولها قائلاً: (إن الأخلاق كلها عادات تتغير، وأنه ليس شيء منها بالطبع، وأن الإنسان يمكنه أن ينتقل من كل واحد منها إلى غيره بالاعتياد والدربة).

لقد كان الجدل حول فلسفة الأخلاق واقعا في صميم الحراك الفكري الذي شهده عصر التنوير وما تلاه، وقد تعددت المذاهب الأخلاقية منذ ذلك العصر وإلى اليوم بحسب الانتماءات الفكرية لكل فيلسوف، حيث ذهب إمانويل كانط إلى تفسير الأخلاق منطقيا، وجعل المبادئ العامة محدداً لصوابية أي مبدأ أخلاقي جزئي، بينما ذهب الفيلسوف البريطاني جيرمي بينثام إلى اعتماد النفعية بما يتحصل من فرح وسعادة كأساس للأخلاق.

لم يخرج كارل ماركس في رؤيته الأخلاقية عن فلسفته الاقتصادية حيث اعتبر الأخلاق جزء من أيديولوجيا الطبقة البرجوازية القائمة على استغلال الطبقات الكادحة، وقد وافق نيتشه ماركس في طبقية الأخلاق، ودعى إلى وجوب استقلال الإنسان أخلاقيا وصناعة كل فرد قيَمه بنفسه بعيدا عن وصاية المجتمع. أما سارتر فقد عرّف الأخلاق بأنها مجموعة الأحكام الضرورية لتجعل من الفرد شخصا ذا مصداقية.

لقد كان موضوع أصل الأخلاق محلّ جدل بين الفلاسفة ورجال الدين، حيث ذهب الفريق الأول إلى أن الأخلاق نتاج طبيعي للاجتماع البشري، في حين ذهب رجال الدين إلى أنها معطى إلهي توارثه البشر عن أبيهم آدم، وجاءت رسالات الأنبياء مؤكدة عليها.

ولأن الفلاسفة الأمريكان يتميزون بحس ديني عال نقل عنهم روجر جونز رفضهم الصارم إقحام الفلسفة في تحديد ماهية الأخلاق، وحصرهم دورها في تحليل كيفية استخدام الأخلاق.

ومن بين أبرز الآراء الفلسفية لأصل الأخلاق الرأي الذي اعتمده سقراط والقاضي بإرجاع الأخلاق إلى العلم والمعرفة، قائلاً: (المعرفة شيء جميل جدير بتوجيه الإنسان، وأنه لو امتلك إنسان ما معرفة الخير والشر، فلا شيء يجبره على القيام بعمل آخر غير ما تأمره به هذه المعرفة). ورأي سقراط ينبع من تقديره للعلم الذي يجعله أساسا للخير والفضيلة، وتطيره من الجهل الذي يعتبره أساساً للفساد والرذيلة.

بيد أن هذا الرأي الموجَه تربويا، اعترض عليه الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا معتبرا أن المتعة واللذة يمكن أن يكون تأثيرهما أكبر من تأثير المعرفة، فهو يقول: (الرغبة التي تتولد عن معرفة الخير والشر على اعتبار أن هذه المعرفة تتعلق بالمستقبل إنما يسهل أن تعوقها أو تخمدها الرغبة في الأشياء التي هي ممتعة حاليا).

وذهب سقراط أيضاً إلى أن الإنسان العاقل العالم لا يمكن أن يفعل الشر، وأن كل شر يقوم به إنما يفعله لا إراديا، فيقول: (بالنسبة لي، أنا واثق من أنه ليس بين الناس العاقلين من يعتقد أن إنسانا يخطئ إرادياً أو يقوم إرادياً بأعمال سيئة مخزية، إنهم على العكس يعرفون أن جميع أولئك الذين يرتكبون أعمالا سيئة ومخزية يرتكبونها لا إرادياً). وقد انتقد أرسطو هذا الرأي متهما إياه بالجبرية ومصادرة حرية الإنسان ذلك أن الإنسان بحسب أرسطو هو (الأصل وهو الخالق لأعماله)، وهذا القول مطابق تماما لرأي المعتزلة في التراث الإسلامي.

لا يخلو العرض والنقاش أعلاه من رتابة مدرسية غير قادرة على إغراء مزيد من القراء للولوج في رده الشقشات الفلسفية، ونحن قد تعودنا من ناصر بن جاعد تعاطيا استثنائيا مع القضايا الاعتيادية، فهل مارس بن جاعد استثنائيته في التعاطي مع الفلسفة الأخلاقية؟

قررنا سلفا أن سقرط اعتمد العلم والمعرفة أساسا للأخلاق، كما ذكرنا أنه يرى لا إرادية فعل الشر، في البدء سنجد أن ناصر بن جاعد يبتعد عن رأي سقراط بمقدار حين يأخذ برأي سبينوزا الغائص في الأغوار البعيدة للنفس البشرية، والذي يقرر أن المعرفة ليست هي المحدد للأخلاق والفضيلة، فيقول: (لا يوجب أن ظهور معصيته من قلة ما جعل له من العقل، لأن كثيرا ممن جعل له عقلا وعلما، عصى الله تعالى، وكثيرا من هو دونه عقلا أطاع الله تعالى). كما نجد ناصر بن جاعد مبتعدا عن قول سقراط ومقتربا من قول أرسطو والمعتزلة حول لا إرداية فعل الشر، فيقول معتبراً المعاصي جزء من مسؤولية الفرد: (لتعلم العقول أن كل نفس تعصي باختيارها وتطيع باختيارها).

لكنه ما يلبث أن يعود إلى سقراط بسرعة تضرم النار في فكر الأمة المتجمد، وتثير الزوابع والفيضانات في فكرها المتبلد، نتيجة اعتقادها بالجبر واستسلامها لسلطان القهر، وأن الأمور تسيرها المقادير، وما على الإنسان سوى التسليم والتقرير، فتلهب ذلك الفكر حماسا، وتمده بدفق الثورة ضد استبداد الجهل المقدس القائم على التقليد والجبر.

يفجر ناصر بن جاعد الأحجار المعيقة لفيضان العقل المسلم حين يقول مرتقيا بالإنسان عندما يمتلك ناصية العلم إلى درجة تجعله في مكانته الحقيقية في هذا الكون سيدا ومالكا: (فالله مالك الملك، وأنت مالك الملك، وأنت مالك الملك إن اتصفت بصفاته ملكت الملك بالعلم).

إن هذا التقدير للإنسان وتحطيم الفواصل اللاهوتية المصطنعة والتي كبلت المسلمين في عصور الانحطاط، يوازي ما جاء في الميثولوجيا الإغريقية عن برميثيوس الذي تحدى الإله اليوناني زيوس، فاختطف منه النار وجاء بها إلى البشر، لكن ناصر بن جاعد ليس يونانيا متمردا،وإنما هو حبر عماني مسالم يوري بفهمه العميق لكتاب الله نورا يضيء به طريق السالكين.

 هذا المقال نشر في مجلة الفلق الإلكترونية بالتزامن مع ملحق شرفات الصادر عن جريدة عمان بتاريخ 17/4/2012

 

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.