مايو 22, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

ثوار المقدور وأسارى القدر

أثارتني تساؤلات أحد الأصدقاء حول ظاهرة النسيان والشعور بإمحاء المعرفة فور الانتهاء من القراءة! فحاولت في عجالة مقاربة المسألة بشكل مختصر من خلال التعرض لمفهوم ما يزال غامضا في مباحث اللاهوت الإسلامي ألا وهو مفهوم “القدر” و”المقدور”، لما لهما من أهمية في توجيه سلوكنا وتقييد أو إطلاق طاقاتنا.

ندرك جميعا أن الناس تتمايز في ملكاتها العقلية وتختلف في مداركها الفطرية، فهناك من يحفظ بسرعة وينسى بذات البسرعة، وهناك من لا يحفظ أبداً! وإذا حفظ لا ينسي البتة، وبين الضفتين أنهار وجداول متفاوتة، كل وما قسمه الله له. هذا هو (القدر).

أما (المقدور) فإن قاعدته تقول أن الإنسان كائن واع وقصدي ومتكيف!

فالإنسان بما حباه الله من نعمة العقل قادر على إدراك المقدمات وفهم الأسباب والتعامل معها وتحصيل النتائج .

 

فالقدر هو المعطى الخارجي الذي يصل إلى الإنسان دون اختيار منه، كالصفات الوراثية والحوادث اللإرادية  وساعة الميلاد ولحظة الميعاد.

أما المقدور فهو الفعل الذي يختاره الإنسان بإرادته.

 

ولتوضيح موضع “القدر” و”المقدور” من خلال مثال القراءة والحفظ فإننا سنعطي المثال التالي:

لنفترض أننا ننحدر من قبيلة أو عرق معين، ونحن جميعا نعاني من صعوبة في الحفظ، فـ(القدر) أن الصفات التي تحملها مورثاتنا (الجينات) هي من جنس “ضعيف الحفظ”، وهي لعلها تكون صفة سائدة حسب قوانين مندل الوراثية.

ولنفترض أيضاً أن أبناء قبيلة أخرى أو عرق آخر من بلد أخرى أسبغتهم أيدي (القدر) صفة “سرعة الحفظ” ولنفترض أنها الصفة المتنحية حسب القوانين الوراثية.

هناك مجموعة من أبناء قبيلتنا أو عرقنا سيستسلمون لهذه القسمة الوراثية، ويحيلون ضعفهم في الحفظ مقارنة بالقبلية  أو العرق الآخر إلى (القدر)، هذه المجموعة يمكن تسميتها “أسارى القدر”.

ولاشك أيضا أن هناك مجموعة أخرى من أفراد قبيلتنا أو عرقنا تؤمن يقينا أن (المقدور) يصنعه الإنسان باختياره وإرادته الحرة، وهي لن تستسلم لجبر المورّثات، ولن تنصاع للقوانين المندلية، بل ستتعامل معها بحيث تتكيف مع إلزاماتها، وفي نفس الوقت تتملص من قيودها، وتتحرر من أغلالها. هذه المجموعة يمكن تسميها “ثوار المقدور”.

ثوار المقدور سيبتكرون طرقا وأساليب للتكيف والتغلب على النقص في الملكات الذي تسببت فيه مورّثاتهم، ومن تلك الأساليب، على سبيل المثال لا الحصر:

1- القراءة الجماعية، بحيث يتفق جماعة من الأفراد على قراءة نفس الكتاب ومناقشته بعد الانتهاء منه.
2- كتابة النقاط المفتاحية في الكتاب في صفحة مستقلة حتى يتيسر الرجوع إليها.
3- استخدام أقلام التظليل للإشارة إلى النصوص الفارقة في الكتاب المقروء.
4- كتابة ملخص عن كل كتاب مقروء.
5- اعتماد أسلوب القراءة القصدية، أي قراءة كتاب ما لغاية معينة كبحث علمي أو كتابة مقال أو غير ذلك.

 

وما ذكرناه في جانب القراءة والحفظ يمكن تعميمه على جيع نواحي الحياة، بحيث يمكننا القول أن التغيير والتجديد والبناء والتشييد يحدثه ثوار المقدور، وأن التخلف والجمود هو قرين لأسارى القدر.

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.