سبتمبر 4, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

قيم الإنتاج وعوائق البيروقراطية

اكتشف الإنسان مبكرا عدم قدرته على الحياة منفردا، وأن القانون الآلهي في الكون يقتضي التشارك والتعاون بين البشر، وعلى مر التاريخ كانت المشاركة البشرية تتطور، وتتأصل إلى أن بلغت ذروتها في عصرنا الحالي، حيث يتم التشارك من خلال المؤسسات المتعددة (وزارات، هيئات، شركات، جمعيات، … الخ) التي توظف شريحة من الناس لخدمة شرائح أخرى، وصارت هذه المؤسسات تتكامل فيما بينها بحيث تكون قادرة على تلبية كافة حاجيات أفراد المجتمع الضرورية منها والكمالية.

والإنسان هو جوهر هذا النظام وقطب الرحى فيه، ولأن الإنسان له طبائعه وميوله وثقافته وقيمه، فليس بدعا من القول أن النتاج المؤسسي لا يعدم أن تبرز فيه بعض طبائع الإنسان وميوله وأهوائه، وحتى لا تطغى طبائع الناس وميولاتهم الخاصة على أهداف المؤسسة ورسالتها، استلزم وضع مبادئ ومحددات لكل وظيفة، ومن هنا ظهر في الفلسفة ما يسمى بعلم “أخلاقيات المهنة” التي ينبغي على كل موظف أو صاحب مهنة أن يستصحبها أثناء أدائه لعمله وتفاعله مع زملائه في المؤسسة وعملائها ومراجعيها.

هناك خلط لدى البعض بين “أخلاقيات المهنة” و”الأخلاق الاجتماعية العامة”، ذلك أن الأخلاق الاجتماعية تنتصب على قيم عامة يمارسها الإنسان في حياته اليومية، بينما تقوم أخلاقيات المهنية إضافة إلى القيم العامة على مجموعة من القيم الخاصة بكل مهنة، فالتحية والابتسام والتبسط في الحديث ومساعدة الأقربين هي نماذج من القيم الاجتماعية العامة، بينما يعتبر احترام المسؤول والإلتزام بمواعيد العمل وتنظيم وأرشفة المهام نماذج لقيم المهنة، وفي جميع الأحوال لا يتصور أن يحصل تعارض بين الأخلاق العامة وبين أخلاقيات المهنة.

بيد أن تشابك المصالح وكثرة التعقيدات في حياة البشر قد يؤدي إلى تعارض بين تلك القيم، فعلى سبيل المثال، من القيم الاجتماعية العامة التي تتأسس عليها المجتمعات البشرية، تقديم الأقربين في الخدمة وفقا لقاعدة (الأقربون أولى بالمعروف)، بينما تتعارض هذه القاعدة مع قاعدة (المساواة) و (العدالة) التي تعتبر محورا اساسيا من أسس عمل أية مؤسسة، كذلك الامر في قيمة الشفافية بين الأصدقاء والأزواج وإنباء كل طرف الآخر عن أخباره وما يدور حوله من أمور، حيث تتعارض هذه القيمة الاجتماعية مع قيمة أسرار المهنة وحفظ خصوصيات العملاء والموظفين، الأمر كذلك بالنسبة للأطباء الذين قد تتطلب أعمالهم الكشف على عورات بعض الناس بينما يعتبر هذا الكشف خارج إطار المهنة عملا مخالف للقيم، والأمر ذاته بالنسبة للقاضي أو العسكري الذي قد يستلزم منه قانون المهنة أن ينزل حكما -كالإعدام مثلا- مع عدم اقتناعه بصحة هذا الحكم، ولكن كافة الدلائل القانونية تشير إلى وجوب إنزال ذلك الحكم.

لا يمكن تجاوز مثل هذه التصدامات القيمية إلا من خلال الوعي بأخلاقيات المهنة، وضوروة التصالح بينها وبين الأخلاقيات العامة، وهذا الوعي لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال اعتماد المؤسسات التعليمية برامج تدريبية خاصة بأخلاقيات كل مهنة، بالإضافة إلى ضرورة وجود برامج تدريبية وتوعوية لنشر وترسيخ قيم العمل وأخلاقيات المهنة، ويبدو أن بعضا من مظاهر التذمر الشعبي في كثير من الدول التي اجتاحتها رياح الاحتجاجات كان مرد كثير منها إلى غياب أخلاقيات المهنة لدى قطاع كبير من الموظفين الذين غيبوا تلك القيم واستبدلوها بقيمة اللامبالاة والاستهتار بخدمة العملاء، كما أدى الإفراط في التمسك بقشور أخلاقيات العمل إلى تفشي ظاهرة ما يسمى بالبيروقراطية.

يعود أصل كلمة البيرقراطية إلى بيرو (bureau)، أي مكتب أو مكان العمل، أما كلمة قراطية فهي مشتقه من كراتُس (κράτος) بمعنى السلطة، فالبيروقرطية تعني سلطة المكتب أو إمبراطورية الموظف كما يحلو للفيلسوف البريطاني برتراند رسل تسميتها. تقوم البيروقرطية على مجموعة من القيم كالتقيد الحرفي بالقوانين، والتمسك الشكلي بظواهر التشريعات، فينتج عن ذلك ما يسمى بالألفة أو “الروتين”، هذه الألفة تؤدي إلى غياب الحيوية، وانحسار الرغبة في التجديد، وتلاشي روح الإبداع. كما تعمل البيروقرطية على تضخيم “الأنا” في نفوس الموظفين وتفشي النرجسية وتقديس الذات على حساب الآخر الذي يكون عادة هو العميل أو المراجع. وفي هكذا مناخات تتبدد الأهداف الإنسانية النبيلة التي قامت عليها المؤسسة، وتبرز مكانها قيم الأنانية والفردانية والمحسوبية والتسلق على أكتاف الآخرين من أجل الحصول على مزيد من المكاسب لإشباع رغبات “الذات” المتضخمة.

يذهب البعض إلى أن البيروقرطية هي سلاح ذو حدين، فمن جهة هي تمثل نظاما إداريا ملتزما بحرفية القوانين الأمر الذي يشي بنجاح عمل المؤسسة، ومن ناحية أخرى هي تمثل منظومة سكونية مفتقدة للحيوية القادرة على مجاراة إيقاع الحياة المتسارع والمتغير، فلهذا تحتاج المؤسسات إلى الوعي بهذه الظاهرة ورسم الحدود الفاصلة بين الالتزام بالقوانين وبين تشجيع الإبداع، ونفخ روح التجديد في العمل المؤسسي، وهنا يأتي دور أجهزة الرقابة الإدارية والمالية، وأجهزة التقويم الإداري، وأجهزة التوعية والإرشاد “الإعلام” الذي يناط به التذكير بقيم “العمل” المنتجة وأخلاقيات المهنة التي ينبغي الالتزام بها في قبال نزوات الطبيعة البشرية التي تركن إلى الخمول والكسل والتكسب السهل.

لم تكن “أخلاقيات المهنة حاضرة لدى الجيل الأول من الموظفين في عمان لأسباب أهمها قلة الموارد البشرية الوطنية المؤهلة عليما وإداريا، بيد أن عمان اليوم وهي تدشن حقبة جديدة من مسيرة التنمية اعتمدت استراتيجيات إدارية يمكنها أن تحصن المؤسسات الخدمية من تفشي ظاهرة البيروقراطية، بالإضافة إلى انفتاح البلد في مجال التعليم والتدريب على كافة المناهج المثمرة التي يمكنها غرس اخلاقيات العمل وتننميتها، الأمر الذي سيساهم بلا شك في دعم الانتاج والدفع بمسيرة التنمية قدما.

نشر هذا المقال في مجلة (الخدمة المدنية) العدد السابع- فبراير 2012

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.