أكتوبر 15, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

الإعابة بين الوعي الثقافي والخرق الاجتماعي

المجتمع العماني مشغول هذه الأيام بما اصطلح عليه بقضية “الإعابة” حيث أدين مجموعة من الشباب بالتعدي على الذات السلطانية، وقد انقسمت الآراء بين متعاطف مع المتهمين متحمس لقضيتهم، وبين شامت بهم مؤمن يقينا بخطأهم. بيد أن الغالبية العظمى من أفراد المجتمع لم يعبروا عن موقفهم من الحدث، إما لكونهم غير معنيين به، أو لأنهم لا يريدون الاتجاه بعيدا عن نسق الحياة اليومي الذي لا يحفل بالاصطفافات كثرة احتفائه بالبناء والبقاء.

بيد أن الأطراف المنغمسة في حمأة النزاع كانت في سباق إلى استقطاب تلك الأغلبية الصامتة، حيث عمد كل فريق إلى إعداد المرافعات التي تبرأ ساحته وتجرم الآخر، وقد كانت ساحة الكتابة وسك المصطلحات إحدى وجوه التنافس لإعلان المظلومية واستلاب العقول واستمالة الأفئدة.

الذين ساندوا المتهمين اتخذوا عبارة “شباب الوعي” شعارا لاستقطاب مزيد من المتعاطفين سواء أكانوا مؤمنين بموقف المتهمين، أو هم من المغرمين بحشد الألقاب المغذية لأوردة النرجسيات العطشى. أما الطرف الآخر المتمثل في المؤسسة الرسمية وجمهورها فقد اتخذوا تهمة “ الإعابة” شعارا لا يستقطب منطق الناس وتفكيرهم فحسب بل ويستفز اللاشعور الأخلاقي القار في بنية المجتمع الذي يعتبر “العيب” أحط من الموبقات وأرذل من الفواحش. فمن المستقر عرفا في البنية الثقافية للمجتمعات المحافظة عامة والمجتمع العماني خاصة أن “العيب” لا يعبر سوى عن خرق جسيم للبنية الأخلاقية والقيمية بل وحتى المادية للمجتمع.

وقد كادت قضية الوعي والإعابة أن تلملم آخر أوراقها الذابلة دون كثير التفات من المجتمع لولا مبادرة بعض المثقفين بالتحرك على شكل وقفات تضامنية أمام إحدى المؤسسات الأمنية التي قامت بإيقافهم بتهمة “التجمهر”، الأمر الذي أحدث صدمة كبرى خاصة بين المثقفين والدوائر الاجتماعية القريبة منهم. هنا تدخلت جمعية الكتاب بعقلائها، فعملت على إطلاق سراح بعض الموقوفين، وقررت إقامة ندوة بعنوان “حرية التعبير بين النص والواقع” شهدت حضورا كثيفا يعكس حالة الرقي الذي يعيشه المجتمع المدني العماني، حيث يتم نقاش الأمور المختلف فيها وحلها داخل إطار المؤسسة المجتمعية، وليس عبر العنف بأشكاله المتعددة المادية والمعنوية.

إن هذه الأحداث جميعا تدفعنا إلى استحضار جدلية التدافع بين المثقف والسلطة، والمقصود بالمثقف هنا هو الفرد الواعي بالمفردات المعرفية للمجتمع والذي تشكل هموم المجتمع جزء من حيز وجوده الفكري. والمقصود بالسلطة ليس فقط المؤسسة السياسية بل وحتى المؤسسة الدينية والاجتماعية والاقتصادية.

ليس خافيا أن صاحب أي سلطة يتوجس خيفة من عين المثقف الواعية وقلبه المتدبر ولسانه الناقد وقلمه الكاشف وكتاباته الفاضحة لاهتراء مؤسسة السلطة. كما أن التأثير الاجتماعي للمثقف لا يظهر ويتضخم إلا حين تصل السلطة إلى حالة من الانغلاق والفشل والرفض الاجتماعي. إن العداء بين السلطة والمثقفين لا ينشأ إلا حين تشعر السلطة بأنها عاجزة عن تقديم مزيد من الإنجازات وإقناع أفراد المجتمع بأهليتها القيادية. إن السلطة التي تعيش احترابا مع مثقفيها هي سلطة فاشلة وعاجزة لا بالمعنى الميكافيلي وإنما بالمعنى الأخلاقي والفكري. ونستطيع القول بكثير من الثقة إن أكثر المؤسسات فشلا في مجتمعاتنا العربية هي المؤسسات الدينية التي أعلنت الكثير من الحروب المقدسة ضد الرأي الآخر الذي يمثله المثقف.

إن قضية الإعابة وامتددادتها تمثل في بعض تجلياتها احترابا بين المثقف من جهة وبين السلطة السياسية من جهة أخرى، ولكنها في جوانب أخرى تمثل التباسا في تحديد هوية المثقف ودوره الاستراتيجي، ففي حين يروج البعض إلى أن أساس قضية الإعابة يرجع إلى ترصد السلطة السياسية التي فشلت في توظيف الشباب الباحث عن عمل، وفشلت في توفير فرص تعليم عالي لأغلب مخرجات الثانوية، وفشلت في تخفيف الديون الهائلة التي ينوء بحملها العصبة أولي القوة والتي تحملها المواطن لمن يسمونهم بـ “شباب الوعي” الذين عملوا على كشف ذلك الإخفاق وتعريته، يرى آخرون أن الوعي لا يكمن في مناقشة ذوات الأشخاص والاعتداء على أعراضهم وإنما في تفكيك الأفكار ودحضها ونقد الممارسات وتقويم إعوجاجها، ويرى هؤلاء أن المثقف قد فقد كثيرا من رصيده الاجتماعي حين استثمر في قضية “الإعابة”، باعتبارها قضية خاسرة أخلاقيا في مجتمع محافظ يعتبر التعدي على الأشخاص -خاصة حين يكونون في مكانة الأب- جريمة تستحق الخلع والبراءة.

لكن يبدو أن ندوة “حرية التعبير” التي أقامتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء قد أعادت إلى المثقف مكانته الريادية غير المنقوصة في أعين المجتمع حين مايزت بين حرية التعبير وبين الابتذال اللفظي والكتابي، وأكدت على اعتصام المثقف بحقه في التعبير والاعتصام وتنظيم المسيرات التي كفلها النظام الأساسي للدولة من خلال المؤسسات التشريعية المتمثلة في مجلسي الشورى والدولة.

إن المثقفون اليوم بحاجة إلى صياغة ميثاق شرف يجنبهم الوقوع في التباس بين مفهوم حرية التعبير وبين الإساءة وخرق القيم والأخلاق المقدسة اجتماعيا، هذا الميثاق يجب أن يؤكد على أصالة الإبداع، وتحرير الفكر، كما يؤكد على اللحمة الطبيعية بين المثقف والمجتمع بما يشتمل عليه من مؤسسات وتاريخ وقيم وأخلاق.

كما أن السلطة بحاجة اليوم إلى التصالح مع المثقف، وعدم إشعاره بالاستهداف والحصار والرفض، خاصة حين يتعلق الأمر بالاختلاف في تأويل مواقف المثقف وآرائه، لذلك بات من الضرورات إنشاء “لجنة حكماء” تقوم بدور مشابه لهيئات المحلفين، تتشكل هذه اللجنة من مجموعة من الكتاب والتربويين وخبراء النفس للنظر في أي قضية مرتبطة بالكتابات والآراء. إن تشكيل مثل هذه اللجنة كفيل بإضفاء المصداقية على الأحكام القضائية المرتبطة بالكتابة والإبداع وحرية التعبير، ويعطي العقوبات الجزائية شرعية اجتماعية تعاقدية لا تقبل الطعن والتشكيك.

على المثقف والسلطة إدراك أهمية تكامل أدوارهما لبناء المجتمع وتقدمه، وضرورة الانتقال من حالة التزاحم والصدام إلى حالة التفاهم والانسجام، فلولا اختلاف الآراء وتعدد الرؤى لفسدت الأرض وتعطلت الحياة، إن الحوار والاعتراف بالآخر هو السبيل الأوحد لبناء مجتمع متراص كالبنيان يشد بعضه بعضا، بعيدا عن لغة العنف والمحاكمات.

نشر هذا المقال في جريدة الشبيبة بتاريخ 24/9/2012

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.