نوفمبر 25, 2012 - فكر و حضارة    لا تعليقات

الملكيات العربية بين المرونة والانهيار

مع اجتياح إعصار الثورات عالمنا العربي وتحطيمه لقلاع أربعة من النظم العسكرية التي كانت تراود ذاتها عن الخلود في كراسي السلطة الأبدية، تم الحديث وبقوة عن قرب نهاية التاريخ لا لبقية الأنظمة العسكرية وحسب بل وحتى الملكيات العربية التي يتم الحكم فيها بصورة عمودبة وراثية قائمة على القاعدة المقدسة ذرية بعضها من بعض.

إن المتابع لعناوين نسبة ليست بالقليلة من الدراسات التي تحاول التنبؤ بمستقبل الملكيات العربية تغنيه عناوينها الكاشفة للمضامين السلبية عن مستقبل هذه الملكيات، ولعل أشهرها كتاب (ما بعد الشيوخ .. الانهيارات القادمة لممالك الخليج) للكاتب البريطاني كرستوفر ديفيدسون الذي يتنبأ فيه بسقوط حتمي لهذه المماليك عاجلا وليس آجلا.

في الجانب الآخر أدهشت الملكيات العربية كثير من الباحثين في قدرتها على امتصاص رياح الربيع العربي، ومرونة الأنظمة الملكية في التعامل مع الاضطرابات الاجتماعية، وقد أرجع أستاذ العلوم السياسية سين يوم في المقال الذي نشره في الدورية العلمية الصادرة عن معهد أبحاث الدراسات الدولية (Foreign Policy Research Institute) في أبريل من هذا العام سر مرونة الملكيات العربية إلى الدعم الخارجي وشبكة العلاقات الدولية التي تريد تأمين مصادر النفط.

بينما يذهب الدبلوماسي الأمريكي السابق إليوت إبرامز في أحدث دراسة نشرتها  قبل أيام مجلة التعليقات (Commentary) تحت عنوان (الدكتاتوريون يذهبون والملكيات تبقى) أن الملكيات العربية قامت قبل ظهور الدول الوطنية بقرون طويلة، وأن هذه الملكيات لها جذورها الضاربة في أعماق الثقافة العربية القائمة على القبيلة، وعلى احترام الرموز الدينية.

وقد كتب الألماني لودجر كونهرت مقالا مقاربا لمقال إليوت بعنوان “مرونة الملكيات العربية” نشر في شهر يونيو من هذا العام في دورية (Political Review) أو “المراجعة السياسية” الصادرة عن جامعة ساتنفورد الأمريكية قال فيه أن التجربة التاريخية أثبتت بأن مصير الملكيات في أوقات الأزمات هو التصدع والإنهيار المحتوم، ورأى كونهرت أن العامل الأساس في مقاومة الملكيات العربية لرياح الربيع العربي تمثل في ثقافة المجتمعات الملكية العربية التي تحترم ملكياتها طالما وفرت لها الأمن الداخلي وجنبتها المواجهات الخارجية.

ويتفق كل من إليوت وكونهرت في أن الطريق الملكي الأوحد لبقاء  هذه الملكيات واستمراريتها يتمثل فيما يسميه كونهرت بالفصل بين السلطة والقوة، بحيث تكون القوة بيد الأسر الحاكمة، بينما تكون سلطة إدارة الأمور بيد الشعب من خلال نظام رئاسة وزراء وتفعيل دور المؤسسات البرلماني، وإعادة صياغة دساتير تلك الملكيات من أجل تنظيم الإجماع الوطني وإقامة ملكيات دستورية وفق أطر برلمانية.

إن الرأي الذي يتفق عليه إليوت وكنهورت فيما يتعلق بإشراك الشعوب في إدارة الحكم يصب في ذات الفكرة التي أشارت إليها رئيسة مجلس الأمن القومي الأمريكي ووزيرة الخارجية السابقة كوندليزا رايس في مذكراتها الصادرة عام 2011 حين قالت أن الولايات المتحدة قد دعت أصدقاءها من حكام العرب إلى إشراك الشعوب في السياسة وإدارة الأمور لا لتجنيب الولايات المتحدة خطر الهجمات الإرهابية وحسب بل وتجنيبا لهذه الملكيات مما أسمته “لحظة تشاوتشيسكو” ملك رومانيا الذي أوهمه جنون العظمة أن الشعب يعشقه، وبينما كان يخطب في الجماهير عن إنجازاته، صاحت في وجهه امرأة عجوز قائلة: كاذب. فردد ورائها عشرة ثم مئة ثم ألفا ثم مئات الآلاف ممن أسقطت كلمة العجوز حاجز الخوف في قلوبهم، فحاول تشاوتشيسكو الفرار والاحتماء بقوات أمنه التي وللمفارقة قامت بتسليمه إلى الجماهير الحانقة، فأعدمته.

إن دساتير الملكيات العربية ليست هي العائق وراء عدم إشراك الشعوب سياسيا وفق النموذج المقترح من قبل إليوت وكونهورت، فقد نصت دساتير جميع الملكيات العربية على إنشاء مجلس وزراء وتعيين رئيس له، لكن ظلت هناك مفارقة احتكار الأسر الحاكمة لمنصب رئيس الوزراء الأمر الذي خلق إشكالات تشريعية وتنفيذية وتعطيل عمل الحكومة والبرلمان كما هو حاصل في البحرين والكويت.

 وربما تكون المملكة السعودية وسلطنة عمان هما الاستثناء فيما يتعلق بمنصب رئيس مجلس الوزراء الذي ظل مشغولا من قبل الملك والسلطان، وهو أمر قد يكون متفهما في سلطنة عمان في بداية قيام الدولة، حيث أراد السلطان التأكد بنفسه من كل تفاصيل عملية البناء والنهوض بالدولة التي كانت بدائية وخالية من أي شكل من أشكال المؤسسات، فأحدث السلطان نقلة هائلة أدت إلى قيام دولة مؤسساتية، وظهور شريحة كبيرة متعلمة من الشعب الذين يشكلون برجوازية مثقفة تطمح إلى المشاركة والبناء، وفي إطار المرونة التي تحدث عنها الباحثون أحدث السلطان قابوس تغييرات دستورية ملحوظة في النظام الأساسي عام 2011 تعطي بعض الصلاحيات التشريعية إلى مجلس الشورى، إضافة إلى استحداث قرابة اثني عشرة مادة جديدة ابتداء من المادة 42 إلى 54 تتعلق بتعيين رئيس للوزراء، وتحديد صلاحياته، وطريقة تعيينه، واختصاصات المجلس الذي يتبعه.

إن الفصل بين منصب السلطان ومنصب رئاسة الوزراء بات أمراً ملحا خاصة بعد الخلط الشديد بين إخفاقات الحكومة وفساد بعض رموزها في السابق وبين رئاسة تلك الحكومة التي يمثلها شخص السلطان، وقد أدى هذا الخلط إلى بروز ظاهرة التعدي على ذات السلطان من قبل بعض الشباب الذين لم يميزوا بين شخص السلطان كرمز من رموز الوحدة الوطنية وبين منصبه كرئيس لحكومة يرون أنها أخفقت في أداء مهامها على  الذي يرونه أصوب.

إن وصول الإسلاميين والقوى الليبرالية الديمقراطية في كل من مصر وتونس وليبيا وربما سوريا إلى سدة الحكم سيؤدي لا محالة إلى تحفيز الطبقة المثقفة البرجوازية في الملكيات العربية للتحرك مجددا ضد الملكيات التي تعتبرها قوى اليسار العربي من مخلفات القرون الوسطى والتي تعتبرها أحزاب الإسلام السياسي أنظمة عميلة خارجة عن حوزة الإسلام الصحيح، وقد كشفت الأشهر السابقة عن وجود تنظيمات إسلامية لها ارتباطات إيديولوجية في أغلب الملكيات العربية مع تنظيم الإخوان المسلمين الذي استفاد من رياح التغيير العربية ووصل إلى سدة الحكم في تونس ومصر وقريبا سوريا، فإن لم تبادر الملكيات العربية إلى الفصل بين منظومة القوة ومنظومة السلطة وإشراك الشعوب في إدارة شؤونهم، فإن الموجة الثانية من رياح التغيير قد لا تستثني أحدا إلا من اعتصم بإرادة شعبه.

نشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 21 أكتوبر 2012

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.