يناير 2, 2014 - فكر و حضارة    لا تعليقات

السياسة العمانية المعاصرة … المبادئ والتحديات

التقويم السياسي:

تطلق عملية التقويم السياسي على قياس الأثر الذي تحدثه الاستراتيجيات والبرامج الحكومية في شتى المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي تنطلق من فهم واضح وشامل للسياسات من حيث أهدافها وطرق إنتاجها ومعرفة تفصيلية بنتائجها، وتعد عملية التقويم إحدى وسائل تحديد مدى ملائمة وفعالية وكفاءة تلك الخطط والبرامج، كما تسهم على المدى البعيد في تحسين السياسات العامة وإلى الابتكار.

تساعد عملية التقويم على الإجابة على أسئلة محورية من قبيل، هل أنتجت السياسة النتائج المرجوة أو أي نتائج غير مقصودة؟، وهل حققت أهدافها المعلنة؟، وهل هناك طرق أفضل لتحقيق هذه النتائج والأهداف؟، وهل هذه السياسة ما تزال تتماشى مع الأولويات الحكومية خاصة في ضوء الظروف المتغيرة؟ وهل ينبغي توسيع نطاق البرنامج الحالي أم وقفه؟ وهل هناك حاجة إلى إنشاء برامج جديدة؟ وكيف يمكن تخصيص الموارد بشكل أكثر كفاءة عن طريق تعديل برنامج معين أو مزيج من البرامج؟

هناك العديد من الأساليب والتقنيات لإجراء عملية التقويم للسياسات الحكومية لكنها جميعا تنطوي على شكل من أشكال التحليل، والتفسير، والحكم، والمقارنة بين الأهداف المعلنة ومؤشرات الأداء والنتائج الفعلية، والنظر، وقياس الآثار، والمقارنة مع سياسات أخرى، والتركيز على الكفاءة والفعالية، ومحاولة فهم الكيفية التي تعمل بها السياسة في الممارسة الواقعية خصوصا بالنسبة إلى الطريقة التي تعمل بها من الناحية النظرية.

أكاديميا هناك منهجان لمقاربة السياسات العامة، الأول: التحليل التوجيهي (prescriptive analysis)، وهو يهدف إلى تطوير عملية البناء السياسي من خلال إيجاد خيارات منطقية لتحقيق الخطط والبرامج. الثاني: هو التحليل الوصفي التنبؤي (descriptive predictive analysis)، وهو يحاول إدراك المغزى من السياسات التي تم تنفيذها وتقييم نتائج ومنجزات تلك السياسة[1].

في هذه الدراسة سنحاول الاستفادة من المنهجين لقراءة التجربة السياسة للدولة العمانية الحديثة ابتداء من عام 1970م إلى عام 2013م، وقد تم اختيار هذه الفترة لسببين جوهريين: الأول، أن عام 1970 يمثل نقطة الابتداء للنظام السياسي الحاكم في السلطنة. الثاني: هو شح الوثائق والمراجع المتعلقة بالأداء السياسي للنظام الحاكم السابق.

ستتطرق الدراسة إلى المبادئ التي استندت عليها الحكومة العمانية في بناء علاقاتها الدولية سواء على المستوى الإقليمي أو المستوى العالمي، وفي ذات الوقت مقاربة الممارسات السياسية الداخلية من خلال تقييم الخطط والبرامج المطروحة والإنجازات أو الإخفاقات التي حصدتها الحكومة من تلك المشاريع، كما تعمد الدراسة إلى محاولة اكتشاف الطريقة التي يتم من خلالها بناء الخط والبرامج السياسية الداخلية والخارجية في السلطنة، والتنبؤ بمستقبل تلك السياسة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

تكوين السياسة العمانية:

كتب كينيث كاتزمان في تقريره إلى الكونجرس الأمريكي ملخصا التاريخي العماني بالقول: “ظل العمانيون مستقلين منذ طردهم للاستعمار البرتغالي عام 1650م، ثم قامت دولة آل بو سعيد عام 1744 التي امتدت إلى زنجبار ومناطق أخرى من الساحل الشرقي الأفريقي حتى عام 1861، وقد انتهت الثورة الطويلة التي قادها إمام عمان وهو رأس المذهب الإباضي عام 1959 الذي يشكل أتباعه الإباضيون 75% من السكان. ولد السلطان قابوس بن سعيد في نوفمبر عام 1940 وهو الحاكم الثامن عشر في دولة آل بو سعيد، وقد تولى عرش عمان في يوليو 1970”[2].

يلخص كاتزمان أهم المحطات السياسية في تاريخ عمان حتى عام 1970 حيث تولى السلطان قابوس بن سعيد الحكم عوضا عن والده سعيد بن تيمور، ثم يشير في تقريره إلى أن السلطان قابوس يقوم بجانب دوره كسلطان للبلاد بوظيفة رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع.

بحسب “النظام الأساسي” الذي هو بمثابة “الدستور” للدولة يعتبر السلطان قابوس بن سعيد هو رأس الدولة ورئيسها والسلطة العليا والنهائية لها، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومن مهامه رئاسة مجلس الوزراء أو تعيين من يتولى رئاسته ورئاسة المجالس المتخصصة أو تعيين من يتولى رئاستها وتعيين نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء والوكلاء ومن في حكمهم وكبار القضاة وإعفائهم من مناصبهم وإعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة والحرب وعقد الصلح، وإصدار القوانين والتصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية وإصدار الموازنة العامة للدولة.

ثم يأتي مجلس الوزراء العماني المكون حاليا من وزيرتين وسبعة وعشرين وزيرا ثمانية منهم (28%) من قبيلة آل بو سعيد الحاكمة، ويقوم المجلس كما نص النظام الأساسي للدولة بمعاونة “جلالة السلطان المعظم في رسم السياسة العامة للدولة وتنفيذها، وهو الهيئة المناط بها تنفيذ السياسة العامة للدولة”[3].

إضافة إلى مجلس الوزراء هناك عدة مجالس أمنية وإدارية فاعلة في بناء السياسات العامة وهي مجلس الدفاع، ومجلس الأمن الوطني، ومجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة، ومجلس الأعلى للقضاء، ومجلس محافظي البنك المركزي العماني، والمجلس الأعلى للتخطيط.

إضافة إلى مجموعة من اللجان العليا والمجالس الفرعية، وهي كالتالي: ومجلس الخدمة المدنية، ومجلس المناقصات، وجهاز الرقابة المالية والإدارية، واللجنة الوطنية لإدارة الأزمات، واللجنة العليا للمؤتمرات، واللجنة العليا الرئيسية لخطط التنمية الخمسية، ومجلس البحث العلمي، ومجلس التعليم، ومجلس جامعة السلطان قابوس،اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، واللجنة الوطنية للشباب، واللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم.

أخيراً هناك عدد من الهيئات الحكومية وهي: الهيئة العامة للاعتماد الأكاديمي، والهيئة العامة للصناعات الحرفية، والهيئة العامة لسوق المال، والهيئة العمانية للأعمال الخيرية، وهيئة تقنية المعلومات، وهيئة تنظيم الاتصالات، والهيئة العامة للكهرباء والمياه، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، والهيئة العامة لترويج الاستثمار وتنمية الصادرات، والهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، والهيئة العامة للمخازن والاحتياطي الغذائي، والهيئة العامة لحماية المستهلك، وهيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، والهيئة العامة لسجل القوى العاملة، والهيئة العامة للطيران المدني.

هذا بالإضافة إلى وجود عدة شخصيات في مناصب استشارية كبرى، كمنصب مستشار للدولة، أو المستشار الخاص للسلطان.

إذن هناك عدة مؤسسات رسمية (مجالس أو هيئات) تتبع للسلطان مباشرة أو تتبع لمجلس الوزراء الذي هو بدوره تابع للإدارة المباشرة للسلطان، وليس واضحا كيف يتم صنع القرارات ضمن كل هذه الشبكة الواسعة والمعقدة من المؤسسات والهيئات والمجالس، لكن ما هو واضح للعيان مركزية السلطان في كل هذه الشبكة، فمنه تصدر القرارات وإليه يعود اعتمادها، فهو بالتالي محور السياسة العمانية الداخلية والخارجية وهو قطب رحاها، وهو ذات ما نصت عليه المادة 43 من النظام الأساسي للدولة (يعاون السلطــان في رســم السياسـة العامـة للدولـة وتنفيـذها مجلس للوزراء ومجالس متخصصة).

المجالس التشريعية:

بحسب النظام الأساسي الصادر عام 1996م، تم إنشاء مجلس عمان الذي يتكون من مجلس الشورى (المنتخب)،ومجلس الدولة (المعين من قبل السلطان). وقد تم إنشاء مجلس الشورى في نوفمبر عام 1991، كبديل للمجلس الاستشاري البالغ من العمر 10 سنوات. يتكون مجلس الشورى من 84 مقعدا، وقد كان السلطان قابوس هو من يعين رئيس مجلس الشورى من بين أعضاء المجلس، إلا أن الأمر تغير عام 2011 حيث تم تعيين رئيس المجلس ونائبيه عن طريق الانتخاب بين الأعضاء. أما مجلس الدولة فقد تم إنشائه بموجب المرسوم السلطاني (86/97)، ويكون الأعضاء المعينين بمجلس الدولة من الشخصيات البارزة في المجتمع، كالمسؤولين السابقين في الحكومة،  والأكاديميين وشيوخ القبائل.

بحسب المادة 58 من النظام الأساسي يقوم مجلس عمان بثلاث مهام رئيسية: مناقشة القوانين التي تحيلها إليه الحكومة وتعديلها، واقتراح قوانين وإحالتها للحكومة لدراستها، ومناقشة مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية. لكن النظام الأساسي لم يذكر شيئا عن حق المجلس في تعيين أو إقالة أي مسؤول حكومي، ولم يتطرق كذلك إلى حقه في مراجعة وتعديل الاتفاقيات السياسية الدولية، إضافة إلى حصر قدرة المجلس في استجواب المسؤولين على وزراء الخدمات فقط دون تحديد واضح لمفهوم “الخدمات” الذي خرجت منه بحسب التقليد وزارة الديوان، ووزارة الخارجية، والداخلية، والدفاع، والتراث والثقافة، والأوقاف والشؤون الإسلامية، باعتبارها وزارات سيادية.

السياسة الخارجية العمانية:

لدراسة الأسس التي تنتهض عليها السياسة الخارجية لأي دولة لابد من مطالعة وثائق وزارة الخارجية، ومحاضر اجتماعات الحكومة، ودراسة الاتفاقيات المبرمة بين تلك الدولة وغيرها من الدول، ولأن جميع هذه الوثائق والمدونات غير متوفرة بالنسبة لعمان فإننا سنعمد إلى رصد ملامح تلك السياسة من خلال تأمل الوقائع والأحداث، ومطالعة تقارير الساسة والمؤسسات الدولية، إضافة إلى الاستفادة من كتابات الباحثين المتخصصين في الشأن الدولي العماني.

ولعل أهم مرجع لدراسة السياسة الخارجية العمانية هو كتاب (سياسة خارجية فريدة تنتج لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط والدبلوماسية العالمية) لكتشيتشيان جوزيف عام 1995، ودراسة جيفري لِفبفري (سياسة عمان الخارجية في القرن العشرين) عام 2009، وتقرير كينيث كاتزمان المتخصص في شؤون الشرق الأوسط إلى الكونجرس الأمريكي والصادر في يوليو 2013.[4]

أهداف السياسة الخارجية العمانية:

من بين أهم الأهداف التي سعت إليها الدولة العمانية منذ بداية التأسيس، نيل الاعتراف الإقليمي والدولي، واستقلال القرار الوطني، وحماية أراضي السلطنة من التدخلات الأجنبية والحروب، وإقامة علاقات صداقة مع مختلف دول العالم، واستقطاب الاستثمارات الدولية إلى عمان.

استطاعت  السلطنة تحقيق أغلب هذه الأهداف في فترة زمنية قياسية، فقد نالت الاعتراف الدولي كدولة موحدة باسم “سلطنة عمان” بعد إن كانت تعرف بسلطنة مسقط وعمان، وقد انضمت إلى جامعة الدول العربية في سبتمبر عام 1971م، وإلى هيئة الأمم المتحدة في أكتوبر من نفس العام بالرغم من معارضة دولة اليمن الجنوبي وامتناع السعودية عن التصويت[5].

واستطاعت السلطنة أن تستقل بقرارها الوطني في كافة القضايا الدولية دون تأثر باتجهات القوى الإقليمية أو الدولية، كما استطاعت تجنيب السلطنة أخطار الحروب والصراعات، ونجحت في فتح سفارات وقنصليات في أغلب دول العالم، إلا أن قدرتها على استقطاب الاستثمارات الدولية في المجالات الاقتصادية المتعددة ما زالت محدودة.

خصائص السياسة الخارجية العمانية:

وبغض النظر عن كيفية صناعة السياسة الخارجية العمانية ودور المؤسسات المختلفة في صياغتها، إلا أننا نستطيع استشفاف مجموعة من الخصائص التي تميز هذه السياسة، وأهم هذه الميزات هي:

1-الحياد والبعد عن الاستقطاب:

تتجلى هذه المهارة في التعامل مع جميع الأطراف المختلفة دون خلق عداوات مع أحد، ففي ذات الذي تتحالف فيه السلطنة مع الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا، تفتح عمان أبوابها مشرعة للتقارب مع إيران، وفي الوقت الذي تدعم فيه دولة باكستان وخاصة إقليم جوادر الذي كان جزءا من الأرض العمانية، إلا أن علاقة عمان بالهند متينة وبين الدولتين استثمارات اقتصادية جيدة.

2-العلاقات المتوازنة:

عمدت السياسة العمانية إلى بناء مصالح مشتركة مع الآخرين، والابتعاد عن محاولة استغلال حاجة الآخر للدعم العماني (العلاقة مع جزر القمر نموذجا)، وفي ذات الوقت هي لا تسمح للآخر بالانتقاص من سيادتها واستقلال قرارها الوطني، حيث عارضت عمان رفع الولايات المتحدة الأمريكية علمها على ناقلات النفط الكويتية في الخليج في حرب الخليج الأولى خشية اشتعال حرب سفن في الخليج بالرغم من إصرار الولايات المتحدة وموافقة دول الخليج الأخرى.

3-التسامح مع المختلف:

كانت بعض دول الخليج ودولة اليمن الجنوبي من المعارضين لانضمام سلطنة عمان إلى مجلس الجامعة العربية، وكانت تلك الدولة تحتضن المعارضة العمانية المسلحة وتمولها، لكن عمان تعاملت مع اليمن وما تزال بكل صفاء ومودة. كما أنها استضافت رئيس دولة اليمن الجنوبي السابق كلاجئ سياسي قبل انتقاله إلى خارج عمان.

4-المصالح المشتركة وليس العداوات المزمنة:

انفتحت عمان على جميع دول العالم، وحاولت دائما إيجاد مصالح مشتركة يستفيد منها الجميع، وهذا يتضح في العلاقات العمانية مع الصين ودول ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي التي كانت تمول المعارضة العسكرية الانفصالية ضد الحكومة العمانية، حيث أقامت السلطنة مع الصين وروسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا ولاتافيا وأستونيا وليتوانيا علاقات متينة قائمة على الاستثمار المتبادل.

5-سياسة الأبواب المفتوحة:

حين وقعت مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1981م قامت الدول العربية بمقاطعتها، وحين غزا العراق الكويت قامت أغلب الدول العربية وجميع دول الخليج بمقاطعته، أما سلطنة عمان ففي كلتا الحالتين لم تقطع علاقاتها لا مع مصر ولا مع العراق، وظلت مسقط هي البيت الذي يستظل به الفرقاء لحل مشاكلهم وتقريب وجهات النظر بينهم.

6-عدم الانسياق وراء الإيديولوجيا:

تتبع السياسة العمانية مبدأ أخلاقيا يقوم على احترام الإنسان بعيداً عن عرقه أو دينه أو لغته، فعمان لم تتبن لا الفكر الشيوعي ولا فكر الإسلام السياسي ولا الفكر القومي العربي المنغلق ولا الفكر المذهبي الذي يطبع بعض دول الجوار، مما جعل عمان بلدا يحظى باحترام جميع دول العالم.

7-السلام هو جوهر العلاقات الدولية:

كانت عمان وما تزال من دعاة السلام، وقد باركت اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب، كما دعمت جهود السلام الفلسطينية الإسرائيلية، ودعمت المباحثات الغربية مع إيران حول الملف النووي، ودعمت جهود المصالحة اللبنانية، ودعمت وما تزال جهود حل الأزمة السورية سلميا.

8-عدم التدخل في شؤون الآخرين:

تحاول سلطنة عمان قدر الإمكان النأي بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما تحاول الابتعاد عن الاصطفاف حول القضايا الداخلية المختلف فيها، ويتضح هذا الأمر جليا في موقف عمان من دول الربيع العربي عامة ومصر بصفة خاصة مقارنة بموقف بقية دول الخليج، فبينما اتخذت كل من السعودية والإمارات والكويت والبحرين موقفا داعما للحكومة الانتقالية في مصر بعد 30 يونيو 2013 وقفت قطر مع الحكومة المعزولة، أما عمان فقد ظلت على الحياد واعتبرت الأمر شأنا مصريا خالصا، وقررت دعم مصر شعبا وحكومة بعيدا عن التجاذبات السياسية الداخلية.

التحديات التي تواجهها السياسة الخارجية العمانية:

يتمثل التحدي الأول في غياب المؤسسية في صنع السياسات حيث يرى جيفري لفبفري أن صنع القرار السياسي في عمان مبني على الحكمة وليس قائما على نظام مؤسسي، فوزارة الخارجية العمانية لا يوجد بها خبراء سياسيون متخصصون كما هو الحال في الخارجية الأمريكية، وهذا الأمر أدى إلى شخصنة القرار السياسي وارتباطه بتوجهات السلطان، الأمر الذي يطرح تساؤلا حول استمرارية نهج السياسة العمانية على المدى الطويل مع تغيّر الأشخاص.

التحدي الآخر هو الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يفرض على عمان التعامل مع جيران أقوياء وذوي تطلعات توسعية، هؤلاء الجيران هم أقرب إلى الاحتراب مع بعضهم من التصالح والتعاون، فالهند وباكستان تعيشان عصر سباق نووي، وإيران والسعودية والعراق وتركيا تتنافس للتوسع ومد نفوذها في الدول المجاورة، واليمن مهدد بالانقسام وتصدير أزماته السياسية والاقتصادية والسكانية إلى دول الجوار، والصراع العربي الإسرائيلي ما يزال قائما، وتنافس القوى الدولية على موارد المنطقة ما يزال مستمرا بل متزايدا مع دخول اللاعب الصيني إلى الساحة، كل ذلك يفرض على عمان تحديات وجودية فيما يتعلق بمواقفها وعلاقاتها الدولية.

التحدي الثالث يكمن في احتمال نضوب النفط الذي يمثل عصب الحياة للاقتصاد الوطني، مما سيؤدي إلى ضعف الدور العماني وضمور تأثيره على ساحة الفعل السياسي الدولي، وهنا يأتي الحديث عن ضعف القدرة على استقطاب الاستثمار الدولي إلى عمان بالرغم من الموقع الجغرافي المميز وتوفر موارد الطاقة والقوة العاملة الأجنبية، وتوفر المقومات السياحية الهائلة التي لا تتوفر في أي من دول الجوار. فهناك انتقاد مزمن من قبل رجال الأعمال العمانيين والأجانب بعدم وجود دعم حقيقي من الحكومة، وعدم توفير تسهيلات إدارية الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى الهجرة إلى دول الجوار.

التحدي الرابع وهو الأهم يرتبط بغياب دور المجتمع العماني في صنع القرار السياسي، فهناك شريحة كبيرة من المجتمع تشعر بالتذمر من عدم إشراكها في صنع القرار السياسي، وعدم استشارتها فيما ينبغي اتخاذه حيال القضايا الدولية، بل هناك شريحة أكبر تشعر بالتهميش وعدم معرفة اتجاهات السياسية العمانية الدولية، وعدم معرفة الموقف الدولي العماني من قضايا مفصلية كالموقف من الاتحاد الخليجي المرتقب والوساطة بين الغرب وإيران أو الموقف من المقاومة الفلسطينية، فالعمانيين لا يعلمون عن موقف حكومتهم سوى من وكالات الأنباء الدولية والصحف العالمية أما الإعلام العماني فهو أكثر بعدا عن شرح السياسات العمانية فضلا عن مناقشتها وأخذ رأي المجتمع فيها.

 

السياسة العمانية الداخلية

كانت الخارطة السياسية لعمان قبل عام 1970 موزعة كالتالي، النظام السياسي الحاكم، والإمارات الساحلية شبه المستقلة، المعارضة السياسية الدينية التي تمثلها حكومة الإمامة في المنفى، والمعارضة الشيوعية المسلحة التي تمثلها جبهة تحرير ظفار. بعد عام 1970 عاد أغلب رموز المعارضة الدينية والعسكرية إلى عمان وتعانوا مع الحكومة وتقلدوا مناصب حيوية في بنية النظام السياسي الجديد، ومن خلال متابعة أداء الحكومة وبياناتها ابتداء من عام 1970 نستطيع استخلاص عدة مبادئ تنتصب عليها السياسية الداخلية العمانية، وهي تتمثل في:

1- ترسيخ دعائم الوحدة الوطنية:

حيث عمد السلطان قابوس حين تولى الحكم في يوليو من عام 1970 إلى فتح أبواب الشراكة مع المجتمع، ومحاولة استيعاب المختلفين مع الدولة بكافة توجهاتهم، فأسس حكومة أقرب ما توصف به بأنها حكومة “إتلاف وطني” تمثل كافة شرائح المجتمع ومناطقه وتوجهاته بما فيهم المعارضين للنظام السياسي القائم قبل عام 1970 سواء أكانوا معارضين سياسيين أم معارضين عسكريين، فالحكومة العمانية الأولى التي تضم 18 مسؤولا بين وزير ومدير كانت تضم 10 أشخاص من المنفيين السابقين[6].

هذه الشراكة التي تحلى بها النظام السياسي العماني الحديث أدت إلى تماسك النسيج الاجتماعي وشعوره بالقوة والاعتداد بالنفس حتى ظهرت أصوات لدى الجيل الجديد تدعو لا إلى مجرد الشراكة السياسية والإدارية وحسب بل وحتى إلى استعادة أمجاد عمان تاريخيا وجغرافيا.

2- إصلاح التعليم:

قبل عام 1970 لم يوجد في عمان سوى ثلاثة مدارس، اثنتان في مسقط والثالثة في ظفار، ويقتصر التعليم فيها على المرحلة الابتدائية، ومنذ عام 1970 حتى عام 2007 تم إنشاء أكثر من 1053، إضافة إلى جامعة حكومية وعدة جامعات وكليات خاصة، وقد أوضح السلطان قابوس في خطابه أمام مجلس عمان عام 2012 السياسة التي تنتهجا الحكومة في مجال التعليم، قائلاً: (خلال الفترة المنصرمة طبقت في عمان أنظمة ومناهج تعليمية متنوعة  وبرامج تدريبية وتأهيلية متعددة إلا أن الأمر يتطلب إيلاء عناية أكبر  للربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل). وهذه الاستراتيجية بحاجة إلى نقاش طويل، لأن مفهوم السوق فيها غير واضح، فهل هو السوق المحلي الصغير حصريا أم هو السوق الإقليمي والدولي، إضافة إلى أن هناك مجالات علمية قد لا تكون ضرورية اليوم لكنها قد تكون هي الأهم في المستقبل كعلوم الطاقة النووية والطاقة البديلة والهندسة الوراثية وغيرها.

3-الإصلاح الثقافي والاجتماعي:

قبل عام 1970م لم توجد في عمان مؤسسات إعلامية وثقافية، لذلك وجد الخطاب الشيوعي سبيله إلى الفئات المتعلمة تعليما بسيطا، بينما لم يستطع لا الخطاب الديني المعارض ولا الخطاب الديني الموالي للحكومة الانتشار، أما بعد عام 1970 فقد استطاع النظام السياسي الجديد في عمان أن يقدم خطابا ثقافيا جديدا ذي اتجاهين متوازيين، الأول: خطاب ديني محافظ لكنه متطور مقارنة بالخطاب الديني السائد. الثاني: خطاب حداثي يقوم على أسس ليبرالية لا تصطدم بالضرورة مع المستقر الثابت من قيم المجتمع، وقد استطاع هذا الخطاب الحديث أن يصد موجة المد الشيوعي، إضافة إلى نشره لقيم ثقافية جديدة تمتزج فيها المحافظة بالحداثة والمعاصرة.

4-الشفافية:

آمن السلطان قابوس بالشفافية منهجا حتى قبل توليه سدة الحكم، حيث يروي دي سي كاردن (D. C Carden) القنصل العام البريطاني في البحرين في مايو 1966م أن السلطان قابوس أبلغه أنه (يأسف لأن والده قد أصبح منقطعا إلى حد كبير عن الناس في ظفار. وهو يتذكر كيف كان الناس في السنين الماضية يأتون من المرتفعات ومعهم شيوخهم لمقابلة السلطان، والسبب الرئيس ذلك كان بعد تساقط الأمطار. لقد كان السطان يصغي إلى مشاكلهم وحل بعض منها ولم يعالج بعضها الآخر ولكنه على الأقل يكون قد منحهم شيئا وبهذا يعودون بنفس راضية. ولا يحدث شيء من هذا القبيل في الوقت الحالي وهو يأسف لذلك. ولو كان من الممكن إطلاع الشعب على مصادر الحكومة ربما في استطاعتهم التجلد والصبر عندما لا تستطيع الحكومة أن تقدم لهم غير النزر اليسير. ولكن كيف لهم أن يكونوا متفهمين حينما لا يتم إطلاعهم على أي شيء. لقد وصلت الأمور إلى الحدّ الذي أصبح الناس في ظفار يحكمون فقط بواسطة البندقية وهذا ما لا يروق لي)([7]).

كما عبر السلطان قابوس نفسه عن هذا المبدأ في أكثر من موضع حيث قال في لقاءه بطلبة الجامعة عام 2000م: (مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد كبيرة هذه من أكبر الكبائر، نحن لن نسمح لأحد بأن يصادر الفكر أبداً). وقال في خطابه السنوي أمام مجلس عمان عام 2011: (قد كفلت قوانين الدولة وأنظمتها لكل عماني التعبير عن رأيه والمشاركة بأفكاره البناءة في تعزيز مسيرة التطور التي تشهدها البلاد في شتى الميادين ونحن نؤمن دائما بأهمية تعدد الآراء والأفكار وعدم مصادرة الفكر لان في ذلك دليلا على قوة المجتمع وعلى قدرته على الاستفادة من هذه الآراء والأفكار بما يخدم تطلعاته إلى مستقبل أفضل وحياة أسعد وأجمل).

بيد أن ترجمة هذه الشفافية على مستوى المؤسسات الرسمية التابعة للدولة لم تكن بذات القدر من الحماس الذي يظهر في كلام السلطان، فقانون المطبوعات والنشر الصادر عام 1984م يعتبر بحسب منظمة (freedom house) هو الأكثر تقييدا في العالم العربي([8]).

5-تحديث الاقتصاد.

كان الاقتصاد العماني يقوم على انتاج محدود من النفط لا قيمته 200 مليون دولار في عام 1970، والمصدر الآخر للاقتصاد كان عبارة عن الرسوم الجمركية، أما اليوم فتصل ميزانية الدولة إلى أكثر من 13 مليار ريال عماني (34 مليار دولار). يمثل النفط والغاز قرابة 85% من مصادر الدخل. كما اعتمدت الحكومة منذ البدء سياسة التعمين لجميع الوظائف للتقليل من الاعتماد على العمالة الوافدة، وبالتالي التقليل من خروج السيولة المالية إلى خارج البلاد.

6-تمكين المرأة.

قامت السياسة الداخلية في عمان على تمكين المرأة من جميع المناصب، بما فيها منصب الوزير، والوكيل، والسفير كما هو الحال في سفارة السلطنة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وتمثيل السلطنة في الهيئات الدولية حيث أن ممثلة السلطنة لدى الأمم المتحدة امرأة، كما دعمت حضور المرأة في المجالس التشريعية حيث تم تعيين 15 إمراة في مجلس الدولة في دورته من 2007-2011، وخمس نساء في مكتب الإدعاء العام وتمثل المرأة 30% من القوة العاملة الوطنية.

التحديات الداخلية:

من أهم التحديات التي تواجه النظام السياسي العماني داخليا هو في إقامة نظام تنمية اجتماعية شاملة ومستدامة تقوم على تنمية الطفولة المبكرة، توفير التعليم وتعزيزه، وتوفير البنية الأساسية في جميع أرجاء عمان الشاسعة وذات التضاريس الاستثنائية، إضافة إلى توفير تدريب مهني والأهم توفير وظائف للباحثين عن عمل الذين تصل نسبتهم إلى 15% من عدد السكان العمانين أي ما يقارب 390 ألف.[9]

التحدي الثاني يتمثل في النضوب التدريجي المتوقع للنفط، فمع أن الانتاج العماني من النفط لا يتجاوز المليون برميل بحسب أفضل التقديرات، إلا أن الاحتياطي العام للنفط يعتبر محدودا جدا، بل تشير بعض التقارير إلى أنه لا يتجاوز 5.5 مليار برميل والتي ربما ستنضب في غضون الخمسة عشر عاما القادمة[10]. بينما تشير التقارير الحكومية إلى أن احتياطي النفطي العماني يصل إلى 50مليار برميل من النفط، ومع أن الحكومة العمانية عملت على تنويع مصادر الدخل وما تزال، من خلال الاستثمار في مجال السياحة، والملاحة العالمية والنقل البحري والجوي وإعادة التصدير، إلا أن نجاح هذه السياسة ما يزال محدودا، وقد واجهت إخفاقات حقيقية كما هو الحال مع مشروع المدينة الزرقاء وغيرها من المشاريع السياحية المتوقفة أو التي تسير ببطء شديد.

التحدي الثالث: يتمثل في مواجهة الفساد الإداري والمالي الذي تحدث عنه السلطان قابوس في خطابه أمام مجلس عمان عام 2008م دون أن يكون لذلك الخطاب صدى على أرض الواقع يتمثل في إدانة المسؤولين الكبار المتهمين بالفساد الإداري والمالي وسوء التخطيط والتنفيذ.

التحدي الثالث يتمثل في ضمور الخطاب الثقافي الرسمي في مقابل تضخم حضور الخطاب الديني وخاصة خطاب الاتجاهات النصوصية السلفية منها والتقليدية المتشددة، إضافة إلى بروز اتجاهات إلحادية ناقمة على المجتمع وقيمه وتراثه، وكل ذلك يتطلب تطوير الخطاب الثقافي الرسمي بحيث يتبنى التنوير والدعوة إلى الانفتاح والتعددية والتسامح.

التحدي الرابع يتمثل في توسيع دائرة الحريات العامة، والتخلص من قانون المطبوعات والنشر الذي عانى منه الكتاب والمثقفون، ونددت به المنظمات الحقوقية والدولية، وتنزيل كلمات السلطان الداعية إلى الشفافية واحترام حرية الرأي الآخر وعدم مصادرة الفكر على أرض الواقع.

التحدي الخامس يتمثل في الانفتاح على المجتمع وتوسيع دائرة الشراكة السياسية وتمكين الشعب من المشاركة في صنع القرار وتنفيذه ومحاسبة المقصرين، وذلك من خلال إعادة بناء الهيكل التنظيمي للدولة، وإلغاء الكثير من المجالس والهيئات التي لا تفرخ سوى البيروقراطية والتسويف وتعطيل الأعمال، وإسناد مهام تلك المجالس إلى الحكومة التي يكون لها رئيس وزراء معين أو منتخب لفترة محدودة يستطيع الشعب والسلطان مسائلته إن هو قصر وإقالته إن هو تجاوز وأضرّ.



[1] Christine H. Rossel. Using multiple criteria to evaluate public polices. American Politics Quarterly, Vol. 21 No. 2, April 1993; 155-184.

[2] Kenneth Katzman. Oman: Reform, Security and U.S Policy. Congressional Research Service. July 12, 2013. www.fas..org/sgp/crs/mideast/RS21534.pdf

[4] Kenneth Katzman. Oman: Reform, Security and U.S Policy. Congressional Research Service. July 12, 2013. www.fas..org/sgp/crs/mideast/RS21534.pdf

[5] محمد الحارثي، موسوعة عمان… الوثائق السرية المجلد السادس ص821.

[6] محمد الحارثي، موسوعة عمان… الوثائق السرية المجلد السادس ص694-695.

[7]  محمد الحارثي، موسوعة عمان الوثائق السرية، مج6ص131، الوثيقة  رقم (1392).

[8]  Freedom house, freedom of the press; Oman. http://www.freedomhouse.org/report/freedom-press/2011/oman

[9] Kenneth Katzman. Oman: Reform, Security and U.S Policy. Congressional Research Service. July 12, 2013. www.fas..org/sgp/crs/mideast/RS21534.pdf

[10] Kenneth Katzman. Oman: Reform, Security and U.S Policy. Congressional Research Service. July 12, 2013. www.fas..org/sgp/crs/mideast/RS21534.pdf

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.