يناير 2, 2014 - فكر و حضارة    لا تعليقات

أميّة العرب ومسألة الأقليات

اختلف الناس قديماً وحديثاً حول أصل الإنسان ونشأته وتطوره، الطرح التقليدي الذي يفصله “سفر التكوين” في التوراة يقدم نظرية بدء الخلق البشري من خلال شخصية “آدم” أبو البشر، باعتباره شخصاً واحداً نشأ مباشرة من الطين، ولم يتطور في نموه عن كائن آخر. بينما تقدم الأطروحات العلمية البيولوجية القائمة على أسس تشريحية وجينية نظريةً مغايرة مفادها أن الإنسان مرّ خلال نشأته في أطوار متعددة حتى وصل إلى هيئته النهائية التي هو عليها اليوم، وأن هذا التطور في النشأة لم ينفرد به إنسان واحد وإنما حصل لمجموعة كبيرة من مكونات الجنس البشري في ظروف كونية مواتية أدت إلى تطور هذه المجموعة الإنسانية إلى طورها النهائي المعروف اليوم.

أصحاب النظرية التقليدية لم يقبلوا نظرية “التطور” لأنها حين طُرحت في أول الأمر من قبل عالم الأحياء تشارلز دارون أفترضت أن الإنسان ربما يكون قد تطور عن (قرد)، ولكن مع تطور طرائق البحث العلمي ظهرت نظريات علمية حديثة تجاوزت هذه الحجة الكلاسيكية، فأخذت نظريات التطور تقول أن الإنسان إنما تطور في نشأته من سلالة أخرى وهي (RD) التي انقرضت مع تطور البشر إلى صورتهم النهائية.

الطرح الإسلامي حول هذه القضية كان قريبا جداً –إلى درجة الالتصاق- من النظرية التقليدية، ولكن مع ظهور النظريات والدلائل العلمية المتقدمة بدأت تظهر بين المسلمين أصوات قوية تدعو إلى إعادة قراءة النص القرآني بعيدا عن الضغط الروائي الإسرائيلي، ويزعم أصحاب هذه الآراء أن القرآن الكريم يدعم نظرية النشوء والارتقاء، كما أنه يقول أن (آدم) المذكور في القرآن الكريم لا يعبر عن شخص واحد وإنما يُعبر عن الجنس البشري بشكل عام.

ما سُيطرح فيما يلي لا علاقة له بهذا الجدل الأركيولوجي، ولا يروم الانتصار لنظرية على حساب أخرى، ما سيطرح في الفقرات التالية يمثل تجاوزا لهذا الجدل، لا من حيث المرحلة التاريخية لظهور وتطور الإنسان وحسب بل ومن حيث الانطلاق من مسلمات يجتمع عليها أصحاب النظرية التقليدية والعلمية الحديثة معاً.

لن نتحدث هنا عن الإنسان (الأول) وكيف ظهر، وإنما ما الذي حدث لذلك لإنسان من بعد؟ أي ماذا عن الإنسان في مرحلته الثانية والثالثة والرابعة … الخ؟ النظرية الدينية التقليدية والنظرية العلمية مجتمعتان على حقيقة أن الإنسان الأول تكاثر في نسله إلى أن أصبح مكوناً من أعراق متمايزة، منه الأبيض والأسود والأحمر والأصفر، ولكن أي عرق هو الأول وأيهما الأخير.

بعض أنصار النظرية العلمية الحديثة يزعمون أن الإنسان الأول كان من العرقية السوداء انطلاقا من فكرة أن المظهر الخارجي للإنسان الأول يجب أن يكون قريبا من الشكل الخارجي للقرديات الكبرى، باعتبار (القرود) هي الأقرب إلى الإنسان سلاليا من بقية الكائنات الحية. في الجانب الآخر تطرح النظرية الدينية –سفر التكوين مجددا- نظرية مفادها أن الإنسان الأول أنجب مجموعة من الأولاد بينهم سام وحام ويافث، وأن الأعراق المختلفة ليست سوى ذرية هؤلاء الأبناء.

شخصياً أشعر بالتوجس من اعتماد كلتا النظريتين، لأسباب موضوعية أهمها أن نظرية تطور الإنسان عن القرود تم التشكيك وبقوة في تماسكها، أما النظرية الدينية التقليدية فلأنها تعتمد على مصدر نصي غير موثوق، فكل الدلائل التاريخية تشير إلى تعرض نص التوراة إلى التحريف والتبديل والانتحال.

عروبة آدم:

كثيراً ما آرقتني دلالة الوصف القرآن لأمة العرب بأنهم (الأُميّين) وأن نبيهم (الأُميّ) والتي بنى عليها أغلب المفسرين نظرية (جهل النبي) بالقراءة والكتابة، فإن ثبت كونه لا يقرأ ولا يكتب فما بال أمة العرب التي عُرفت بالتجارة وكتابة الأشعار والمعلقات والعهود والمواثيق حتى توصف بأنها تجهل (القراءة والكتابة)؟ إلا أن ذلك الأرق قد زال حين بدأت بعض الحقائق المتعلقة بدلالة (الأميّة) تتكشف من خلال الدراسات القرآنية والدراسات الأنثروبولجية.

وردت مفردة “الأُم” في أكثر من موضع في القرآن الكريم، والمقصود بالأم في جميع تلك الموارد هي المرأة والدة الأبناء. بيد أن هذه المفردة “الأُم” وردت في مواضع أخرى ولا يراد منها معنى الوالدة حقيقة كما في الآية (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)، والآية (وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)، وإنما يراد منها معنى مجازيا مقاربا وهو “الأصل” أو الأساس أو مبتدأ النشأة، والذي هو مشتق أيضا من توالد الكتب والقرى بعضها من بعض. بالتالي يمكننا الزعم أن الأُمية في القاموس القرآني لا تعني جهل القراءة ولا تدل على عدم الكتابة كما يذهب أكثر المفسرين بل هي تشير إلى مفهوم “الأصل” بالمعنى البيولوجي أي الوالدة، أو بالمعنى المجازي أي مبتدأ النشأة.

إذا استحضرنا النتيجة السابقة سنجد أن مصطلح (الأُميّين) الوارد في القرآن ينبغي قراءته باعتباره دالا على المجموعة من البشر الذين يمثلون “أصل البشرية”، أي كما أن مكة أصل لجميع القرى حولها، كذلك العرب هم أصل لبقية البشر. كذلك الأمر مع مصطلح (النبي الأُميّ) ينبغي أن يقرأ لا باعتباره دالا على النبي جاهل القراءة والكتابة بل مؤشرا على النبي الذي يعود بالبشرية إلى أصولها الثقافية وجذورها الأنثروبولوجية.

ومما يعزز هذه القراءة إيراد القرآن الكريم -سورة الأعراف نموذجا- قصص الأنبياء جميعا بدء من نوح وانتهاء بالمسيح باعتبارهم من سكان المناطق المجاورة لمكة، الأمر الذي تؤكده دعوة القرآن أهل مكة الاعتبار بمن مضى من جيرانهم من الأمم التي حلت عليها النقم بسبب الجحود والطغيان، فالإنسان الأول ظهر في هذه المنطقة بالذات، منطقة مكة وما حولها.

وتشير معظم الدراسات البيولوجية على أن الإنسان الأول (آدم) ظهر في منطقة القرن الأفريقي القريبة جداً من جزيرة العرب، ومن ثم بدأ في الهجرة من القرن الأفريقي مرورا بجزيرة العرب وحتى وصول إلى العراق، ومن تلك البلاد انقسم البشر في اتجاهات شتى. وقد اعتمد علماء البيولوجيا الذين زعموا أن (آدم) ظهر في القرن الأفريقي على أن أقدم هيكل عظمي للكائن الذي تطور منه الإنسان تم اكتشافه في القرن الأفريقي، وهذا الدليل بالرغم من قوته إلا أنه ليس دليلا قاطعا لأن آدم ربما يكون قد ظهر في جزيرة العرب أو في غيرها،  ولكن المتغيرات المناخية التي مرت بها هذه البقعة من كوكب الأرض اندثرت معها بقايا الإنسان الأول.

ونحن إذ نزعم أن أصل آدم عربي لا ننطلق سوى من المنطلقات العلمية ذاتها، فمنطقة القرن الأفريقي التي يتحدث عنها هؤلاء الباحثون لم تكن منفصلة عن منطقة الجزيرة العربية وبدأت في التباعد مع الزمن مخلفة ما بات يعرف اليوم بـ(مضيق باب المندب)، كما أن العرب يتميزون عن غيرهم من البشر بأن صفاتهم الخارجية تشترك مع جميع الأمم، فهناك العربي الأسود كما هو الحال في السودان والصومال والحبشة والذي تفرع منه (العرق الأسود)، وهناك العربي الأبيض كما هو الحال مع عرب الشام وهناك العربي قريب الشكل من الشعوب الصينية، أما الأمم الفارسية والتركية والهندية والسندية والكردية والأمازيغية فهي تمثل مرحلة انتقالية بين العرب (الأصل) وبين الأصناف الأكثر تمايزا في أعراقها كالشعوب الأوربية (العرق الأبيض) والشعوب الصينية (العرق الأصفر).

كما تتميز اللغة العربية ب كونها مشتركة مع أصول اللغات العالمية، وأن اللغات التي كانت سائدة قبل ظهور اللغات الأوربية الحديثة كانت تنتمي إلى اللغة العبرية والعربية وكلاهما ينتميان إلى أصل واحد مشترك وهو اللغة الإِِرَمْية التي يسميها البعض الأرامية نتيجة الترجمة من اللغات الأوربية، واللغة الإِِرَمْية –كما أوضح كمال الصليبي في كتابه (البحث عن يسوع)- تنتمي إلى مدينة إِرَمْ المذكورة في القرآن باعتبارها واحدة من أقدم المدن التي عرفها البشر، وهذه المدينة تقع في جنوب جزيرة العرب بالتحديد في صحراء عمان قريبا من اليمن.

بيد أن السؤال الملح في هذه المرحلة هو عن جدوى إثارة مثل هذه القضية في هذا الوقت الذي تمر فيه الأمة بانتكاسات وإخفاقات وانقسامات؟ هل سيفيد مثل هذا الطرح العرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام في شيء؟

عروبة الآدميين

يعيش العالم العربي والإسلامي هذه الأيام صراعات داخلية بجانب صراعاته الخارجية مع الآخر غير العربي وغير المسلم، ومن بين أهم أسباب الصراعات الداخلية قضية العرقيات غير العربية في بعض البلدان العربية مثل الأكراد والأمازيغ وغيرهم من العرقيات المنتشرة في كثير من البلدان العربية، ونتيجة لغياب العدالة الاجتماعية في أغلب تلك الدول فإن هذه الأقليات لا شك ستعمل –وهي بالفعل تعمل- على التحزب ضد العرق العربي الذي تعتبره مستبدا. كما أن الأقليات العربية التي تعيش في بعض الدول الإسلامية تعاني هي أيضاً من التمييز وغياب العدالة الاجتماعية كما هو الحال مع العرب في إيران وتركيا وغيرها.

إن الأساس الإيديولوجي لمشكلة الأقليات العرقية في العالم ينتصب على فكرة أن الإنتماء القومي يمثل الوسيلة الأنجع للحفاظ على الهوية، والطريقة الأهدى للتصدي ضد اختراقات الآخر الذي تنظر إليه الايدولوجيا القومية لا باعتباره أخاً في الدين والإنسانية بل باعتباره مختلفا ومصدراً للخطر لما يتطلبه من تغيير في  قواعد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

سبق لنا الحديث عن كون آدم عربيا وأن العرب يمثلون الأُم (الأصل) بالنسبة للبشرية، لكن ما لم نشر إليه هو أن هذه الأم ظلت على مدى آلاف السنين تنضح بالسلالات التي تبتعد عن البدائية الثقافية التي وُجد فيها آدم وسار عليها أغلب العرب إلى عهد ظهور الإسلام، تلك السلالات التي تطورت وترقت عن بدائية و(أُمّيّة) العرب –ما قبل الإسلام- كونت حضارات بعضها قريب مثل حضارة الفينيق في عمان والآشور في العراق والأقباط في مصر والآخر بعيد مثل الصين واليونان وغيرها من الحضارات البعيدة عن بلاد العرب الذين عاشوا في حالة أقرب إلى البدائية حتى جاء الإسلام.

لاشك أن البعض ربما ينظر إلى هذه القراءة باعتبارها تبخس العرب قبل الإسلام، ولكن هذه الشبهة سرعان ما تزول حين ندرك أن تلك (الأمية) أو البدائية التي كان العرب عليها استطاعت المحافظة على كثير من المعاني الإنسانية مثل الفطنة والتلقائية، والكرم، والإيثار، والشجاعة، والتضحية. يقول ابن المقفع في ذكر فضل العرب على الفرس والروم وبقية الأمم: (إن العرب حكمت على غير مثال مثّل لها، ولا آثار أُثرت، أصحاب إبل وغنم، وسكن شعر وأدم، يجود أحدهم بقوته ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويُحسّن ما يشاء فَيَحسُن ويقبّح ما يشاء فيقبُح، أدّبتهم أنفسهم ورفعتهم هممهم وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم)اهـ .

ومما يثير الدهشة في الخطاب القرآني أنه لم يخاطب العرب باعتبارهم (أُمّة) بل خاطبهم باعتبارهم (أُمّيّين) أي أنهم أصل (الأُمّة) التي كانت والتي ستكون، كما أنه لم يُشر إلى العرق العربي صراحة، لكنه أشار إلى لغة العرب باعتبارها لغة المعرفة كما في قوله {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يوسف: 2.

ما الذي نستنتجه من كل ذلك، إن النتيجة الجوهرية المتحصلة مما سبق هي أن العروبة في حقيقتها ليست مبدأ قوميا كما يفترض من يصنفون أنفسهم باعتبارهم “القوميون العرب”، بل العروبة في جوهرها تمثل انتماء معرفيا وفكريا وثقافيا، وهو ما أكد عليه الأثر المنسوب إلى النبي محمد حين قال: (يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي). وهو المعنى الذي استنتجه ابن تيمية بعد دراسة وافية للقضية وقوله (وما ذكرناه من حكم اللسان العربي وأخلاق العرب، يثبت لمن كان كذلك وإن كان أصله فارسيا، وينتفي عمن لم يكن كذلك وإن كان أصله هاشميا)اهـ.

لا شك أن عرب الجزيرة يمثلون الأصالة (العربية) بمعناها الثقافي و(البشرية) بمعناها البيولوجي،  بيد أننا نستطيع تقرير أن كل من هو غير عربي ولكنه ينطق بلغة العرب فهو في حقيقة الأمر (عربي) لا يختلف عن عرب اليمن ولا عن عرب الشام. فعرب الشام واليمن يمثلون الأم (الأصل) الحافظ للهوية والثقافة وعرب الدين واللغة يمثلون (الفرع) الممتد بالحضارة والإبداع.

الأقليات في العالم العربي

لنظرية الأميّة العربية فوائد كثيرة، فكل مسلم من غير العرب عليه أن لا يشعر بالدونية ولا بالعداء ضد العربي، فكل إنسان على وجه هذه البسيطة قد كان عربيا في يوم ما، حتى الإنسان الأسود في أدغال أفريقيا عليه أن لا يشعر بأية دونية اتجاه العربي بل العكس ربما يكون صحيحا، كما أن معاداة  الأعراق المختلفة للعرب ليست سوى معاداة لأصولهم الثقافية وجذورهم البيولوجية.

أما الإنسان العربي فعليه أن يستحضر أهمية الدور الملقى على عاتقه، فهو يمثل أصل البشرية، وهي تنتظر منه أن يعمل على وحدتها وسعادتها. لا يمكن لعربي الدم أن ينال احترام وتقدير عربي الثقافة إلا بالتزامه بمبادئ الرحمة والإحسان والعدالة والمساواة التي جاءت بها الشرائع والتي أكد عليها الإسلام. إن الالتزام بقيم الإسلام العظمى هو شرط ضروري لحلّ إشكالية العداء المستحكم بين العرب وبين الأقليات العرقية في بلدانهم، وكذلك الأمر بالنسبة للأقليات العربية التي تعيش في دول إسلامية غير عربية.

لا يبتغي هذا الطرح الانتصار على قومية قبال أخرى، ولا يريد لا الاستهانة ولا التعظيم من شأن العرب، إنما يحاول هذا الطرح التأكيد على حقيقة أن البشر جميعاً متساوون في الأصول، وهم وإن تعددت فروعهم فأصلهم العربي ما زال باقياً ليجمعهم تحت مظلة القيم الإسلامية العظمى، وأن أية محاولة عربية للنهوض الحضاري لا تنطلق من تلك المبادئ لن يكتب لها النجاح كما هو واضح من استقراء التاريخ.

فهل سيعود آدم غير العربي إلى أمه العربية، وهل يمكننا القول أن اسم (آدم) مشتق من (عاد … أُم) التي تعبّر عن العودة إلى (الأم)؟ وأن الآدمية ليست سوى عودة إلى الأم، إنها العودة إلى الأصل، إنها العودة إلى العروبة الأخلاقية التي زكاها الإسلام.

+++

نشر هذا المقال في صحيفة العرب القطرية في جزئين على الرابطين التاليين:

http://www.alarab.qa/details.php?issueId=2215&artid=275725

http://www.alarab.qa/details.php?issueId=2215&artid=276336

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.