يناير 24, 2014 - فكر و حضارة    لا تعليقات

خارطة طريق إلى مصر ديمقراطية

بعد إعلان نتائج الاستفتاء على الدستور المصري الجديد والتي قاطعها أكثر من 60% ممن يحق لهم المشاركة في الاقتراع، وبعد ظهور الصور التي نشرها إعلام الدولة والتي تظهر أن السواد الأعظم من الأقلية التي شاركت في الاستفتاء ليسوا سوى العجزة والمسنين من الرجال والنساء، فقد تبين أن مصر تعيش حالة انقسام مجتمعي عميق وتيه سياسي سحيق.

إن العملية السياسية التي يرعاها العسكر ورجال الأعمال المتنفذون في عهد مبارك لن تؤدي بالمجتمع المصري إلا إلى مزيد من التمزق السياسي والاجتماعي إلى معسكرات متعددة تعتبر الآخر لا مجرد معارض له في الفكر والتوجه بل تراه فردا دخيلا على المجتمع وعدوا لقيمه ومختطفا لثورته ومهدرا لثروته، وقد جربت حركة فتح الانقلاب على حكومة حماس وإقامة حكومة بديلة فماذا كانت النتيجة سوى انقسام الشعب الفلسطيني إلى شعبين يعيشان في دولتين منفصلتين الأولى تحكمها فتح والثانية تحكمها حماس، والأمر ذاته حصل في العراق حين أزاح رئيس الوزراء نوري المالكي نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي فانقسم الشعب العراقي إلى مؤيد للمالكي وإلى مؤيد للهاشمي، ولن يكون الوضع في مصر أفضل من مثيله في العراق وفلسطين.

بيد أن الوضع في مصر أكثر تعقيدا من مجرد الاصطفاف مع الداعمين للانقلابيين على الرئيس محمد مرسي أو الداعمين للرئيس الإخواني، فالساحة المصرية تعج بالكثير من التيارات والأطياف السياسية والمدنية الفاعلة وبقوة في توجيه الرأي المصري. إلا أن أهم التيارات هي تلك القائمة على دعم المؤسسات والجمعيات والأحزاب أو تلك المدعومة من الخارج، وأهم هذه التيارات هو تيار الإخوان المسلمين الملتزمون بشرعية الرئيس المعزول محمد مرسي، وتيار العسكر الملتزمون بإسقاط تلك الشرعية، وأصحاب رأس المال الموالون لنظام مبارك، وحكومة ما بعد الانقلاب على مرسي المنقسمون بين داعم للقوات المسلحة وبين داعم للرأسماليين أنصار مبارك، إضافة إلى تيار ثورة يونيو المعارض لعسكرة الثورة وأهم رموز هذا التيار الدكتور محمد البرادعي وأعضاء حركة 6 أبريل.

يتصدر الصدام الجاري بين أنصار محمد مرسي وبين العكسر المشهد المصري اليوم، لكن هذا المشهد لا يمثل سوى القشرة الخارجية لصدامات أكبر تحدث في العمق بين تلك التيارات التي فقد كل فريق منها الثقة بالآخر.

يتوهم الرأسماليون أنهم قادرون على استعادة صورة النظام السابق من خلال زيادة الشقة بين الإخوان المسلمين وبين العسكر على اعتبار أن بقية التيارات لا قيمة شعبية لها في الواقع، بيد أن هذا الوهم سيصطدم عاجلا أم آجلا أمام حقيقة أن الأزمة اليوم لا تتمثل في رفض الإخوان لنتائج ثورة 30 يونيو بل في رفض أغلب الشعب المصري عودة النظام السابق ورموزه إلى الحكم، ورفضهم لحالة الفشل السياسي والاقتصادي التي تعصف بالبلاد وبعنف منذ الأحداث الدموية الرهيبة لمجازر رابعة العدوية.

كما يتوهم قادة العسكر بأن أسلحتهم قادرة على سحق كل منازع لهم في سلطتهم وقراراتهم، بينما التاريخ كله يشهد بأن إرادة الشعوب أقوى من الرصاص، وأن أي جيش مهما كان تسليحه ومهما كانت عقيدته القتالية غير محصن من الاختراق والتمزق والشقاق.

ويتوهم أعضاء الحكومة الانتقالية أن الحل للأزمة الراهنة يتمثل في تسول أموال المساعدات الخليجية التي لم تستطع ولن تستطيع أن تملأ الثقب الأسود من عدم اليقين الذي يبتلع كل شيء بسبب الانهيار الاقتصادي والإفلاس السياسي.

أما الشباب المصري الذي قاطع استفتاء الدستور فهو الآخر يعيش لحظة تيه عاطفي كبير، فهو كان يحلم وما يزال بمصر ديمقراطية وقوية لكنه اصطدم أن الواقع الاجتماعي فقير جدا من حيث أحلام العدالة وأوهام الحرية، فالمجتمع المصري في غالبيته العظمى مقسم بين داعم لحركات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان وبين داعم لبقاء القوات المسلحة ورموزها على سدة الحكم باعتبارهم صمام أمان وحدة البلاد وأمنها. لقد مثلت 30 يونيو 2013 انتكاسة كبرى في حلم الشباب المصري فهم كانوا يظنون أنه باستطاعتهم إزاحة الرئيس الإخواني كما أزاحوا الرئيس العسكري من قبل لكنهم اكتشفوا بعد برهة أنهم لم يفعلوا شيئا سوى إعانة رئيس عسكري جديد ضد رئيس الإخوان، وأن مستقبل مصر السياسي معلق بين أصابع العكسر والإخوان.

مصر اليوم في حاجة ماسة إلى حلول كبرى، حلول جذرية، حلول مصرية أصيلة من قبيل تنازل الملك فاروق عن العرش، وخروج مبارك السلمي من القصر إلى السجن، وليس أحدا جدير بمثل هذه الحلول سوى أهل مصر أنفسهم لأنهم أبناء تلك الثقافة وصناعها. ومن بين تلك الحلول هو دراسة مطالب ما قبل ثورة 30 يونيو ووضع خارطة طريق بناء عليها، وأهم تلك المطالب تتمثل في إزاحة الرئيس محمد مرسي، وإقامة انتخابات رئاسية جديدة، ووقف أسلمة الإعلام والثقافة المصرية، والحفاظ على القيم الليبرالية والتعددية والديمقراطية، واستقلال القرار الوطني بعيدا عن تدخل الدول أو التنظيمات العالمية.

وجميع هذه المطالب ليست مستحيلة التنفيذ مع صعوبة قبولها من قبل بعض التيارات خاصة تيار الإخوان المسلمين الذي سيرى فيها تجريدا له من شرعيته التي نالها بعد الانتخابات الرئاسية الأولى، كذلك الأمر بالنسبة للرأسماليين الذين يرون في التعددية والديمقراطية خطرا يتهدد مشاريعهم القائمة على الاحتكار والفساد الإداري والمالي، والأمر ذاته بالنسبة لبعض رموز المؤسسة العسكرية الذين يخشون من إضعاف حضور القوات المسلحة في دائرة الفعل السياسي إذا ما قامت حكومة ديمقراطية على شاكلة ما حصل للجيش التركي بعد وصول أردوغان إلى الحكم.

لكن مصر أكبر من الجميع، بشرط أن يقبلوا جميعا التنازل عن مطامحهم الفئوية من أجلها. التنازل الأول ينبغي أن يتمثل في قبول الجميع التفاوض على فترة انتقالية لمدة عام برئاسة محمد مرسي، وبحكومة تكنوقراط لا هوية سياسية لها سوى الهوية الوطنية، وفي منتصف العام تقام انتخابات تشريعية لمجلسي النواب والشورى، وفي نهاية العام تقام انتخابات رئاسية عامة على أن يتعهد محمد مرسي بعدم الترشح، وفي هذه الفترة تكون القوات العسكرية هي حارسة العملية السياسية والأمينة على العملية الانتخابية.

بعد انتخاب الرئيس الجديد، يتعهد الرئيس والبرلمان بكتابة دستور جديد في ظرف ستة أشهر يتم طرحه للاستفتاء العام قبل نهاية العام الأول من حكم الرئيس الجديد، أما في ما يتعلق بأحداث رابعة العدوية وما تلاها من مواجهات فينبغي تأجيل التحقيق فيها إلى ما بعد الاستفتاء على الدستور الجديد، وبذلك يضمن الجميع البعد عن الاستفزاز والتهديد.

خارطة الطريق هذه لن يكتب لها النجاح إلا بإخلاص النيات من جميع الأطراف المصرية، وبدعم الدول العربية لشقيقتهم الكبرى مصر حتى تتعافى من أزمتها التي أضعفتهم بذات القدر الذي أضعفت قضاياهم الوجودية كالقضية الفلسطينية والموقف من إيران وأزمة المياه مع تركيا وأثيوبيا.

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.