فبراير 1, 2015 - فكر و حضارة    لا تعليقات

تعليق على كتاب الحقيقة الدامغة

بخصوص كتاب سماحة الشيخ الوالد أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ورعاه الموسوم (الحقيقة الدامغة) فأقول وبالله التوفيق:
 
ابتدأ الكتاب بمقدمة أضعفت قيمته العلمية، فهو يفتتح الموضوع بالقول: قبل برهة من الوقت أطلعني أحد طلبة العلم على تحذير بثه أحد الحشوية المغرضين عبر وسائل التواصل ينذر فيه أصحابه خطورة الاتصال بالاباضية… كزعم أنهم لا يأخذون بالسنة.
 
وهذه القصة التي أقام عليها سماحة الشيخ فكرة الكتاب، لم يتبع فيها سماحته المنهج العلمي القائم على التثبت من الخبر والتبين من هذا الرأي وهل هو كلام شخص طائش أم هو يمثل موقفا مجمعا عليه بين من يسميهم (الحشوية) .
 
وهذا الشخص الذي يصفه سماحته بطالب العلم من هو وما صفته وما درجة تمييزه للغث من الأخبار من سمينها.
 
وهؤلاء الذين يصفهم الشيخ بصفة (الحشوية) من هم، ولماذا ينبزهم بوصف يرفضونه وهو الذي نفترض فيه الدعوة إلى التقريب والتآلف بين الأمة.
 
ثم ينطلق سماحته ليدافع عن نفسه وعن الإباضية تهمة ذاك الشخص المجهول لا من خلال نفي التهمة وتأكيد عكسها بل ويا للعجب من خلال تثبيت التهمة والاعتراف بها ولكن إحالتها إلى مجموعة اسماها العقلانية قام لاحقا بإلقاء كافة التهم على هذه الفئة التي اعتبرها
١- مرتدة
٢- كافرة بالدين والقرآن والسنة
٣- تستهزئ بالنبي
٤- ملحدة
٥- عميلة للصهيونية
 
📝ثم أخذ يذكر أن من يسميهم مشائخ الإباضية قد تصدوا لهذه الفئة وحين جاء إلى ذكر هؤلاء الشيوخ لم يجد أحدا غير سماحته وشخص مجهول اسمه عبدالملك لولا والده الشيخ سالم بن حمود رحمه الله لما علق في ذهن أحد مع الاحترام والتقدير لشخصه، مما يؤشر إلى أن الموقف الذي يصدر منه سماحته اتجاه هذه الفئة هو موقف شخصي لا يشاركه فيه أحد من علماء المذهب في المشرق والمغرب!!
 
📗في ثنايا الكتاب أخذ الشيخ في تحرير منهج الإباضية في التعامل مع السنة النبوية ولكنه لم يوفق في ذلك بحسب نظري القاصر لأنه اختزل منهجهم في رد الروايات المخالفة للقرآن والطاعنة في النبي والطاعنة في الصحابة!!!
 
🙇طبعا الشيخ لم يتحدث عن منهج التلقي وطرائقه ولم يتحدث عن التناسق الداخلي للرواية وموافقتها لدلائل الحس والعقل والتاريخ وموافقتها للسنة المجتمع عليها وغير ذلك من محددات يعرفها الشيخ لكنها سقطت سهوا في كتابه. كما أن مسألة الطعن في الصحابة ونقلهم بحاجة إلى نقاش لأن تراث الإباضية وغيرهم ممن اشتغل بالنقل الروائي روى كثيرا من الروايات التي تطعن في بعض الصحابة ولم يكن ذلك سببا في عدم قبول الروايات لأن الصحابة ليسوا معصومين
 
🙇 كنت أتوقع أن أجد في الكتاب تعاطيا علميا وموضوعيا مع قضية السنة واختلاف مفاهيمها واختلاف الناس حولها وكذلك مفهوم العقلانية وضرورية التمييز بين العقلانية الإيمانية والعقلانية المادية لكن للأسف كل ذلك لم يكن حاضراز إضافة إلى أن مفهوم الحقيقة الدامغة مفهوم ملتبس لأن الحقيقة محايدة ولا تنفي غيرها من الحقائق، البرهان (الحق) هو الدامغ لأنه يكشف عن الحقيقة، لذلك ينبغي علينا التوقف عن إدعاء الحقيقة، والعمل من أن أجل أن نكون أمة دليل وبرهان.
 
أما لغة الكتاب فقد كانت حادة وعباراته نارية ومضامينه إقصائية وأخطر ما فيها هو دلالتها التي تشير إلى الحكم على أناس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون الصلوات الخمس ويزكون ويصومون ويحجون ويؤمنون بالملائكة وكتبه ورسله واليوم الآخر وقضاءه وقدره يحكم على هؤلاء بأنهم ليسوا من الإسلام في شيء!!!
 
فما هو الإسلام إذن؟!
 
اعتمد الشيخ في تكفيره لمن يسميهم العقلانيين بدعوى مخالفتهم ما يعتبره “معلوما من الدين بالضرورة” ومع أن هذا المفهوم مطاط وغير منضبط وليس له وجود في الكتاب والسنة ومؤلفات سلف فقهاء عمان إلا أن الشيخ لم يدلل على الأقوال التي نسبها إلى فئة العقلانيين وهذا مخالف للمنهج العلمي خاصة وأنه نفى عنهم الاعتماد على الكتاب والسنة بينما آرائهم في بعض القضايا التي ذكرها -بعض القضايا لم يقل بها أحد منهم!!- آرائهم مؤسسة على نصوص كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف؛ إذن هم لم يخالفوا في منهجهم أحدا بل التأويل وتعدده هو منهج معلوم من تراث الأمة بالضرورة فلماذا يحجره سماحته على هذه الفئة أو غيرها؟!
 
هذا ونستغفر الله ونتوب إليه من أن نكفر به أو نشرك به أحدا ونسأل الله لسماحته المغفرة والتجاوز عن هذا الخطأ الكبير في حق أناس تحصنوا بحصن الإسلام ودخلوا في حمى الله وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ما جاء به حق من عند ربه.
 
بخصوص التيارات الفكرية بعد كتاب الحقيقة الدامغة أقول: كان واضحا منذ محاضرة الجامعة في ٢٠٠٧ وكتاب العقل ٢٠٠٨ أن هناك تمايزا بين عدة فئات
 
الأولى الشيخ والمتعصبون له.
 
الثانية  من سماهم الشيخ العقلانيين.
 
الثالثة الفئة التي ترى أن القضية فيها تضخيم وأن المجتمع ينبغي أن يتحاوز هذا الخلاف .
 
في تصوري بعد هذا الكتاب سترجح كفة الفئة الثالثة لأنها تمثل ضمير المجتمع.
 
كما يمكنني القول أنه كما أن أتباع رأي سماحة الشيخ سيزدادون بسبب مكانته العلمية والسياسية ولأن مؤسسات الدولة التعليمية تتبنى خط الشيخ في التربية والتعليم خاصة في كلية العلوم الشرعية إلا أنني لا استبعد أيضا أن تزداد شعبية من يسميهم بالعقلانيين لأسباب كثيرة أهمها حضورهم في مواقع التواصل الاجتماعي ثانيا تبنيهم لقضايا واقعية ثالثا المنهج واللغة العصرية التي يتبعونها رابعا محاولتهم تجنب الصدام والانفعال اضافة الى دخول أقطاب جديدة ومؤثرة بينهم.
 
ما أدعو إليه الأصدقاء هو التذكير بأن المجتمع صار أكثر انفتاحا وقدرة على الاطلاع على الرأي الآخر لذلك ينبغي لنا أن نحسن عرض بضاعتنا وأن لا ننجرف وراء غريزة ردة الفعل والثأر والانتقام.
 
السؤال: هل سيستطيع سماحة الشيخ الخليلي دفع تهمة إنكار السنة التي يتهمه بها عبدالرحمن دمشقية في تويتر من خلال اتهام العقلانيين؟!
 
أقول إن كان طالب العلم الذي بنى الشيخ الخليلي كتابه على نقله إنما نقل كلام أمثال دمشقية فإن تهمة إنكار السنة ستظل عالقة في رقبته إلى يوم الدين لأن دمشقية لا يبحث عن الحقيقة بل هو وأمثاله ينفذون أجندة استخباراتية لتنفيس طاقات الشباب ضد دول ومذاهب معينة بدل اتجاه أولئك الشباب نحو نقد الأوضاع الداخلية في بلدانهم. أما عقلاء الأمة من جميع المذاهب فلا يوجد بينهم من يتهم سماحة الشيخ أو الإباضية بمثل هذه التهم التي لا تصدر سوى من السفهاء
 
أما تهمة إنكار السنة التي يرددها الشيخ منذ ٢٠٠٧ ضد من يسميهم العقلانيين فقد تم الإجابة عليها في كتاب (السنة الوحي والحكمة) ويمكن للمنصف أن يتبين هل هذه التهمة حقيقية أم قائمة على أوهام وسوء فهم إن لم نقل سوء ظن تسبب به النقلة أمثال صاحبنا طالب العلم بطل كتاب الحقيقة الدامغة!
 
ذلك أنه لا يوجد إنسان يعيش معزولا في جزيرة نائية ولا شك أني وغيري وسماحة الشيخ مثلنا كذلك نتأثر بمن حولنا في مواقفنا وآرائنا ولكننا مع ذلك نحن مسؤولون أمام الله وأمام الناس عما نقول ونكتب بغض النظر عما يقوله ويريده من حولنا لذلك ينبغي علينا جميعا مراجعة مواقفنا وآرائنا وأحكامنا على الناس خاصة حين نتهمهم بتهم عظيمة كالكفر والردة.
 
 لقد فتحنا أعيننا على الاطروحات التجديدية لسماحة الشيخ لكنه للأسف تراجع عن كثير منها بدليل انه ابتدأ مؤخرا في الهجوم على المعتزلة وعلى مدرسة محمد عبده ورشيد رضا وكل المجددين.
 
وفي تصوري أن سماحته لم يكسب شيئا بتراجعه عن التجديد والإصلاح.
 
أما لماذا تراجع التجديد في الفكر الإسلامي لدى جميع المدارس الإسلامية؟ فيبدو لي أن الصدام الدموي الذي حدث بين السنة والشيعة في العراق والحرب الأمريكية والغربية على الارهاب وعلى التمدد الإسلامي أشاعت جوا من الانقباض بين المسلمين والشعور بالعودة الى الذات والاحتماء بالجذور المذهبية ومحاولة الدفاع عن الهوية.
* هذا التعليق كان في الأصل عبارة عن حوار مع مجموعة من الأصدقاء طلبوا معرفة موقفي من الكتاب

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.