أشرعة تحاور د. زكريا بن خليفة المحرمي

الباحث زكريا المحرمي لـ ( اشرعة ):
*
العقل العربي تم صياغته على مدى التاريخ وفقاً لمبدأ الرؤية الشمولية المطلقة والثقافة الإسلامية بما هي عليه الآن لا يمكنها الصمود أمام رياح التغيير.


* على المثقفين أن يعوا خطورة اللحظة تجاه قيمنا التي تنخرها الأيديولوجيات وتقضها القيم الدخيلة
* مراجعة المنطلقات الثقافية ضرورة تفرضها المتغيرات الحضارية ولا يمكن أن نقيم عوازل اسمنتية ولا متاريس ترابية ضد الأفكار
*
الفكر العربي يحتاج إلى الكثير من الجهود لتنقيته من شوائب القراءات الحدّية والخطابات الإقصائية
* ا
لقوى المتطرفة التي نبتت في حقل انفتاحنا وسماحتنا استطاعت أن تتسلق جدار التاريخ .

حوار ـ حسن المطروشي: بمهارة الطبيب الحاذق يتناول قضايا الثقافة والفكر والتراث .. يطرح الأسئلة الكبرى حول الهوية والعولمة والإرهاب وقضايا الراهن في فضاء الفكر العربي و الإسلامي والكوني .. ينطلق من ثوابته في الثقافة الإسلامية ليحقق مقاربات مستنيرة واعية حول مختلف الخطابات والتيارات والقضايا والهموم المعرفية .. إنه الباحث العماني زكريا المحرمي، الذي يعد أحد الأصوات الفكرية التي يزخر بها المشهد الثقافي العماني .. صدرت له مجموعة من الكتب الفكرية ذات الطابع الحر الذي يهدف إلى نبش التراث والتحاور معه على أسس عقلانية واعية بعيدة عن الاجترار والجمود والتمجيد، من هذه الإصدارات (الصراع الأبدي) و(قراءة في جدلية الرواية والدراية) .. كما نشر العديد من قراءاته الفكرية والطبية في دوريات متخصصة داخل السلطنة وخارجها. زكريا المحرمي يعمل طبيبا في مستشفى جامعة السلطان قابوس في مجال الأحياء الدقيقة، ولكنه مسكون بحب الاطلاع والمعرفة والبحث في أسئلة المعرفة والوجود .. في الحوار التالي يتحدث زكريا المحرمي عن مختلف قضايا الفكر التي تشغل المفكرين في اللحظة الراهنة ..

 ما هي القضايا والهموم الثقافية والفكرية التي يطرحها زكريا المحرمي وتؤرق فكره؟

إن حال الأمة المتردي بين دول محتلة وشعوب مهجرة وموارد مصادرة وطوائف متناحرة وحريات مكبلة لا شك يهيج في الأذهان كثيراً من الأشجان، قد نختلف في ترتيب الأولويات بيد أن الجميع متفق على أن الهم الثقافي الأكبر يكمن في تحرير العقول والأفكار من الاستبداد الفكري والسياسي. إن ظاهرة الجمود الفكري المستحكم في الأمة إنما يعود في جانب كبير منه إلى الخلل في مناهجنا المعرفية، ذلك أن طرائق التفكير والنظر هي المحدد للنتائج والعبر، فإذا كانت طرائقنا معطوبة – وهي كذلك – فإن نتائج تفكيرنا لن تكون سوى اجترارٍ للفشل وترسيخٍ للجمود والتخلف، والغرب لم يتقدم في ميدان السبق الحضاري إلا حين اكتشف المنهج الموصل إلى العلم اليقيني في مجال العلوم التجريبية والنظرية، وقد كان حقيق بأمتنا أن تكون أمة اليقين العلمي والمعرفي وهي التي أُنزل عليها قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) أي لا تتبع الظنون والأوهام واقتصر في مسيرة بنائك الحضاري على “العلم” أي اليقين المعرفي باصطلاح الفلاسفة والمتكلمين، إلا أن التاريخ الإسلامي قد شهد تحولات ثقافية استطاع فيها زمرة من أهل الرواية أن يفرضوا على الأمة منهجهم القائم على التجزيء والتشظي ونسف اليقين بالظن، وتعطيل آيات القرآن والكون بروايات الآحاد، وهاجسي الأكبر في الوقت الراهن هو في إعادة صياغة مناهج الأمة بحيث يكون اليقين المعرفي هو العمود الفقري والإطار النظري الذي نتحرك فيه ومن خلاله، ويظل الظن محكوماً باليقين فلا يطغى عليه ولا يعطل طاقاته.

ما هي رؤيتك تجاه التيارت الفكرية العربية الراهنة، مثل التيار العلماني، أو الحداثي، أو ما يسمى بالأصولي؟   

هناك ثلاثة تيارات فكرية فاعلة في فضاء الثقافة العربية حالياً، وهي التيار الإسلامي، والعلماني، والليبرالي، وكل واحد منها يزعم امتلاكه وصفة الخلاص، فالتيار الإسلامي يبشر بالخلاص من خلال تطبيق الشريعة، والتيار العلماني يرفع شعار استقلال العقل وعدم السماح لغير المنتج العقلي بممارسة الفعل السياسي والاجتماعي أي بمعنى آخر “فصل الدين عن السياسة”، والتيار الليبرالي يرفع شعار الاقتصاد الشامل وتحرير الأسواق وعولمة الثقافات، والطابع الغالب على هذه النظم هو الأحادية، وإقصاء الآخر، بل وإلغائه وعدم القبول به بديلا ولا حتى شريكاً. وهذه التيارات بالرغم من زعم تماسكها إلا أنها تتشكل من طيف فسيفسائي من الاتجاهات المتعددة والمتنافرة أحيانا، فالتيار الإسلامي على سبيل المثال يحوي الكثير من الاتجاهات مثل الاتجاه السلفي والصوفي والتجديدي، والاتجاه السلفي تكونه ثلاثة أنواع من السلفيات، السلفية العنيفة ويمثلها الحركات الإسلامية المسلحة كالقاعدة والتكفير والهجرة، والسلفية التقليدية يمثلها الفقهاء الكلاسيكيون المهتمون بالعقائد والفقه وهم يتطيرون من السياسة، والسلفية المجددة التي تمثلها التيارات السلفية الوسطية، والتفصيل ذاته حاضر داخل التيار العلماني والليبرالي، إلا أن ما يطبع هذه اللحظة من الزمن هو تنحي خطاب الاعتدال، وسيادة أصوات التطرف والانفصال. وعلى المعتدل أن يدفع ضريبة وسطيته المتمثلة في هجوم أقرانه المشككين في انتمائه، وهجوم أضداده المعادين لكل من خالف توجهاتهم. وهناك تيار رابع يتم إغفاله إما عمداً أو في أفضل الأحوال سهواً إنه تيار التنوير المتعالي على أيديولوجيات الخلاص السابقة، فهو يحترم الأصيل في التراث ويبني عليه المفيد من الحداثة، وهو يقدم رؤية تمتزج فيها الأصالة بالحداثة والتراث بالمعاصرة فيرسم ملامح مستقبلية واعدة مؤسسة على قاعدة تراثية صلبة منطلقة في فضاء المعاصرة بكل ثبات وثقة خالية من التناقضات التراث-حداثية التي تحملها المشاريع الإقصائية السابقة.

 المشاريع الفكرية التي اتجهت لقراءة المنجز الثقافي العربي والإسلامي .. مثل مشروع محمد أركون ، والجابري، وحسن حنفي وغيرهم .. كيف يقرؤها ويقيمها زكريا المحرمي؟

تتميز مشاريع كل من أركون والجابري وحسن حنفي باعتماد التراث ميداناً للبحث والتحليل والنقد، فهي لم تتعالَ على التراث، ولم تفترض وجوب القطيعة معه، ولم تشترط مسح اللوح لكتابة قيم ثقافية نابعة من الحداثة الغربية بعيداً عن التراث كما قال بعض المتطرفين من العلمانيين العرب. وكل مشروع من هذه الثلاثة له ميزاته الخاصة، فمشروع محمد أركون يعتمد المناهج الغربية في قراءته للتراث الإسلامي، وهو لا يمارس هذه العملية بحياد موضوعي بل يؤديها بصورة انتقائية سلبية مبخسة لذلك التراث. تنطلق رؤية أركون من مبدأ التماثل بين التراث الإسلامي والتراث المسيحي حتى يصل إلى نتيجة مفادها أن التراث الإسلامي عديم الخصوصية وأن طريق الخلاص هو اعتماد التجربة الأوروبية في الموقف من التراث. محمد عابد الجابري لا يختلف عن أركون في قراءته للتراث العربي والإسلامي وفقاً للمناهج الغربية إلا أنه يتميز عنه باعتماد المناهج التراثية كذلك في قراءة هذا التراث، وقد أظهر الجابري في عمله هذا قدرة غير اعتيادية جعلته يهضم مناهج الكلاميين والأصوليين والمحدّثين والنحويين فيفككها ويعيد تركيبها وقراءتها من جديد وفق المناهج الفلسفية الحديثة، ومع أن النتائج التي توصل إليها الجابري لا تقل هجائية أو تشطيرية وفق تعبير جورج طرابيشي للتراث العربي عن النتائج التي توصل إليها محمد أركون، فكلاهما ينتقص اللغة العربية، وكلاهما يتبنى موقفاً يؤدي إلى التشكيك في عملية جمع القرآن وترتيبه سواء أكان ذلك تصريحاً كما فعل أركون أو تلميحاً كما فعل الجابري في كتابه الأخير “مدخل إلى القرآن الكريم”. لقد كان الجابري موجهاً في قراءته للتراث العربي بأسطورة التفوق العربي المغربي على المشرقي، فقام بتزكية رموز التراث المغربي كابن رشد والشاطبي وابن خلدون، وارتأى أن المحطات المضيئة في التراث الإسلامي ليست سوى نتاجٍ مغاربي في قبال رجعية وغنوصية التراث الإسلامي المشرقي! وفي أطروحاته المرتبطة بالفقه الإسلامي نجد الجابري مسرفاً في تبني منهج “المقاصد” الذي صاغه الشاطبي في كتابه “الموافقات” بطريقة يجعلك الجابري تستشعر معها أن منهجية المقاصد ليست سوى أداة براغماتية تبريرية الغاية فيها تبرر الوسيلة. أما حسن حنفي فإن مشروعه أقل حدّية من مشاريع أركون والجابري، وهو مشروع يصفه البعض بمشروع “اليسار الإسلامي”، ويتميز حسن حنفي بالديناميكية الفكرية وعدم الثبات على المواقف غير المنتجة، بالإضافة إلى امتلاكه خلفية معرفية واسعة عن التراث الأوروبي المسيحي مما يفيد القارئ العربي في دراساته المقارنة القائمة على دراسة التراث الغربي بعين عربية، بدل الاعتماد على دراسات المستشرقين المحملة بأوزار تاريخ الصراع الصليبي الإسلامي. 

 بعض الخطابات الفكرية والمشاريع الثقافية تتبدل وتغير مواقفها من حين لآخر وفقا لتقلبات المناخات السياسية .. هل ترى ذلك تراجعا أم مراجعة ؟  

إن المراجعة والتقويم للمنطلقات الثقافية والخطابات الفكرية ضرورة تفرضها المتغيرات الحضارية والاجتماعية، بيد أن مجتمعاتنا لا تعترف بالحتميات الفكرية والاجتماعية، فلهذا لا نجد مثل هذه المراجعات إلا في القليل النادر مثل تراجع بعض الجماعات السلفية المتطرفة عن مواقفها الحدّية العنيفة وتبنيها خطاباً معتدلاً يعترف بالتعدية ويقبل الاتصال بالآخر، وهذا يجب أن لا يُعد تراجعاً بل هو عين التقدم في مسار التواصل والاجتماع الإنساني، أما في الغالب الأعم فإن التحولات الانقلابية في الخطابات الفكرية إنما ترجع في حقيقتها إلى تغير المصالح وتبدل القوى الاقتصادية والسياسية، فنحن نجد على سبيل المثال أن خطاب أغلب القوميين العرب كان أقرب للعلمانية الماركسية، وحين تبدت مظاهر الصحوة الإسلامية في المجتمعات العربية بدأ هؤلاء يتقمصون بطريقة أقرب إلى التهريج الخطاب الإسلامي في شتى صوره الصوفي والسلفي، وبعيداً عن هذه المراجعات الحميدة وتلك التراجعات الانتهازية نرى أن الواقع الثقافي العربي يسير منحدراً نحو هاوية التراجع والجمود، فالخطاب الإسلامي الوسطي يعاني تراجعاً ملحوظاً إذا ما قورن بخطاب مؤسسيه محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، والخطاب الليبرالي الوسطي يعاني نفس الأزمة الانحدارية مقارنة بخطاب رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، فالخطابات المؤسسة كانت تنويرية وتواصلية أما بقاياها الآن فهي أمساخ شوهاء تتمثل الجمود والانفصال .

 نحن أمة متهمة بالإرهاب .. البعض يعزو ذلك إلى أن بذور هذا الإرهاب موجودة في إرثنا الفكري .. هل توافق على ذلك ؟

مصطلح الإرهاب مشبع بالكثير من المضامين الأيديولوجية التي لم يتم الاتفاق عليها، فعلى سبيل المثال تعتبر النخب السياسية الغربية المقاومة في فلسطين والعراق ضرباً من الإرهاب، بينما لا تعتبر عمليات الاغتيال وقتل الأطفال وتهجر المواطنين واعتقال النساء وتهديم المساجد ودور العبادة الذي تمارسه اسرائيل والقوات المحتلة في العراق وافغانستان بالإرهاب، علينا أن نكون يقظين وأن لا نتلقف المصطلحات التي يضخها الإعلام الغربي في فضائنا دون أن نعي الظلال القاتمة التي تكتنفها، إن عمليات القتل والتدمير التي تطال المدنيين والمسالمين في مشارق الأرض ومغاربها لا يمكن وصفها إلا بالجريمة والإرهاب كائنا من كان وراءها، والمتطرفون من الإسلاميين ليسوا اللاعب الوحيد في ساحة الإرهاب، فهم مشتركون في هذه الجريمة ضد البشرية مع المتطرفين النصارى واليهود والهندوس والبوذيين، فالكل يقتل ويدمر، فلماذا توجه أصابع الاتهام نحو التراث الإسلامي وحده؟ نحن لا ننكر أن تراثنا الإسلامي فيه الكثير من المحطات المظلمة، فالإقصاء موجود والتكفير حاضر والتحريض ضد المخالف ماثل، لكن ذلك لا يمثل سوى قطرات ضئيلة في بحر السماحة والوسطية والعيش المشترك مع الآخر المسلم والآخر من الملل الأخرى، مأساتنا الكبرى نحن المسلمين أن القوى المتطرفة التي نبتت في حقل انفتاحنا وسماحتنا استطاعت أن تتسلق جدار التاريخ مدفوعة بالاستبداد السياسي الذي رأى فيها حليفاً ضد دعوات التنوير الفكري والإصلاح السياسي. إن وصف التراث الإسلامي بالإرهاب يدل إما على قراءة سطحية هزيلة أو قراءة عميقة لكنها مدفوعة برغبات حاقدة للنيل من تاريخ الأمة ومنجزاتها.

في ظل ثورة تقنية المعلومات .. كيف تقيم مواكبة الفكر العربي أو الخطابات الثقافية العربية او الإسلامية الراهنة للتعريف بهويتنا وقيمنا الأصيلة؟

الفكر العربي يحتاج إلى الكثير من الجهود لتنقيته من شوائب القراءات الحدّية والخطابات الإقصائية المسيطرة على أغلب فضاءاته، لا يمكن أن نفلح في تقديم صورة حضارية عن أمتنا إلا باعترافنا بأصالة قيمنا وتميز هويتنا، نعم هناك جهود فردية كثيرة لتقديم مثل هذه الصورة الحضارية للأمة إلا أنها جهود تائهة غير قائمة على قواعد ثابتة ولا تعتمد مناهج واضحة ولا تجد دعما مؤسسيا كالذي تتحصل عليه الخطابات الراديكالية الإقصائية الإسلامية منها أو العلمانية، وهذا يرجع في قدر كبير منه إلى انتشار الأمية الثقافية في أوساط الطبقة الثرية غير القادرة على استيعاب الخطاب التنويري ودعمه، بينما نجدها تتبنى الكثير من المشاريع الراديكالية المتزمتة منها أو المتنكرة للقيم الإسلامية والهوية العربية. وفي مثل هذه الأجواء القاتمة على المفكرين التنويرين أن يتواصلوا لتدعيم بعضهم بعضا بالفكرة والمؤازرة حتى لا تكون الساحة الفكرية خالية من أصوات التنوير والاعتدال. لقد اقتحمت ساحتنا الثقافية الكثير من الأفكار والرؤى والنظريات التي ركبت حصان طروادة المتمثل في شبكة الانترنت والقنوات الفضائية، لا يمكن أن نقيم عوازل اسمنتية ولا متاريس ترابية ضد الأفكار، الأفكار تنتشر في الفضاء كما تنتشر أشعة الشمس، على المثقفين أن يعوا خطورة اللحظة اتجاه قيمنا وهويتنا التي تنخرها الأيديولوجيات المتطرفة وتقضها القيم الدخيلة الواردة، علينا أن نحصن المجتمع لا بالترهيب من الوارد كما يفعل البعض بل بتقديم خطاب مستنير يوفر لجماهير الأمة الشعور بالثقة في تراثها وقيمها، علينا أن نستفيد من الإعلام المفتوح لإيصال الصورة الحقيقية عن القيم الإسلامية والهوية العربية بدل الصورة المزيفة التي اشترك في رسمها أعداء الأمة وابناؤها من المتطرفين.

 تتضارب الرؤى والتأويلات حول مفاهيم العولمة وآثارها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية على العالم الإسلامي .. ما هي رهانات الثقافة الإسلامية في الثبات والتحاور مع هذه المعطيات العالمية الجديدة؟

 مفهوم العولمة لا يقل التباساً عن مفهوم الإرهاب، فالبعض كالمفكر العماني خميس بن راشد العدوي ينظر إلى العولمة على أنها دعوة إلى العالمية والانفتاح على الآخر، وآخرون مثل فْريد هاليداي يفهمون العولمة على أنها التغيير الجذري للثقافات الخاصة وبناء ثقافة كونية مشتركة، إن المفهوم المنفتح للعولمة الذي يراه العدوي يخرج من رحم الثقافة العربية الإسلامية، فالإسلام رسالة عالمية لا يختص بها العربي دون غيره، وهو في عالميته لا يتعدى على خصوصيات الآخرين الدينية والثقافية بل وينهى عن التعرض إليها بسوء، أما المفهوم العولمي الجذري الذي يقدمه هاليداي فإنه يقوم على مبدأ إذابة الهويات وصهر القيم الثقافية واستبدالها بقيم ثقافية جديدة لا مكان فيها للخصوصية والانتماء القومي والثقافي. الثقافة الإسلامية بما هي عليه الآن من غلبة التيارات الراديكالية لا يمكنها الصمود أمام رياح التغيير وعولمة الهويات، وكما أنه ليس من الحكمة دس الرؤوس في التراب فليس من مقتضيات الحكمة أيضاً التمترس وراء الأسوار هروبا من مواجهة استحقاقات العولمة، على الأمة أن تدرك خطورة اللحظة، وعليها أن تقوم بمراجعة شاملة تقوّم فيها مناهجها بحيث تعترف بتراثها دون انغلاق وتقديس، وتتواصل فيه مع الآخر دون انبهار وتقليد.

 التراث ، والأصالة ، والأصولية ، والحداثة ، والتجديد .. مفاهيم ذات دلالات غائمة وملتبسة .. هل ثمة مخرج للتوفيق بين هذه المفاهيم والمبادئ، أم أن الصراع بينها حتمي وأبدي من وجهة نظرك؟

الصراع بين هذه المفاهيم والقيم واقع لا نملك سوى الاعتراف به، فكما ذكرت سابقاً أن الفضاء الثقافي العربي تسوده ثلاثة نظم الإسلامية والعلمانية والليبرالية، وكل واحد منها يزاحم الآخر محاولاً إزاحته وإلغائه، الصراع بين قيم التراث والحداثة ما كان ليظهر لو لم يتمكن المتطرفون الراديكاليون من قمع أصوات الاعتدال وتغييبها، التوفيق والتواصل بين هذه المفاهيم ممكن إلا أنه يستلزم جهداً مضاعفاً غير جدير به سوى تيار التنوير الذي بدأ يظهر في الأمة بعد سنوات عجاف من الرجعية والقراءة المتطرفة للتراث والحداثة، التيار التنويري مطالب بالتواصل مع أصوات الاعتدال في الفضاءات الثقافية الثلاث الإسلامية والعلمانية والليبرالية، وهذه القوى جميعاً إذا تضافرت واتفقت على منهجية تبتعد عن التجزيء والتشظي التي تطبع المناهج القائمة واعتمدت منهجاً كلياً ينطلق من العلم “اليقين” لدراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فإن هذه القوى لا شك قادرة على التوفيق بين قيم التراث والحداثة ومفاهيم الأصالة والمعاصرة وهي قادرة أيضاً على حفظ الأصول والقيم والهويات وتجديد الخطاب والفكر والمجتمعات.– ألا ترى أن هناك تغييبا أو غيابا إعلاميا للخطابات الثقافية المستنيرة، وتكريساً للخطابات الماضوية التي تسهم في تبديد القوى ونسف جهود التجديد والبناء الثقافي؟

الغياب والتغييب كلاهما حاصل، وذلك يرجع إلى عوامل عدة، أهمها أن العقل العربي والإسلامي تم صياغته على مدى التاريخ وفقاً لمبدأ الرؤية الشمولية والمطلقة التي لا ترضى بالتعدد ولا تقبل النسبية، فالمجتمعات العربية مهيأة نفسياً ولا شعورياً لتقبل الخطابات الراديكالية التي تعد بالخلاص النهائي، وقد وجدت المذاهب الفكرية الشمولية مناخاً مهيئاً تصول فيه وتجول مبشرة بالخلاص ومتوعدة لمخالفيها بالإقصاء والإلغاء، وهذا ينطبق على النظم الإسلامية والعلمانية والليبرالية، ففي هذا الصدد لا يختلف من يوصف بالماضوي عن الحداثوي، فكلاهما يقود الأمة إلى الهاوية، الأول إلى هاوية الجمود والتخلف والثاني إلى هاوية التيه والذوبان والفشل، يضاف إلى ذلك أن الخطاب التنويري يعاني من مشكلات الفردانية والتفرق المؤدي إلى البطء والتكرار، كما أن هذا الخطاب تغلب عليه الطبعة العقلانية، والإنسان كما يقول فهمي جدعان ليس عقلاً محضاً وإنما يتكون من وجدان وشعور وخلفيات معرفية ومركبات بيولوجية، وليس العقل في كثير من الأحيان سوى تابع لتلك المركبات خادماً لرغباتها ومبرراً لقراراتها، وبخلاف التيارات الراديكالية المعتمدة على الخطابات السطحية وربما الساذجة إلا أنها تتسم بقدر كبير من الإثارة المهيجة للجماهير والموجهة لطاقاتهم يعتمد الخطاب التنويري على الموضوعية والتأصيل الأكاديمي المعقد أحياناً والملل في أحايين كثيرة، يضاف إلى ذلك أن النظم السياسية العربية والإسلامية لا تدعم سوى الخطابات التي تستفيد منها سياسياً، فهي تعمد إلى المصالحة والتقارب مع الخطابات الفكرية ذات الانتشار الجماهيري بغض النظر عن طبيعة تلك الخطابات طالما خدمت أهدافها السياسية، وهي تعمد أيضاً إلى تغييب الخطابات التنويرية لأن التنوير والاستبداد يسيران في خطين متعارضين.  

 هل ترى أن المجتمعات العربية والإسلامية قابلة أو مهيأة لتعاطي أو تلقي فكراً جديداً في ظل الواقع الثقافي والإعلامي الراهن، وما هي وسائل وآليات التغيير في نظرك ؟

واقعنا الثقافي تسوده حالة من التردي على مستوى النخب والجماهير، فنخبنا الثقافية تمارس إضرابا عن التفكير وتشغل نفسها بالفنون الأدبية وتفتعل أزمات وهمية مع ذاتها ومع الآخر، لقد استغرقت الكثير منهم اسئلة الجدل البيزينطي في قضايا تتميز بالالتباس واللاحسم، ما تزال ذات الاسئلة التي طرحت قبل قرن من الزمان هي ذات الأسئلة المطروحة اليوم، كالموقف من التراث والحداثة والديموقراطية، وأغرق الآخرون أنفسهم في قضايا هامشية في سلم أولويات البعث والصعود الحضاري للأمة مثل قضية المساواة بين الرجل والمرأة، فالمرأة لو سُئلت لقالت أنها لا تريد سوى (العدالة) بغض النظر عن مسمياتها “مساواة” أو “قوامة”، أما على مستوى الجماهير، فهناك حقيقتان بارزتان إحداهما أن موروثنا الثقافي الذي سادته النظرة الشمولية الأحادية قد أورثت العقل العربي نوعاً من المناعة ضد الخطابات الفكرية التجديدية، ثانيهما أن المجتمعات العربية كما يرى محمد جابر الأنصاري قد أثبتت على مدى التاريخ خصوبتها الثقافية وقدرتها على استيعاب وتمثل الأطروحات الفكرية المختلفة. لا أشك في قدرة المجتمعات العربية على تقبل الخطاب التنويري، لكني أشك في قدرة هذا الخطاب في الوقت الراهن على الانتشار والفعل الاجتماعي، إن كنا نحلم بواقع جديد لأمتنا فلا بد من تغيير مناهج تفكيرنا ونظرتنا للحياة، هناك مسؤوليات وواجبات على عاتق الجميع، فالنخب الثقافية مطالبة بمراجعة خطاباتها الراديكالية التي صارت مستهلكة ولا تبني سوى الخراب، وهي مطالبة بإعادة صياغة خطابها وفق منهج كلي قائم على التفريق بين العلم “اليقين” وهو ما ثبت بدليل قطعي كوني تجريبي أو قرآني محكم وبين النظريات “الظن” وهو ما لم يثبت بدليل قطعي وإنما جاء بطرق ظنية “مرويات الآحاد” أو آراء بشرية قابلة للمراجعة والنظر، فالإسلامي مطالب بأن لا يأسس خطابه على الآيات المتشابهة ولا المرويات الآحاد التي انفردت بها طائفة من الأمة ولا أقوال جماعة من السلف أو الخلف، والعلماني مطالب بأن يعي أن ليس كل منهج غربي هو قطعي يقيني مثل قوانين الحركة والجاذبية، بل أكثر تلك المناهج هي نظريات وأحيانا فرضيات قابلة أن تنقد فيبنى عليها أو تزاح ليحل محلها غيرها، على المفكرين التنويرين محاولة التواصل فيما بينهم وأن يقيموا مؤسسات توفر لهم الدعم المادي والفكري وتبعد عنهم ظاهرة تكرار الجهود وضياعها، على التنويريين إدراك ان الإنسان بطبيعته ليس عقلاً محضاً، عليهم أن يعيدوا صياغة خطابهم ليتصل بالجانب الوجداني في الإنسان فيلبي لديه غريزة الإشباع العاطفي ويخترق اللا شعور فيتلاقى وخلفيات الناس المعرفية بدل أن يتصادم معها، على التنويرين أن يتواصلوا مع الأصوات الوسطية في التيارات الثقافية الإسلامية والعلمانية والليبرالية، وعليهم جميعاً أن يمدوا جسور التواصل بين تلك التيارات، على المثقف العربي أن يعي ضرورة المرحلية في التغيير، فحرق المراحل قد يؤدي إلى نتائج شوهاء غير تلك المتوخاة من عملية التصحيح والتجديد، على النظم السياسية أن تعي خطورة المرحلة، عليها أن تبادر إلى إصلاحات سياسية واجتماعية تحقق قدراً مقبولاً من العدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي، هذه النظم مطالبة بأن تتبنى الخطاب التنويري وأن تدعمه لأنه الوحيد القادر على التغلب على التطرف والإرهاب والحفاظ على السلم الاجتماعي.

أشرعة – جريدة الوطن العمانية 21 مايو 2007    

تعليق واحد

  • عشرة على عشرة
    وفي انتظار المزيد، وبالذات في الواقع العملي

    بالمناسبة، أرسلت لكم رسالة في بريدكم الخاص، أرجو أن تكون قد وصلتكم
    جزاكم الله خيرا