مارس 30, 2015 - فكر و حضارة    لا تعليقات

عاصفة الحزم … الطريق الثالث

فاجئت الهجمات الجوية الخليجية والعربية المتحالفة معها ضد الحوثيين وحليفهم علي عبدالله صالح المتابعين للشأن العربي والخليجي، وسبب المفاجئة لا يكمن في توقيتها السابق لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي فحسب بل وفي أن الأنظمة العربية عموما والخليجية خصوصا اعتادت على مر التاريخ خوض حروب كلامية وعنتريات لفظية دون الجرأة على التحرك العسكري، وهذا الحدث المفاجئ ينبغي الوقوف عنده طويلا لأن التغير في سلوك الأنظمة الخليجية لا يعبر عن مجرد تغير في أمزجة القادة والحكام بقدر ما يعبر عن انقلاب ثقافي له أسبابه ورؤية استراتيجية لها دوافعها.

نشير هنا إلى عاملين حاسمين، ساهم الأول في الانقلاب الثقافي للقيادة الخليجية، وهو يتمثل في وصول الجيل الشاب من الأمراء إلى مواقع صنع القرار، حيث أن دول الخليج الستة باستثناء عمان والكويت تدار من قبل قيادات شابة إما بصورة مباشرة كما هو الحال في قطر أو بصورة غير مباشرة كما هو الحال في الإمارات والمملكة السعودية، وللشباب حماستهم وإندفاعهم وإصرارهم وتطلعهم إلى تحقيق إنجاز ما، عكس الشيوخ الذين يميلون إلى التروي والحكمة وامتصاص الصدمات، والرضى بما تم إنجازه.

أما العامل الذي أدى إلى تغير رؤية القيادات الخليجية وهو الأهم فيتمثل في  نجاح إيران في اختراق المجتمعات العربية، والتواصل مع القوى المهمشة، وخاصة حركات الإسلام السياسي كحركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة حماس، والأقليات الشيعية في العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول الخليج، الأمر الذي مكنها من تكوين علاقات إستراتيجية مع تلك القوى وعقد تحالفات وجودية مع بعضها، كما هو الأمر مع حزب الله اللبناني والنظام العلوي في سوريا، أو تحالفات مصلحية مؤقتة كما هو الحال مع تنظيم الإخوان المسلمين وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين.

بيد أن هذه العوامل على أهميتها ليست سوى ممهدات لعامل أكثر تأثيرا وحسما وهو المتمثل في خروج اليمن من دائرة النفوذ الخليجي ودخوله في دائرة النفوذ السياسي الإيراني الذي يعتبر أنظمة الخليج أنظمة معادية ومتحالفة مع الغرب من أجل إسقاطه، وإيقاف محاولاته المستمرة لتصدير ما يسميه بالثورة الإسلامية إلى دول الخليج والعالم الإسلامي.

ويرجع سبب خروج اليمن من دائرة التأثير الخليجي إلى الخلاف الخليجي في الموقف من الثورة الشعبية في اليمن، حيث انحازت بعض القوى الخليجية إلى الحركة الشعبية التي مثلت حركة الإخوان المسلمين أبرز قيادتها الفاعلة على الأرض، بينما وقفت قوى خليجية أخرى مع القيادات اليمنية التقليدية المتمثلة في الرئيس علي عبدالله صالح، وقد جاء اختيار نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي كرئيس توافقي بين الأطراف الخليجية أولا واليمنية ثانيا.

بيد أن أصول الرئيس هادي الجنوبية، وولاء الجيش اليمني للرئيس المخلوع أضعفا مكانة الرئيس وقدرته على التأثير الأمر الذي خلق فراغا أمنيا وسياسيا استطاعت حركة أنصار الله الحوثية ملأه بسهولة من خلال التحالف مع علي عبدالله صالح وابنه أحمد الطامح في الرئاسة خلفا لوالده في مقابل تمكين حركة الحوثي من الانخراط في الجيش وبالتالي إعطائها غطاء شرعيا كما هو الحال مع قوات فيلق بدر التي تكون منها الجيش العراقي ما بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد عام 2003، كل ذلك دفع بالرئيس هادي إلى التقارب مع حركة الإخوان المسلمين، مما أربك الموقف الخليجي مجددا بين مؤيد لهادي وبين مؤيد لخصومه سراً وراضيا عنه علنا.

لقد أدى الارتباك الخليجي إلى انكشاف الغطاء الإقليمي المساند للرئيس هادي الذي بات وحيدا دون أية قوات نظامية تدعم شرعيته، وحين قامت قوات صالح والحوثيين بمحاصرته اضطر إلى تقديم استقالته والهرب إلى عدن الخارجة تقليديا عن سلطة جيش صالح والحوثيين. حين أدركت دول الخليج حقيقة ما يحدث في اليمن وسقوطها في المحور الإيراني المعادي لدول الخليج ابتدأت على عجل في تجميع قوات برية على الحدود مع السعودية اليمنية، ونقلت سفاراتها إلى عدن انتظارا للحصول على غطاء دولي من مجلس الأمن وجامعة الدول العربية للضغط على قوات الحوثي وجيش صالح، ولكن محاصرة الحوثيين لعدن، وقصفهم لمقر هادي الذي اضطر مجبرا إلى الخروج من عدن جعل الخليجين أمام خيار الدخول منفردين في حرب مع الحوثيين وجيش صالح، حتى قبل اجتماع مجلس الأمن ومجلس جامعة الدول العربية، بل وحتى قبل اكتمال حشد القوات البرية الخليجية والعربية والباكستانية.

يتضح من تطورات الأحداث في اليمن أن الحرب ضد الحوثيين لم تكن خيارا خليجيا بل ضرورة فرضتها المتغيرات المتسارعة، كما يتضح كذلك أن دول الخليج وإن كانت متحدة ضد التغول الإيراني في اليمن إلا أنه من الواضح كذلك أنها لا تمتلك خارطة طريق لحل الأزمة اليمنية بصورة تامة ونهائية، فهناك تضارب في المقاربات بين من يدعم عودة نظام الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وبين من يريد تمكين الإخوان وحزب الإصلاح، وبين من يريد وجود قيادة يمنية هزيلة مثل الرئيس هادي يسهل التعامل معها وتطويعها.

من الجهة الأخرى فإن الحوثيين يرون أن إزاحتهم للسلطة الشرعية في اليمن، وتحالفهم مع جيش علي عبدالله صالح والقبائل المنضوية تحت لوائه تمثل فرصة تاريخية لا لقيادة اليمن فحسب بل ولفرض شروطهم على دول الخليج المجاورة وخاصة السعودية التي يعتبرون مناطقها الجنوبية كنجران وعسير وجازان امتدادا ديموغرافيا لهم، ومع الدعم اللامحدود من الحليف الإيراني وأذرعه في المنطقة كحزب الله اللبناني والمليشيات العراقية الموالية لإيران، فإن حلم إعادة جازان وعسير ونجران إلى شمال اليمن بات أمراً قريب المنال، خاصة وأن المواجهة العسكرية عام 2009 بين الحوثيين والقوات السعودية أثبتت تفوقا حوثيا على الأرض.

إيران من جهتها تنظر إلى اليمن في بعده العروبي والجغرافي المهم وأن السيطرة عليه لا تقل أهمية عن السيطرة على العراق وسوريا والبحرين، حيث سيمكنها وصول حلفائها الحوثيين إلى سدة الحكم في اليمن من محاصرة السعودية ودول الخليج، بل واختراقهم عن طريق حملات التحريض الطائفي للقوى الشيعية المهمشة في الخليج. كما ترى إيران في الحرب الخليجية اليمنية استنزافا هائلا لقدرات دول الخليج العسكرية والاقتصادية وبالتالي إضعافا لأدوارها في سوريا والعراق ولبنان، لذلك فهي مستعدة لبذل كل طاقاتها الدبلوماسية والعسكرية والإعلامية للدفاع عن الحوثيين، ودعم حربهم التي تتمنى أن تكون طويلة مع السعوديين والخليجيين، ولعل نتائج مفاوضات الملف النووي الإيراني ستكون محددا لخيارات التدخل الإيراني في هذه الحرب، بين دعم حربي فقط، أو بين عمليات انتقامية داخل حدود دول الخليج تقوم بها الخلايا الموالية لإيران.

أما سلطنة عمان فهي تمتاز عن دول الخليج الأخرى بقيادة تمثل الأكثر خبرة بين قادة دول المجلس حيث يتربع السلطان قابوس على عرش الحكم طوال خمس وأربعين عاما، ولا يقاربه في ذلك أحد من حكام الخليج، لذلك ليس مستغربا أن ينتهج السلطان قابوس مسار التروي وعدم الإندفاع في اتخاذ القرارات المتعلقة بالسلم والحرب في المنطقة، ومن جهة أخرى اعتمدت عمان سياسة عدم التدخل في شؤون الآخرين، وهي ترى أن ما يحدث في اليمن شأن يمني خالص ولا ينبغي لأي طرف سواء أكان إيرانيا أو خليجيا التدخل فيه، لذلك قررت عدم المشاركة في أي تدخل عسكري ضد أي طرف يمني، لأن أي تدخل عسكري لن يزيد اليمن إلا انقاساما ويدفع باتجاه حرب أهلية شاملة ستتحمل تكاليفها دول الخليج وعمان.

بيد أن تأكيد السيد أسعد بن طارق آل سعيد ممثل السلطان في اجتماع جامعة الدول العربية المنعقد في شرم الشيخ المصرية أن السلطنة تقف مع كل جهد لإرساء الأمن والاستقرار في اليمن، يفتح الباب مشرعا أمام التكهنات باحتمال دخول عمان على خط العمل العسكري إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، ولعل التغيير في الموقف السياسي والعسكري لعمان ستحدده التطورات في المنطقة، خاصة إذا ما تعرضت أي دولة من دول الخليج إلى عدوان عسكري مباشر من أي طرف.

وقد ذهب بعض المحللين إلى أن الموقف العماني المحايد إنما مرده علاقاتها الخاصة مع إيران، ورغبتها في استقطاب الاستثمارات الإيرانية بعد الرفع المرتقب للعقوبات الدولية عن طهران، وهذا التحليل بعيد جدا عن المنطق، لأن عمان لو كانت سياستها موجهة اقتصاديا لما ابقت علاقتها مع نظام السادات حين قاطعه العرب والإيرانيون، ولما أبقى على علاقته العراق حين احتل الكويت بالرغم من مقاطعة العالم بأسره للعراق، ولكانت عمان عضوا في الحلف العسكري لإسقا القذافي الذي مولته دولا خليجية ثرية، كما أن عمان لا يمكن أن تضحي باستثمارات خليجية حقيقية قائمة في عمان من أجل استثمارات إيرانية ما تزال في طور الأحلام، وفي الإطار الاقتصادي ذاته فإن التبادل التجاري بين عمان وإيران لا يساوي 1% من حجم التبادل التجاري العماني الخليجي، إضافة إلى أن سوق العمل الخليجي يمثل أحد قنوات تشغيل القوى العاملة العمانية، وفي ذات الوقت هناك مشاريع إقتصادية عمانية خليجية مشتركة عملاقة كالربط الخليجي بسكك الحديد، والربط الكهربائي، وإنجاز المشروع البري العملاق في عمق الصحراء الذي يصل ظاهرة عمان بمنطقة الأحساء السعودية، أما في الجانب الاجتماعي فإن القبائل العمانية هم امتداد طبيعي لأغلب قبائل الإمارات، وكثير من القبائل في قطر وغيرها، هذا فضلا عن التزواج بين الأسر العمانية والخليجية. فالحديث عن تخلي عمان عن الخليج والعرب من أجل استثمارات إيرانية وهمية هو حديث أقرب إلى السذاجة والجهل بعمان ومواقفها ومبادئها السياسية.

إن الحياد العماني في هذه اللحظة يمثل متنفسا دبلوماسيا لدول الخليج تستطيع من خلاله الاستفادة من التواصل والحوار مع الطرف الآخر، ، وقد أبدت عمان استعدادها التام للقيام بوساطة بين كافة الأطراف، وجلي جدا من خارطة توزيع القوى في اليمن والمنطقة أن هذه الحرب لن يتم حسمها عسكريا على المدى القريب، وأن جهدا دبلوماسيا ينبغي القيام به لحقن الدماء، وإعادة الاستقرار إلى اليمن وإلى شبه الجزيرة العربية بأكملها، فمن السهل البدء بالحرب، ولكن من الصعوبة الانتصار فيها أو إنهائها دون وجود طرف محايد يتبنى الإصلاح والحوار بين المتقاتلين، ويفتح طريقا ثالثا لكل السالكين حين تعييهم البنادق والمدافع والصواريخ والطائرات من الوصول إلى منصة التتويج بالنصر.

 

* نشر هذا المقال في جريدة العربي الجديد بتاريخ ٣٠ مارس ٢٠١٥ على الرابط التالي

http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/3/29/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.