يوليو 30, 2007 - فكر و حضارة    التعليقات على فلسفة القراءات التاريخية (1) مغلقة

فلسفة القراءات التاريخية (1)

زكريا بن خليفة المحرّمي

 مدخل:
التاريخ ليس وحيداً في معتقلات الجهل والتجهيل التي يمارسها سدنة الإيديولوجيات المنغلقة دينية كانت أم مادية، فالحاظر والمستقبل يعيشان نفس حالة الأسر في سجون التفسيرات السحرية تارة والتأويلات الجامدة تارة أخرى.
   لا نعلم يقينا ما نوع القراءة الأولى للتاريخ عند الإنسان الأول، إن كانت له قراءة أصلاً، فهو لا يحتاج إليها لإن التاريخ لم يكن قد ابتدأ إلا حين دشن هو أولى حلقاته على هذا الكوكب السابح في فضاء الأجرام المتعددة، وفضاء الاختلافات الجغرافية والمناخية والبيولوجية والفكرية المكتنزة على ظهره كما اكتنزت سفينة نوح بالأزواج المتشاكلة. غير أنا ندرك تماماً أن التفسير الأسطوري هو الذي رسم خلفية القراءات التاريخية وحدد ملامح رؤية الإنسان للكون وعلاقته بالزمان، ولعل استئناسه بالأسطورة جاء تلبية لرغبة غريزية في تفسير الظواهر الكونية الغامضة ليتمكن من مواجهتها في صراعه الأزلي من أجل البقاء. لقد كانت تلك التفاسير قراءات “دائرية” باصطلاح حسن حنفي، فهي تجهل مفهوم التقدم وتكرس النظرة التشاؤمية القائمة على المراوحة بين المرحلة المتوحشة البدائية المتبوعة بالمرحلة المدنية التي تليها مرحلة الانهيار والسقوط، والقراءات القديمة للتاريخ منذ إفلاطون إلى عهد أوغسطين لا تشذ عن هذا النسق الأسطوري بل تضيف إليه امتيازها بالسلفية المتراجعة إلى ما تعتبره “العصر الذهبي” المتبدد كلما تقادم الزمان. كل تلك القراءت كانت حبيسة الفعل الماورائي الخارج عن إرداة الإنسان وقدرته على التأثير، حتى جاء القرآن مفجراً للطاقات، ومرسخاً للمعطى الأزلي لهذا الإنسان وأنه سيد الكون الذي سجدت له عناصره ومكوناته.
لقد جاءت القراءة القرآنية للتاريخ في أشكال متعددة مثل العرض المباشر أوالسرد القصصي أوالتذكير بالسنن الكونية التي تحكم حركة الإنسانية عبر الزمان، وقد أوضحت هذه الأشكال المختلفة المنهج الكلّي في التعامل مع التاريخ والانتقال من مرحلة العرض المجرد إلى محاولة استخلاص القوانين الحاكمة لحركة التاريخ التي وصفها القرآن بالسننية والثبات (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا). لقد خرج القرآن بالإنسان من القراءة المتأزمة للمذاهب الوضعية للحدث التاريخي، وأرسى دعائم المرونة والواقعية والشمولية ذات الامتدادت الواسعة خارج الأطر والمثاليات المذهبية المتعسفة التي تقرأ الحدث كمسلمات بعْدِيَة تصاغ فيها الحقائق التاريخية وفقاً لغايات إيديولوجية صرفة. كما أحلّ القرآن مفهوم الدنيا كوحدة زمنية واحدة تذوب فيها الفواصل الزمنية بين الماضي والحاضر والمستقبل ليلغي بذلك الجيتو التاريخي الذي أقامه اليونان حين سجنوا الزمان في دورات الانهيار والسقوط التراجعية. كما كشف القرآن العلاقة بين الله عز وجل وبين الطبيعة والإنسان، وأن السنن الإلهية قاضية على حركة الطبيعة وحركة الإنسان لا باعتباره أسيراً مجرداً من الإرادة وحرية الاختيار وإنما باعتباره وحدة كونية لا تخرج عن أطرها البيولوجية وحاجاتها الغرائزية التي تضمن بقائها واستمراريتها.
 القراءة الأوربية للتاريخ:
شهدت أوربا بعد القرن الثاني عشر حين وزعت أول ترجمة لاتينية للقرآن صخباً فكرياً وحيرة معرفية أحدثت شرخاً بين المثقفين ورجال الدين، فدلالات القرآن المرسخة لوعي التكريم الإنساني والحرية الفردية أحدثت طلاقاً بين الموقف الفلسفي الأوربي من الدين وبين الكنيسة، وبدأت مرحلة جديدة امتازت بإعادة قراءة التراث الديني، وكانت إعادة قراءة التاريخ من أهم عناصر تلك المرحلة. لقد بدا المفكرون الأوربيون شديدوا الحساسية اتجاه الدين وكل ما يرتبط به، فلهذا عمد ميكافيلي (1469-1527)  إلى الانقلاب على نسق القراءة التقليدية القائم على تعطيل عامل الإنسان في معادلة العلاقة بين (الله والطبيعة والإنسان)، قام ميكيافيلي على الضد من الكنيسة بتعطيل العامل الإلهي وأبقى الفاعلية التاريخية للإنسان والطبيعة، وبعده بقرن جاء ديكارت ليفخخ الرؤية المسيحية للتاريخ ويلغمها باسئلة (الشك) فيحصرها في زاوية القول بأولوية العقل وحتمية القوانين الطبيعية وتكريس الرؤية الميكافيلية المعطلّة للتأثير الإلهي.
ثم جاء هيجل (1770-1831) صاحب مصطلح (مكر التاريخ)، وقدم رؤيته التي عرفت بـ (المثالية)، والرؤية الهيجيلية تعتبر التطور الإنساني نتيجة حتمية للصراع (ديلاكتيك) بين التناقضات الداخلية للظواهر المختلفة، ويرى هيجل أن هذا الصراع لا يتم مصادفة بل تقرره ما اسماه بـ “المشيئة العليا السامية والمهيمنة” ويسميه أيضاً “روح العالم”، ويعتبر هيجل أن تاريخ الإنسانية هو تاريخ لوعيها أي تاريخ (وعي الذات) لكن أي ذات؟ إنها ذات من اسماهم “الأبطال” و”الرجال الخالدين” الذين يفترض هيجل أنهم يدركون الأمور أكثر من غيرهم الأمر الذي حدا ببعض المفكرين إلى تسميته بـ “فيلسوف مجلس الحكم السري” ذلك أن الديلاكتيك الذي تقوم عليه قراءة هيجل للتاريج تؤدي إلى عبادة القوة وتبرير كل فعل يعتبره  معقولاً بالنسبة له أو بالنسبة لمن اسماهم بـ “الأبطال” وإن كان ذلك الفعل هو اضطهاد أو عسف في حق الآخرين.
ثم جاء كارل ماركس (1818-1883) ورفيقه إنجلز وطرحا ما يسميه ماركس “المفهوم المادي للتاريخ”، والذي يلخصه انتوني غدنز بالقول (إن الأصول الرئيسية للتغير الاجتماعي لا تكمن في ما يحمله الناس من أفكار وقيم، بل إن حوافز التغيّر الاجتماعي تتمثّل في المقام الأول في المؤثرت الاقتصادية، والصراعات بين الطبقات هي التي تدفع إلى التطور التاريخي لإنها محرّك التاريخ، وبعبارة ماركس، فإن التاريخ البشري برمته حتى الآن هو تاريخ الصراعات بين الطبقات)، ويزعم ماركس أنه ليس هيجيلا فيقول: (إن أسلوبي الديلاكتيكي ليس مجرد أسلوب مخالف لأسلوب هيجل، وإنما هو عكسه تماماً، لأن عملية التفكير عند هيجل هي خالقة العالم الحقيقي، والعالم الحقيقي ليس إلا الشكل الخارجي الذي تتخذه الفكرة، أما أنا فأرى أن الفكرة ما هي إلا العالم المادي بعد أن يعكسه ذهن الإنسان ويصوغه في شكل أفكار)، وصف ماركس نفسه أيضاً بأنه (مخروط هيجلي مقلوب ومستقر على قاعدته). ويبرز جلياً أن ماركس يجرد الإنسان من إرادته ويجعله فريسة لقانون الصراع وحسب، أما إنجلز فإنه يزعم أن الدين هو انعكاس خيالي وهمي في أذهان الناس من القوى الخارجية التي تسيطر عليه، وهذا الزعم تعارضه حقيقتان الأولى: أن كلام انجلز يصدق على المادية (الدهرية بالتعبير القرآني) أكثر منه على الدين لإن الظروف المادية القاهرة كان وما تزال سبباً في ابتعاد الناس عن القيم والأخلاق والأطر الروحية وتكشير فطرتها الحيوانية عن أنيابها مدفوعة بغريزة الصراع من أجل البقاء، الثانية تعدد الأديان واللاأديان التي تعيش جنباً إلى جنب في نفس المحيط المادي التي يدّعيها إنجلز!

وفي خضم الجدل الذي أحدثه الطرح الماركسي جاء أرنولد تونبي بنظرية أكثر تماسكاً وإثارة اسماها (نظرية التحدي والاستجابة)، وقد استوعب فيها توينبي التأثيرات الجغرافية والمناخية والبيولوجية والروحية على الإنسان والمجتمع في تفاعل عضوي متشابك اسماه (العلاقة المشتركة)، أما التحديات التي يفترضها في هذه النظرية فهي متعددة فقد تكون بشرية أومناخية أو بيولوجية. ويرى توينبي أن السقوط الحضاري يتم حين تضمر قوة من اسماهم بـ (الأقلية المسيطرة) على الاستجابة للتحديات المتمثلة في (البرولتاريا الداخلية) التي تمثلها القوى الثقافية والدينية المهمشة، و(البرولتاريا الخارجية) التي تمثلها الشعوب الخارجية الطامعة، لكن نقاد توينبي يحملون عليه انتخابه الظواهر التاريخية المناسبة لفرضه بصورة تبسيطية شوهاء، وتجاوزه غير الأكاديمي للحقائق المخالفة لنظريته، ويرى عماد الدين خليل أن خطوة توينبي تعتبر فتحاً جديداً في مجال التفسير التاريخي إلا أنه استدرك عليه ما يعتبره تأرجحاً وعدم إتزان وانفصالية (علمانية) بين القيم العقلية والروحية.
  

 

التعليقات مغلقة.