يوليو 30, 2007 - فكر و حضارة    التعليقات على فلسفة القراءات التاريخية (2) مغلقة

فلسفة القراءات التاريخية (2)

زكريا بن خليفة المحرّمي

 العلمانية بين الارتدادت والأفول

حدثت في ألمانيا مناظرة فريدة بين بابا الفاتيكان الحالي جوزيف راتسنجر الملقب بـ “بنديكت السادس عشر” وبين الفيلسوف الألماني يورغن هامبرس في مدينة ميونخ عام 2004 بعنوان (في ما يسبق الأسس السياسية للدولة الديموقراطية)،  

 

 

 ويرى علي حرب أن هامبرس قد فاجأ الجميع حين افتتح المناظرة باعترافه بوجود أزمة قيم وخيبات دائمة نتيجة المظالم العالمية التي تؤدي إلى تفتت المجتمعات وتشتت ركائزها، ويرى هامبرس أن العقل غير مستثنى من هذه الأزمة فقد تم إخضاعه إلى نقد جذري يطاول مبادئه التنويرية وأسسه العلمانية بحيث اضطر إلى الانفتاح على الحقل الديني بقواه وفاعليته. ويقرر هامبرس أنه في عصر (ما بعد العلمانية) لا مجال لتهميش الدين، بل لا بد من الاعتراف بفاعليته وأنه لا يمثل منطقة اللامعقول في جميع الأحوال بل له رصيده من الحقيقة. ويعزز أنتوني جيدنز ذات الشعور بتراجع العلمانية ويقر بأن المعتقدات الدينية تؤثر تأثيراً بالغاً في حياة الكثير من الأفراد والجماعات الغربية، وأن العلمانية غائبة في أكثر المجتمعات غير الغربية، بل ويذهب بيتر برجر إلى ما هو أبعد من ذلك فيقول أن (العالم اليوم مع بعض الاستثناءات ديني بقوة لم تكن له من قبل)، ويصل الأمر ذروته مع رودني ستراك وروجرفاينك اللذان يقدّران فيما ينقل عنهما فهمي جدعان أن الوقت قد حان لقبر الأطروحة العلمانية (بعد قرابة ثلاثة قرون من النبوءات والتصورات المغلوطة تماماً بشأن الحاضر والماضي، يبدو أن الوقت قد حان لأن نحمل عقيدة العلمنة إلى مقبرة النظريات المخفقة، وأن نتمتم هناك ونتلو بخطى سريعة الصلاة على روح الميت من أجل أن يرقد بسلام). وهذه الضجة المثارة حول مستقبل العلمانية ليست وليدة العقود الأخيرة فقد بدأت ارتدادات القراءة العلمانية للتاريخ تظهر بعد ميكافيلي على يد المؤرخ الفرنسي جان بودن (1530-1596) ومفكر فرنسي آخر هو لوي لور الذي ألف كتاب (في تقلبات الأشياء في العالم) عام 1577 أكد فيه وجود العناية الإلهية –بالمنظور الكاثوليكي- في صياغة حركة التاريخ، وقد تجلت الردة ضد القراءة العلماينة للتاريخ مع انتهاء الثورة الفرنسية حيث نشأ مفكرون يدافعون عن النظام الملكي وعن الكاثوليكية، ويذهب حسن حنفي إلى أن أول نتيجة لعمل الإرتداديين هو رد اعتبار العصر الوسيط، وترسيخ فكرة أن المسيحية قد ساعدت على تنوير الأذهان وفتح مجالاته المغلقة، وعلى صنع حضارة وتأسيس المدنية.   

 

وفي هذا الصراع بين التقدم والتراجع تعود فكرة (العناية الإلهية) من جديد حارسة للعالم، وبعد عودة الملكية أصبح النظام أفضل من التغيير، والوضع القائم أحسن من الثورة عليه، وقد تلاشت فكرة التقدم عند مفكري القرن العشرين بالكلية فسارتر ورسل يرون العالم يسير لا وفق غاية، وقاموا بتأسيس مدارس تاريخية رافضة للسننية التاريخية كان على رأسها الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (1902-1994) الذي ألف كتاب “المجتمع المفتوح واعداؤه” عام 1945 واعتبرفيه أن اعداء المجتمع هم أفلاطون وهيجل وماركس، لإنهم إذ اعتقدوا أن التاريخ يخضع لقوانين حديدية أرادوا أن يخضعوا الإنسانية وبالتالي الأفراد لهذه القوانين عينها. وربما كان كروتشه (1866-1952) هو آخر الهيجليين المنتصرين لفكرة الصراع والتقدم، وعادت فكرة التصور المسيحي الأول القائم على عقيدة الخطيئة والفداء، وقد توج شبلنجر وتوينبي فلسفات التاريخ في القرن العشرين معلنين نهاية الحضارة الأوربية وأفول الغرب وموت العلمانية.

التعليقات مغلقة.