ديسمبر 12, 2015 - فكر و حضارة    لا تعليقات

التطرف والحصانة العمانية … دراسة في التكوين الاجتماعي

الفكر والمجتمع:
من الأسئلة المفتوحة والتي لا تتسع لها الإجابات، هل الإنسان حر الاختيار كامل الإرادة أم أنه مسير وفق قوانين الكون والمادة، وهل الإنسان يصنع أفكاره أم أن ثقافة المجتمع هي التي تصنعه وتشكل مساراته، وهل الفكر هو من يبني المجتمع أم أن المجتمعات هي من يصنع الأفكار والاتجاهات ويحدد المسارات.
لقد اختلفت مقاربة المفكرين والفلاسفة لهذه الأسئلة، فأصحاب النظريات الجبرية الدينية منها والمادية يقولون بأن الإنسان مسير وفق التقدير الإلهي أو القانون الطبيعي. وأن فكر الإنسان واختياره ليس سوى تجلٍ لتكوينه البيولوجي من جهة، ولثقافة مجتمعه التي تشكل الفكر والمبادئ وقواعد السلوك، وبالتالي فإن إرادة الإنسان ليست سوى انعكاس لإرادة المجتمع أو هو في أحسن الأحوال إنفاذ للمشيئة الإلهية الأزلية.
أما أصحاب نظرية حرية الاختيار المتدينون منهم والماديون فيرون أن الخالق “الله عند المتدينين” أو “الطبيعة عند الماديين” خلق الإنسان وأعطاه القدرة على حرية الاختيار وبالتالي صناعة الأفكار. وهم يرون أن الإنسان يتصف بالقدرة على التعلم والإبداع، وأن إرادته هي إرادة حرة مستقلة عن القدر وثقافة المجتمع.
وقدم بعض علماء الأنثربولوجيا مقاربة توفيقية تقوم على فكرة أن الإنسان البدائي كان حر الإرادة، وأنه هو من اخترع المجتمع وخلق ثقافته، لكن ما أن قامت المجتمعات ورسخت وتمددت حتى ابتلعت الفرد الذي غدا دائرا في فلكها، أسيرا لثقافتها، وبالتالي فإن الإنسان المعاصر مسير وفقا لثقافة المجتمع.
والرأي الذي نطمئن إليه من بين جملة هذه الآراء أن الإنسان كائن فريد، فهو بجانب اتصافه بغريزة القدرة على التكيف والمحاكاة يتيمز كذلك بملكة القدرة على التعلم والإبداع، ولكن البشر يتفاوتون في درجة تفعيلهم لهذه الصفات، فكلما عطل الإنسان ملكة التعلم والإبداع واكتفى بغريزة التكيف والمحاكاة صار أقرب إلى إنفاذ الرأي القائل بأن الإنسان ليس حرا وإنما هو خاضع لإلزامات الفكر السائد وسابح في فلك الأقدار وقوانين المادة. أما حين يفعّل ملكة التعلم والإبداع فإنه يتحرر من قيود الفكر السائد ويكسر أغلال ثقافة المجموع وبالتالي فهو يتمثل الرأي الآخر القائل بأن الإنسان حر الإرادة، مخير في مساراته، وهو الصانع لأفكاره.
نتيجة لهذا التفاوت تجد المجتمعات عبارة عن هرم فسيفسائي ممتد من قاعدة مجتمعية عريضة اكتفت بغريزة التكيف والمحاكاة، ومجموعات أقل تتفاوت في تفعليها لملكتي العلم والإبداع، وفي قمة الهرم نجد قلة من البشر الذين تحرروا أو يكادون من القيود التي تفرضها غريزة التكيف والمحاكاة.
إن ابتعاد أغلب الناس عن تفعيل ملكتي التعلم والإبداع إنما يعود في جانب كبير منه إلى التجربة والألفة، والاطمئنان إلى نجاح السائد وقدرته على توفير الأمن والبقاء، وأن الإبداع ينطوي على التغيير والمغامرة بخسارة مكتسبات السائد خاصة تلك المتعلقة بالأمن المالي والأسري. أما المغامرة فإنها تستلزم استعدادات نفسية خاصة وشروط معرفية واسعة قد لا تتوافر سوى لدى القلة ممن ضحى بالعاجل من الوقت والمتعة انتظارا للآجل من الاكتشافات والرؤى والمسارات الفكرية التي تغير خارطة التفكير وتنتقل بالمجتمع من مستوى حضاري معين إلى مستوى أرقى وأفضل، وهكذا تتقدم المجتمعات.
لكن المجتمعات ليست في تقدم مستمر بل هناك فترات في دورتها الحضارية تصاب فيها هذه المجتمعات بانتكاسات تعرقل تقدمها وربما تهوي بها إلى هاوية التفكك والدمار والإنهيار، ومن بين أهم أسباب تفكك المجتمعات العربية في عهد ما بعد الربيع العربي وانهيارها هو انتشار ظاهرتي التطرف والإرهاب.

التطرف الأصول والأسباب:
لا يوجد تعريف متفق عليه للتطرف، ففي الإنجليزية هناك عدة مصطلحات يتم استخدامها للتعبير عن هذه الظاهرة أهمها، مصطلح Extremism، و Fundamentalism، و Fascism. بيد أن أكثرها تعبيرا عن التطرف هو مصطلح Extremism باعتبار أن المصطلحين الآخرين مرتبطين بالأصولية والقومية، الذين يمثلان نوعا من التطرف أيضا.
لم يعرف التراث العربي التطرف بمعنى الخروج عن الاعتدال، بل كان التطرف عندهم قسيما للطرفة والاستمتاع والمرح، ومن نماذج استخدام هذه المفردة بمعنى المرح قول الجاحظ في كتاب الحيوان: (وهذا بابٌ من أبواب الفراغ وشكل من أشكال التطرُّف وطريق من طرق المزاح، وسَبيلٌ من سُبُل المضاحك)(١ ). ويقول ابن ابنمنظور في لسان العرب: (ورجل طِرفٌ ومتطرفٌ ومستطرفٌ: لا يثبت على أمر)( ٢). بينما كان المصطلح الأثير في التراث الإسلامي للتعبير عن ما يسمى اليوم بالتطرف هو مصطلح “الغلو”، ومن يعبر عنهم اليوم بالمتطرفين كانوا يسمون “الغلاة” في التراث الإسلامي، ومصطلح الغلو هو مصطلح أصيل له امتداد في كتاب اللغة العربية الخالد القرآن الكريم الذي يقول: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم)النساء: 171.
لا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات من شخصيات مغالية رافضة للنسق الفكري والديني والسياسي السائد، لكن هؤلاء لا يمثلون ظاهرة في المجتمع لقدرة المجتمع على استيعابهم، ولعدم قدرتهم على استمالة الآخرين، بيد أن المجتمعات التي تنخفض فيها نسبة المرونة ويرتفع فيها منسوب الجمود تكون أكثر قابلية لانتشار الخطاب المتطرف أو المغالي.
يعتبر الاستبداد بكل أشكاله السياسية والاجتماعية والفكرية من أهم أسباب الجمود الاجتماعي، وبالتالي التطرف وما يتبعه من تفسخ وإرهاب، ويتعزز التطرف الذي يخلقه الاستبداد بعوامل عدة أهمها غياب العدالة والتهميش الاجتماعي وانتشار الفقر وانهيار التعليم وانتشار الجهل، فالأفراد المحرومون والمهمشون هم الأكثر قابلية لتمثل خطابات الكراهية والانتقام والرغبة في إلحاق الأذى بأنفسهم والآخرين.
ومن أشد أنواع التطرف خطورة التطرف الديني لأنه يلامس المقدسات التي يتعامل معها المرء عادة بصورة تلقي وتسليم دون محاكمات عقلية ولا مقاربات نقدية، إضافة إلى أن الأديان تعتمد على النصوص، والنصوص بطبيعتها منفتحة على التأويلات المختلفة، وقابلة للتوظيفات المتعددة، إضافة إلى قدرة تلك النصوص على الاستنهاض والتحريض لا على المستوى الفردي بل وعلى المستوى الجماعي كذلك، وأكبر تجليات هذا التوظيف المتعسف للنصوص الدينية نجده ماثلا لدى الحركات الإرهابية المعاصرة، كتنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش وتنظيم القاعدة.
عادة ما يكون التطرف حالة فردية في المجتمع أو فئوية في أقصى تقدير، بينما تظل الكتلة الاجتماعية الكبرى معتصمة بالفكر الوسطي لأنه أكثر إشعارا بالطمأنينة والأمن وعدم الحاجة إلى المغامرة والتضحية، وعادة ما يكون الخطاب الرسمي للدول هو خطاب وسطي يحاول تثبيت استقرار المجتمع وتحصينه من التطرف، لكن بعض الدول تضطرها التوازنات السياسية والاجتماعية إلى تبني خطابات متصالحة معها لكنها خطابات مشحونة بالكراهية والإقصاء وتكفير الآخر وتنجيسه، وهنا تعمل الدول ذاتها ودون وعي منها على تفريخ التطرف الذي تتربى فيه تنانين الإرهاب وشياطينه.

الإرهاب وفوضى المصطلحات:
ما الإرهاب، سؤال ما يزال معلقا بلا إجابة مانعة جامعة، هذا الغموض الذي يلف المصطلح والذي عبرت عنه الموسوعة البريطانية بالقول “تعريف الإرهاب عادة ما يكون معقدا ومضطربا”[٣ ]. اضطراب أدى إلى تعطيل قدرة هيئة الأمم المتحدة عن إيجاد استراتيجيات واضحة لمكافحة الإرهاب ووضع وثيقة يتفق عليها الأعضاء بخصوص الإرهاب. ويرجع تقرير الأمم المتحدة عدم اتفاق الأعضاء إلى قضيتين أساسيتين، الأولى، هي الموقف من العنف الذي تمارسه الدولة ضد الشعب، والقضية الأخرى هي الموقف من المقاومة الشعبية للاحتلال[ ٤].
والإرهاب مصطلح ليس حديثا في لغة العرب، فقد وردت اشتقاقات المصدر “رهب” أثني عشرة مرة في القرآن الكريم، حيث وردت يرهبون وترهبون وفارهبون واسترهبوهم والرهب ورهبة ورهباً ورهباناً ورهابنية، وكلها تحيل إلى معنى الفزع والخوف الشديد. كما يقول الزمخشري: “يقشعرّ الإهاب، إذا وقع منه الإرهاب”( ٥).
ولعل أكثر تعريفات الإرهاب انتشارا اليوم هو ما اعتمدته وزارة الخارجية الأمريكية وهو: “أي الفعل المتعمد والعنف الموجه سياسيا ضد الأهداف غير المقاتلة”[٦ ]. لكن هناك تعريفات أخرى يكون فيها الدافع العقائدي أكثر أهمية من الدوافع السياسية، ويمكننا اعتبار القرآن الحكيم أقدم مصدر يذكر الإرهاب مقترنا بالحرب العقائدية ضد الأعداء كما في قوله تعالى، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) الأنفال: 60. مع مفارقة جوهرية بين الإرهاب في هذا النص القرآني الذي يحيل إلى الفزع في قلوب المقاتلين من الأعداء والذي يمنع القتال وبالتالي يحفظ أرواح الأبرياء واستقرار المجتمعات البشرية، وبين الإرهاب الذي ينتشر اليوم باسم الإسلام والقرآن ولكنه يستخدم قتل الأبرياء لإشاعة الفزع والفوضى وعدم الاستقرار.
إن الأسباب المفرخة للتطرف هي ذات الأسباب الدافعة إلى الإرهاب، لكن السؤال ما الذي يدفع بعض المتطرفين إلى ممارسة الإرهاب، وما الذي يمنع غيرهم من الانجراف في أتونه؟. يبدو من خلال تتبع مسار الحركات الإرهابية في العالم العربي والإسلامي أن الإرهاب يرتبط دائما وأبدا بالتدخل الأجنبي، فتنظيم القاعدة نشأ نتيجة التدخل الروسي والغربي في أفغانستان والبلدان العربية، وداعش نشأت بعد الغزو الأمريكي للعراق، والدعم الروسي والإيراني للنظام السوري. ولأن أغلب الدول العربية تعاني من الاستبداد السياسي أو الديني، فإنها تشكل حواضن طبيعية لنشوء الحركات المتطرفة التي يستطيع الآخر الخارجي استثمارها لإطلاق شيطان الإرهاب من قمقمه لتدمير المجتمعات وانهيار الدول وهو ما يحدث اليوم في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وهناك الكثير من الدول الأخرى مرشحة للانجرار في ذات الهواية ما تتدارك نفسها، وتستفيد من تجارب غيرها ودروسه.

عمان والحصانة ضد الإرهاب:
في المؤشر العالمي للإرهاب الصادر في نهاية نوفمبر 2015 عن معهد الاقتصاد والسلام، تم اعتبار سلطنة عمان دولة خالية من الإرهاب[ ٧]. إلى جانب تقارير أخرى تؤكد عدم اشتراك أي مواطن عماني في أي من التنظيمات الإرهابية الدولية. إضافة إلى عدم دخول الدولة العمانية في أي حرب أهلية في المنطقة، بل ومبادرتها في تقريب وجهات النظر بين المختلفين وتسهيل المفاوضات بين المتصارعين كما هو الحال في الملف النووي الإيراني والصراع في اليمن.
لتعليل هذه الظاهرة العمانية الفريدة يقدم البعض إجابات سريعة ومبتسرة من قبيل إباضية عمان أو حكمة السلطان، وهي إجابات وإن كانت صحيحة في بعض جوانبها إلا أنها لا تخلو من تعجل واجتزاء، لأننا لا نستطيع دراسة سلوك فرد ما فضلا عن دراسة ثقافة مجتمع وهوية شعب من خلال دراسة عامل واحد أو عاملين، بل نحن بحاجة إلى دراسة جميع العوامل المكونة لشخصية هذا المجتمع وبنيته الفكرية والمعرفية، بما فيها العامل الجغرافي والتاريخي والإثني والديني والسياسي والاقتصادي.
لدراسة تكوين العقل العماني لا بد للباحث أن ينطلق من دراسة الجغرافيا والمناخ والأصول العرقية والأصول الدينية والتاريخ السياسي والاجتماعي، حيث تؤثر هذه العوامل منفردة بشكل مباشر في صناعة الثقافة العمانية وتؤثر مجتمعة بشكل غير مباشر في صياغة الوعي المجتمعي، وبالتالي في بروز ملامح ما يمكن تسميته بـ “الشخصية العمانية”، وهو ما نرومه في هذه الورقة.

بنية الشخصية العمانية:
كتب كينيث كاتزمان في تقريره إلى الكونجرس الأمريكي ملخصا التاريخي العماني بالقول: “ظل العمانيون مستقلين منذ طردهم للاستعمار البرتغالي عام 1650م، ثم قامت دولة آل بو سعيد عام 1744 التي امتدت إلى زنجبار ومناطق أخرى من الساحل الشرقي الأفريقي حتى عام 1861، وقد انتهت الثورة الطويلة التي قادها إمام عمان وهو رأس المذهب الإباضي عام 1959 الذي يشكل أتباعه الإباضيون 75% من السكان. ولد السلطان قابوس بن سعيد في نوفمبر عام 1940 وهو الحاكم الثامن عشر في دولة آل بو سعيد، وقد تولى عرش عمان في يوليو 1970″[٨ ].
يلخص كاتزمان أهم المحطات السياسية في تاريخ عمان حتى لحظة تكوين الدولة العمانية الحديثة عام 1970 حين تولى السلطان قابوس بن سعيد الحكم عوضا عن والده سعيد بن تيمور. لكن أهم ما في هذا النص غير العماني هو حديثه حول الاستقلال العماني الأزلي، وتكوين إمبراطورية مترامية الأطراف في أفريقيا وآسيا، والتميز الديني بوجود مكثف لما يسمى المذهب الإباضي، كل هذه العوامل وغيرها ساهمت بشكل مباشر في صياغة بنية العقل العماني وتكوين الشخصية العمانية المحصنة ضد الإرهاب، وأهم هذه العوامل هي:

أولاً: الجغرافيا:
تقع عمان في الأقليم الجنوبي الثاني من الأقاليم السبعة التي قسم بها المسعودي العالم في كتابه “نزهة المشتاق”( ٩). ويرى ابن خلدون أن سكان الأقليم الثالث والرابع هم الأقرب إلى الاعتدال، بيد أنه يستدرك بالقول: (ولا يعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت والأحقاف وبلاد الحجاز واليمامة وما أليها من جزيرة العرب في الإقليم الأول والثاني، فإن جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث كما ذكرنا فكان لرطوباتها أثر في رطوبة هوائها، فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه الحرّ، وصار فيها بعض الاعتدال بسبب رطوبة البحر)(١٠ ).
إذن لرطوبة البحر تأثيرها الفعال في الانفتاح وغرس قيم الاعتدال في البشر، وهو ما يؤكده ابن خلدون ثانية بالقول: “البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة)( ١١). وعمان لها النصيب الأوفر من مجاورة البحار مقارنة بجميع الدول العربية شرقا وغربا.
لا ينحصر تأثير البحر على السلوك البشري والعلاقات الاجتماعية من خلال تأثيره على المزاج وحسب، بل هناك تأثيرات أخرى هامة، منها أن المناطق البحرية عادة ما تكون ممرا لطرق التجارة العالمية، وتكون أيضاً قطباً جاذبا للهجرات السكانية التي تؤدي بحسب علماء الاجتماع (إلى التنوع الأثني والثقافي في كثير من المجتمعات، كما تسهم في إعادة تشكيل الأوضاع الديموغرافية السكانية والاقتصادية والاجتماعية)( ١٢)، وقد كانت عمان، محطة من محطات ما يعرف بـ”طريق الحرير” الذي كان يصل بين الحضارات الرومانية والمصرية والهندية والصينية. وتذهب إحدى الوثائق الأكادية إلى أن الإمبراطور سرجون ملك أكاد (2300ق م) قد جلب مراكب من عمان إلى بلده( ١٣).
إضافة إلى أن للبحر سحرا، فهو ما ينفك يدفع سكانه إلى محاولة الغوص في مجاهله واكتشاف العوالم الأخرى المحيطة به، وهذا الفضول الكشفي والشبق المعرفي يساهم في التعرف على الحضارات المختلفة وثقافات الشعوب وبالتالي إلى قبول الآخر واحترامه، وقد كان العمانيون من أبرز الملاحيين العالميين، فأبو عبيدة عبدالله بن القاسم أول عربي وصل إلى الصين ونشر فيها الإسلام، وأحمد بن ماجد هو الملاح العربي الذي دلّ الأوربيين على طرق الملاحة الآمنة للوصول إلى الهند، وكانت الأساطيل العمانية هي المتحكمة في حركة الملاحة البحرية على امتداد سواحل بحر العرب والمحيط الهندي( ١٤).
وكما أن للبحر تأثيرا في طبائع الناس وعاداتهم للصحراء كذلك سحراً وتأثيراً، فهي مرتبطة بالانكشاف والشعور بانعدام الأمن والاستقرار، الأمر الذي يدفع سكانها إلى كثرة التنقل والترحال بحثاً عن مصادر الأمن الغذائي والاجتماعي، مما يجعل سكانها أكثر ميلا إلى إعانة الآخرين وإكرامهم، فمن تكرمه اليوم سيأويك غدا ولن يمنعك الغذاء والماء. إضافة إلى ما أشار إليه ابن خلدون بقوله: (وتجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش … هذا أمر تشهد له التجربة)( ١٥). وقال أيضاً: (وأعلم أن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في حال الدين والعبادة، فنجد المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي عن الملاذ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل الترف والخصب)( ١٦).
كل هذه العوامل الجغرافية المتمثلة في مجاورة البحر والصحراء كان لها دور بارز في ترسيخ قيم التعددية وقبول الآخر والانسجام.

ثانيا: الأصول العرقية.
يذكر المؤرخ الروماني سترابون المتوفى سنة 19 للميلاد بأن الفينيقيين جاؤوا من شواطئ جزيرة العرب وبالتحديد من البحرين وعمان( ١٧)، ويقول أمين الريحاني: (ما أجمع عليه المؤرخون والآثاريون أن الفينيقين مثل العرب ساميون، بل أنهم عرب الأصل، نزحوا من الشواطئ العربية الشرقية على الخليج العربي)(١٨ ). ومما يؤكد هذه الفرضية تشابه اسم مدينة “صور” التي يوجد بها المرفأ العماني الأشهر تاريخيا مع اسم مدينة “صور” الساحلية اللبنانية. ومعروف أن الفينيقيين كانوا شعبا محبا للعلم والمعرفة والتجارة والتواصل والانسجام مع بقية الشعوب، ويبدو أن بعضا من تلك الروح الفينيقية المحبة للتعددية والسلام ما تزال تسري في الثقافة العمانية.
إضافة إلى الأصول الفينيقة ينتسب العمانيون إلى أصول أخرى متعددة أهمها العرب الذين هاجروا من اليمن إلى عمان وبقية مناطق شبه الجزيرة العربية. ونتيجة لتمدد الدولة العمانية في مناطق شبه القارة الهندية والسواحل الأفريقية فإن أفرادا وجماعات بشرية كثيرة تحركت من تلك المناطق إلى وصاروا جزءا أصيلا من أصول المجتمع العماني متعدد الأعراق.
إن التعددية العرقية كانت وما تزال مصدر ثراء لأي مجتمع ومنجم إغناء ثقافي وفكري واقتصادي. إن الفرد الذي يولد في المجتمع ذي العرقية الواحدة ينظر إلى البشر من ذوي الأعراق الأخرى باعتبارهم مغايرين وأغرابا. إن الغيرية تولد التوجس وعدم الإطمئنان وصعوبة الاندماج إن لم يكن الاستعداء. أما الأفراد الذين ينشأون في المجتمعات المتعددة الأعراق فهم يشعرون بالألفة مع الآخر والطمأنينة له، ويعيشون في مودة وانسجام وكأنهم خلايا متنوعة في نسيج واحد، وهو ما يميز المجتمع العماني.

ثالثاً: الدولة العريقة.
تشير المصادر التاريخية إلى أن انتقال العرب الجماعي والحاسم من اليمن إلى عمان في أزمنة غابرة قد تعود إلى زمن إبراهيم عليه السلام، حيث هاجرت القبئل الأزدية إلى مكة مع اكتشاف منابعها المائية، ويذهب السالمي إلى أن تلك الهجرة ربما تكون حديثة أيام حكم دارا بن دارا بن بهمن بن اسفنديار( ١٩). بيد أن هذ المراجع مجمعة على أن تلك الهجرة كان على رأسها ملك الأزد مالك بن فهم، الذي يشير اسمه إلى الملك والفهم والحكمة. وتشير تلك المصادر إلى أنه ترك في طريقه ولاة ظفار وغيرها من المناطق البعيدة عن قلهات التي جعلها عاصمة لمملكته، واستمر الحكم في أبناء مالك إلى أن اسقط الفرس دولتهم فاجتمع العمانيون تحت راية عبد عز بن معولة بن شمس الذين استمرت دولتهم إلى العهد الأموي( ٢٠).
قامت الدولة العمانية على أسس من العدل والشورى، ولا أوضح على ذلك من قصة وصول عمرو بن العاص برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى ملك عمان يدعوه فيها إلى الإسلام، فقام الملك بإرسال الرسالة إلى شيوخ القبائل وأعيان المناطق ليشيروا عليه فيما يجب أن يتخذه من موقف(٢١ ).
إضافة إلى ذلك فإن عمان تتميز بميزة قل نظيرها في جميع دول الجوار وهي أنه لم يحكمها أي فرد من غير العمانيين، فحتى تلك الفترات التي احتل فيها البرتغاليون شواطئ عمان والخليج ظلت الدولة العمانية باقية في قمم الجبال وأعماق الأودية وفي قلب الصحراء. إن الحكم الأجنبي لأي أمة يؤدي إلى كسر روحها الجمعية وقابليتها لتمثل ثقافة المنتصر. بينما حافظ العمانيون على ثقافتهم العريقة الممتدة آلاف السنين دون أي تأثير جوهري من قبل الغزاة الذين حاولوا مسح اللوح وإعادة كتابة ثقافة المجتمع.
يشير علماء الاجتماع إلى أن الأوضاع السياسية القائمة على الاستبداد والهيمنة تؤدي إلى تأجيج مشاعر العداء اتجاه الأفراد والجماعات الأخرى وإلقاء اللوم عليها واستخدامها “كبش فداء” للتنفيس عن حالة الضعف والقهر(٢٢ )، بينما ترتبط العدالة الاجتماعية بقيم التعددية والانسجام، ولأن عمان منذ الأزل عاشت عهدا مستقرا قائماً على العدل والشورى فإنها لم تعرف الاضطهاد العرقي ولا الديني ولا الطائفي، بل قام المجتمع فيها على أسس العدل والشورى والتعددية والانسجام.

رابعاً: المدرسة الإسلامية العمانية.
يعتبر التابعي جابر بن زيد الأردي العماني (ت 93هـ) هو المؤسس للمدرسة الإسلامية العمانية في البصرة والتي سماها الأمويون بـ”الإباضية” لأسباب أهمها تجريد ارتباط هذه المدرسة بالشخصيات الأزدية لما في ذلك من أثر قبلي واجتماعي خطير على الدولة الأموية. إضافة إلى أن ربط هذه المدرسة بالشخصيات العسكرية التي خاضت حروب تلك المرحلة يؤدي إلى توجس الناس منها. وأتباع هذه المدرسة لم يكونوا يتسمون بهذا الإسم، حيث يقول عبدالله بن حميد السالمي (ت ق13هـ):
إن المخالفين قد سمونا *** بذاك غير أننا رضينا
ونحن الأولون لم يشرع لنا *** نجل إباض مذهبا يحملنا
من ذاك لا تلقى له في المذهب *** مسألة نرسمها في الكتب
فنحن في الأصل وفي الفروع *** على طريق السلف الرفيع( ٢٣).
ويذكر العوتبي (ق5هـ) هذا السلف في كتابه الضياء في فصل خاص يسميه “نسب الدين” فيقول: (محبوب بن الرحيل ومحمد بن المعلا الفشحي حملوا عن الربيع بن حبيب وغيره من فقهاء البصرة والربيع وعبدالله بن يحيى طالب الحق عن جابر بن زيد، وجابر بن زيد عن عبدالله بن عباس، وعبدالله بن العباس عن عمر بن الخطاب وعائشة)(٢٤ ). وهذا النسب للمدرسة الإسلامية العمانية والذي يسرده أحد أبرز رموزها في القرن الخامس الهجري لا يوجد فيه أي ذكر لعبدالله بن إباض، وإنما يرجع تسلسل إسناد هذه المدرسة إلى الربيع بن حبيب صاحب المسند ثم إلى جابر بن زيد مؤسس المدرسة وكلاهما من أبناء عمان.
نشأ جابر في المجتمع العماني في نزوى وفي البصرة التي كان أزد عمان يشكلون نسبة كبيرة من سكانها، وقد تأثر بروح التعددية العمانية والانسجام التي برزت في فكره وتراثه الفقهي، لذلك لم يكن مفاجئا اعتماد جابر بن زيد وتلامذته من بعد الشورى منهجا في فقههم السياسي وسبيلا في ممارستهم التطبيقية، لأنه النهج الذي كانت تسير عليه سياسة الدولة العمانية ما قبل الإسلام. لذلك نستطيع القول بكثير من الثقة بأن الثقافة العمانية هي التي صنعت مدرسة جابر بن زيد “الإباضية” وليس العكس، وقد قامت هذه المدرسة بتعزيز المبادئ والأخلاق التي قام عليها المجتمع العماني ورسختها من خلال انتاج العلماء العمانيون الفقهي ومن خلال الممارسة السياسية القائمة على العدل والشورى والمشاركة السياسية للأئمة الذي ينتسبون لهذه المدرسة. يقول حسين عبيد غباش في كتابه “عمان والديمقراطية الإسلامية”: (وفي السياق التاريخي الإسلامي، نجد أن تطبيق مبدأي الإجماع والتعاقد قد عُلق واقعا … في حين طبق العمانيون هذين المبدأين على مستوى الإمامة وعلى مستوى الدولة والمجتمع، بل وفي كل الأمور، وذلك منذ القرن الثاني الهجري “القرن الثامن الميلادي”. بعبارة أخرى، امتدت هذه التجربة العمانية، مع بعض الانقطاع، اثني عشر قرناً. وإذا سلمنا بأن التطبيق الكامل لمبدأي الشورى والانتخاب الحرّ لزعيم الأمة- أي الإجماع والتعاقد- هما جوهر الديمقراطية، فإن الإمامة الإباضية العمانية يمكن أن تعد أطول تجربة ديمقراطية في تاريخ الإنسانية)(٢٥ ).
وبجانب تميز المدرسة الإسلامية العمانية بما يسميه حسين غباش بالديمقراطية والتي تحدثنا عن أثرها الإيجابي في تعزيز روح الانسجام، فإنها تتميز كذلك بالنزوع إلى الوحدة ورفض الانقسام والتمذهب، لذلك رفضوا أن يتسموا بأي اسم عدا “المسلمين” و “جماعة المسلمين”(٢٦ ) الذي اختاره الله تعالى لعباده حين قال: (هو سماكم المسلمين من قبل)الحج: 78. وسموا أنفسهم أيضا بأهل الحق، وهذه التسمية وحدوية بامتياز ولا يراد منها التميز ولا الفرقة، حيث يقول الفقيه العماني سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري (ق5هـ): (ويقال أنا على فرقة الحق من مذهب الحق لأن الحق يجمع المذاهب والفرق كلها. فصاحب الحق ثابت على الجماعة)(٢٧ ). كما تقوم هذه المدرسة أيضا على مبدأين جوهريين في موقفها من الآخر المسلم.
المبدأ الأول: حسم الموقف من الآخر وعدم السماح لأي شخص بتجاوز هذا التصنيف الصارم، وهو أن حكم جميع المخالفين أنهم مسلمون موحدون لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين من واجبات، فيجوز الأكل معهم والزواج منهم، ويجب حفظ دمائهم وأموالهم وأعراضهم، والأهم أنه يحرم وصفهم بالشرك، ولا يجوز معاملتهم معاملة المشركين. وهذا مبدأ هام جدا لأن جميع المدارس الأخرى السنية والشيعية فما تزال قضية الموقف من الآخر غير محسومة لديهم، لأن تراثهم وآراء أئمتهم المعاصرين مذبذبة بين رأيين، بين رأي الخوارج الذي يعتبر مخالفيه مشركين، وبين رأي الإباضية الذي يعتبر مخالفيه مسلمين غير مشركين.
إن تحريم أتباع المدرسة العمانية لتشريك الآخر وإخراجه من الملة لا يعني أنهم لم يعتبروه مبتدعا، ولا يعني أن بعض علماء هذه المدرسة لم يتجاوز حد الاعتدال وزعم أن المخالفين كفارا وأن مصيرهم إلى النار خالدين فيها أبدا، ولكن هذا القول لا يناقض مبدأ كون المخالفين غير مشركين، لأن العمانيون يفرقون في توصيفهم للكفر بين المعنى اللغوي للكفر بمعنى التغطية وهو ما اصطلحوا على تسميته بكفر النعمة أو ما يسميه غيرهم بكفر دون كفر أو الكفر الأصغر، وبين معناه الاصطلاحي بمعنى عدم الإيمان بالله أو الشرك به وهو ما اصطلح عليه باسم كفر الجحود أو الكفر الأكبر. فالعمانيون يعتبرون كل صاحب كبيرة من المعاصي كافرا بنعمة الله أو كافرا كفرا أصغر ولكنه هذا الكفر لا يخرجه من الملة، ولا يسقط حقوقه الدنيوية كمسلم واجب احترام الدم والعرض والمال. أما المدارس الأخرى التي لم تحسم الموقف من الآخر فإنها لا تفتأ أن ينبت بين ظهرانيها أفرادا وجماعات يعتبرون الآخر مشركا خارجا من الملة، ليس له حقوق المسلمين ولا حرمة لدمائه ولا لعرضه ولا لأمواله.
إن هذه الآراء التي تنجس الآخر وتخرجه من الملة هي الأساس الذي ينتصب عليه اليوم خطاب الجماعات الطائفية الداعي إلى الكراهية والجماعات الإراهبية الممارسة للعنف. بينما لا نجد لهذه الآراء أي وجود في الخطاب الديني العماني الذي تضبط إيقاعه المدرسة الإسلامية العمانية، التي لا تقبل التعدي على إسلام الآخر، وترفض تنجيسه. لذلك عاشت عمان منسجمة اجتماعيا يتزواج فيها أصحاب المذاهب المختلفة من بعضهم بعضا، فكلمة التوحيد عاصم للجميع من التنجيس والتشريك. يقول أبو الحسن البسيوي (ق4هـ)، ذاما للخوارج وابتداعهم جريمة تشريك المخالفين واستحلال دمائهم: (إن الخوارج الأزارقة وإمامهم نافع بن الأزرق وهو إمام الخوارج، وهو أول من سنّ سنة تشريك أهل القبلة، واستحل السباء والغنيمة منهم، حرّموا موارثهم ومناكحتهم وأكل ذبائحهم وأنزلوهم بمنزلة حرب النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين)( ٢٨).
المبدأ الثاني من مبادئ المدرسة الإسلامية العمانية: هو أن المعصية الكبيرة تؤدي إلى الخلود في النار إن لم يتخلص الإنسان منها بالتوبة وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، وقد تجلى أثر هذا المبدأ في موقف اتباع المدرسة العمانية من مخالفيهم حيث اعتبروا التعدي على أعراضهم وأموالهم ودمائهم كبيرة من كبائر الإثم وسببا للخلود في النار، يقول أبو الحسن البسيوي (ق 4هـ): (لا يحل من دماء أهل القبلة شيء بعد إقرارهم بالإسلام …يعني لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق بالظلم والعدوان، فمن فعل ذلك يصلى نارا إن لم يتب كما قال الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم دماؤكم وأموالكم عليكم حرام” فجمع ذلك وقرن حرمة الدماء والأموال)(٢٩ ). ويذكر التاريخ العماني أن الإمام الجلندى بن مسعود (ت 134هـ) مات ميتة شرف لا تكاد تجد لها في التاريخ الإنساني نظيرا، فقد قتل دفاعا عن عن سيف شيبان الخارجي الذي حاول غزو عمان وقتل العمانيين، ولكن الإمام الجلندى تصده له وهزمه، وتمكن بعض العمانيين من قتله في السجن، فقرر الإمام الجلندى إرجاع سيف شيبان وخاتمه إلى ورثته وأهله، ولكن خازم بن خزيمة الخراساني عامل العباسيين أمرهم بتسليمه سيف شيبان وخاتمه لتقديمه للخليفة العباسي، فرفض الإمام الجلندى والعمانيون ذلك باعتبار أن الخاتم والسيف الذي وإن كان قد قتل بها جمع من العمانيين وسفكت به دماء عمانية زكية إلا أنه يظل حقا لورثة شيبان ولا يجوز إعطاءه غيرهم، فقاتلهم العباسيون وقتلوا الإمام العماني دفاعا عن حق ورثة عدوهم ومخالفهم في المذهب الذي حاول غزو بلدهم( ٣٠)، ومثل هذه الأمانة والعدل والإحسان للآخر لا تجد لها مثيلاً إلا في الثقافة العمانية.
إن الفكر القائم على حفظ الآخر في دمه وماله وعرضه، والقائم على عدم جواز التسمي إلا باسم الإسلام واعتبار الحق جامعا للأمة جميعا، هو فكر يلغي ظاهرة “التمركز الطائفي” المماثلة للتمركز الأثني التي يشير إليها علماء الاجتماع( ٣١). حيث يلازم “التمركز الطائفي” في أحيان كثيرة الميل إلى التفكير التنميطي بحيث ينظر إلى أتباع المذاهب الأخرى باعتبارهم غرباء ومنحطين أخلاقيا وخارجين على الدين، وهذه المركزية الطائفية تتعزز لدى أتباع المذاهب التي تحرّم الزواج من أبناء المذاهب الأخرى وتمنع من التعامل معهم الأمر الذي يزيد في حدة المفاصلة المذهبية والطائفية، أما المدرسة الإسلامية العمانية فإنها قائمة على الانفتاح على المذاهب الأخرى، وإلغاء الحدود الفاصلة بينها، وتشجيع التزاوج بين أبناءها، مما عزز روح التعدية والانسجام بين كافة أبناء النسيج العماني الواحد.

خامساً: التصوف.
يقوم الفكر الصوفي على المحبة، محبة الله والإنسان، يقول ابن عربي: لقد صار قلبي قابلا كل صورة، فمرعى لغزلان وديرا لرهبان، وبيتا لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن، أدين دين الحب أنى توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني.
ومعلوم أن التصوف منتشر بشكل كبير لدى أبناء المذاهب السنية في عمان خاصة في محافظة ظفار حيث توجد المجالس الشهيرة والمزارات، والأمر ذاته لدى علماء أتباع المدرسة الإسلامية العمانية حيث انتشر التصوف أو ما يسمى “علم السلوك” بينهم مع بداية القرن العاشر الهجري وبلغ أوجه لدى ناصر بن جاعد الخروصي في القرن الثالث عشر الهجري حيث قام بشرح قصيدة ابن الفارض المعروفة “نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك”، وأكد ناصر بن جاعد في هذا الشرح على أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فهو من أهل الجنة بغض النظر عن طائفته أو مذهبه(٣٢ ). وهذا الرأي العماني الذي يتجاوز فيه التسامح حدود الدين الواحد ليشمل أتباع بقية الديانات التوحيدية كفيل بنزع فتيل كثير من ألغام التعصب الديني والاحتراب الطائفي التي تهدد العالم.

سادساً: الدولة العمانية الحديثة.
قامت الدولة العمانية الحديثة في عام 1970 مع تولي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم، حيث عمل على إنشاء دولة مدنية قائمة على أسس المواطنة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، فالتعليم والصحة والخدمات والمناصب الحكومية والعسكرية والأمنية متاحة لجميع أبناء عمان بغض النظر عن أصولهم ومذاهبهم.
كما عمل السلطان قابوس على تشجيع التبادل الثقافي مع دول العالم المختلفة من خلال إنشاء كراسي علمية وأكاديمية، وإنشاء مجالس ثقافية في مختلف دول العالم، إضافة إلى إنشاء مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية الذي يشرف على الكثير من الفعاليات الثقافية والعلمية التي تعرف بالثقافة العمانية في الخارج وبالثقافة العالمية في عمان(٣٣ ).
كما أمر السلطان بإصدار دورية ثقافية بعنوان (التسامح) التي ابتدأ صدورها في شتاء 2003، ثم تغير اسمها في عام 2010 إلى التفاهم تأكيداً على أن المجتمع العماني قد تجاوز مرحلة التسامح وهو يعيش روح التفاهم والتعددية والانسجام.
اختار السلطان قابوس على مستوى السياسة الخارجية طريقا وسطا بين تهور بعض الحكام ودخولهم في حروب لا طائل منها، وبين خمول آخرين وسلبيتهم وعدم نصرتهم للمظلومين، فقد كانت سياسة عمان منذ تولي السلطان قابوس قائمة على أربعة مبادئ:
الأول: استقلال السياسة الخارجية عن أي تأثير إقليمي أو دولي.
الثاني: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
الثالث: مد جسور الصداقة مع جميع الدول.
الرابع: نصرة المظلومين.
وقد جاء الموقف الرسمي العماني من أحداث المنطقة العربية وما تشهده من حروب أهلية وطائفية متوافقا مع هذه المبادئ، حيث لم تستجب السياسة العمانية لأي إغراء بالدخول في أي من تلك المعارك، ولم ترض أن تكون طرفا في أي حلف من الأحلاف المتضادة، كما جعلت مسافة فاصلة بينها وبين كافة الأطراف، في الجانب الآخر هي لم تنأى بنفسها عن عذابات المظلومين ولا صرخات الجرحى والمشردين بل فتحت أبوابها لأصحاب النوايا التصالحية، ودعمت الحوارات السرية والعلنية كما هو الحال في الملف النووي الإيراني واليمني. في ذات الوقت الذي استمرت فيه بتقدم المعونات المادية للاجئين السوريين والجرحى اليمنيين.
أما على مستوى السياسة الداخلية فقد حاول السلطان قابوس استيعاب جميع مكونات المجتمع من خلال تمثيل القبائل والمناطق والمذاهب في مجلس الوزراء أو مجلس الدولة أو في قيادات المؤسسات العسكرية والأمنية، لذلك لا يوجد في المجتمع العماني أي شعور بالتهميش لا الإثني ولا القبلي ولا المناطقي ولا المذهبي، فالكل سواء أمام مؤسسات الدولة، والكل جدير بتبوأ أعلى المناصب بحسب الكفاءة والمؤهلات والتوازنات التي سبق ذكرها.

هذه إجمالا هي العوامل المحددة للشخصية العمانية المتصالحة مع الذات والمنسجمة داخليا والمحايدة خارجيا، وهي عوامل يشترك العمانيون مع غيرهم في كثير منها، وينفردون عن غيرهم ببعض منها، وعلى العمانيين دراسة هذه العوامل دراسةً موضوعية مفصلة لترسيخها وتثبيت أركانها، وعلى غيرهم دراسة التجربة العمانية بعيدا عن صخب الجدل السياسي والاحتراب المذهبي، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها، وبدلا من استهلاك الأعمار في دراسة التجارب الغريبة عن العرب جغرافيا وإثنيا ودينيا ولسانيا وثقافيا تنتصب التجربة العمانية أمام الجميع كتجربة عربية إسلامية أصيلة استطاعت أن تمخر عباب الزمن رغم أعاصير الفتن وأمواج التحزبات ورياح الاستقطابات واستطاعت أن تحافظ على انسجامها الداخلي ووحدة نسيجها الاجتماعي، فهي بحق مدرسة إنسانية قل نظيرها، وهي الأحق بالدراسة والتمثّل.

هذه الورقة تم تقديمها في مؤتمر التطرف الفكري ومدى تأثيره على المجتمع العربي المنعقد في مسقط بتاريخ ٧-٨ ديسمبر ٢٠١٥.

++++++
١- الجاحظ، لحيوان ج1ص61
٢- ابن منظور، لسان العرب مادة طرف، ج2ص2373. مؤسسة الأعلمي للممطبوعات
٣- Terorrism. Encyclopedia Britannica. Accessed on 3/12/2015. http://www.britannica.com/topic/terrorism
٤- Terorrism. UN. Accessed on 3/12/2015. http://www.un.org/News/dh/infocus/terrorism/sg%20high-level%20panel%20report-terrorism.htm
٥- الزمخشري. أساس البلاغة، ص 186.
٦- Chapter 1 US Department of State. Accessed on 3/12/2015. http://www.state.gov/documents/organization/65464.pdf
٧- Global Terrorism Index 2015. Accessed on 3/12/2015. http://economicsandpeace.org/wp-content/uploads/2015/11/Global-Terrorism-Index-2015.pdf
٨- Kenneth Katzman. Oman: Reform, Security and U.S Policy. Congressional Research Service. July 12, 2013. www.fas..org/sgp/crs/mideast/RS21534.pdf
٩- ابن خلدون “المقدمة” ص56 .
١٠ ابن خلدون “المقدمة” ص80 .
١١- ابن خلدون “المقدمة” ص85 .
١٢ أنتوني غدنز “علم الاجتماع ص 335.
١٣- http://.ar.m.wikipedia.org مادة طريق الحرير.
١٤- للاطلاع على مزيد من دور العمانيين في الملاحز العمانية انظر عبدالله العليان “التاريخ البحري العماني”. مجلة نزوى العدد 29.
١٥- ابن خلدون “المقدمة” ص85 .
١٦- ابن خلدون “المقدمة” ص86 .
١٧- http://.ar.m.wikipedia.org مادة فينيقيون.
١٨- http://.ar.m.wikipedia.org مادة فينيقيون.
١٩- سلمة بن مسلم العوتبي “الأنساب” ج2ص717-718.
٢٠- عبدالله بن حميد السالمي “تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان” ص29-85.
٢١- سرحان بن سعيد الأزكوي “كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة” ص845-846.
٢٢- أنتوني غدنز “علم الاجتماع ص 320.
٢٣- عبدالله بن حميد السالمي “كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة” ص6-8. مكتبة الضامري
٢٤- العوتبي، كتاب الضياء ج3ص336.
٢٥- حسين عبيد غباش “عمان الديمقراطية الإسلامية” ص19-20. دار الجديد، ط1 سنة 1997م.
٢٦- عمرو النامي، دراسات عن الإباضية ص82.
٢٧- العوتبي، كتاب الضياء ج3ص322.
٢٨- العوتبي، كتاب الضياء ج3ص337.
٢٩- أبو الحسن البيسيوي “الجامع” ج1ص271-272.
٣٠- عبدالله بن حميد السالمي “تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان” ص93.
٣١- أنتوني غدنز “علم الاجتماع ص 323.
٣٢- ناصر بن جاعد الخروصي “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” ص196-197، وص359، وص476، وص583.
٣٣- تم تحويل هذا المركز إلى مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم.

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.