ديسمبر 21, 2015 - فكر و حضارة    لا تعليقات

أبوية السلطان وعمان المستقبل

نشر الصديق المعتصم البهلاني مقالا في مجلة الفلق بتاريخ 21/12/2015 بعنوان عن “ناصر البدري وأبوية السلطان”، تناول فيه ثلاث نقاط مهمة. الأولى نتفق عليها جميعا وهي حرية الشاعر ناصر البدري وعدم تحميل قصائده معانٍ دافعها سوء الظن والتبكيت. النقطة الثانية هي حول أبوية السلطان، والثالثة حول فشل التنمية البشرية في عمان. وأنا هنا لا اكتب ردا على الصديق المعتصم بل أكتب ما يعزز بعض الأفكار الواردة في المقال، كما أضيف تصويبات ضرورية لا من أجل عمان وشعبها ومستقبلها فحسب بل ومن أجل المعرفة في براءتها الأصلية المجردة عن العاطفة والأهواء.

متابعتي لمقال الصديق المعتصم ستنحصر حول النقطتين الثانية والثالثة، حيث طرح المعتصم موضوع أبوية السلطان وكأنه انتقاص من الشعب العماني، وتعاطى مع المسألة وكأن استدعاء فكرة الأبوية هو استدعاء حتمي لطفولة المجتمع الذي (ينتظر مصروفه الشخصي من أبيه) بحسب المعتصم، وبالتالي ترتبط أبوية السلطان لا شعوريا بطفولة الشعب وعدم أهليته لإدارة شؤونه العامة. إن هذا الطرح مع الاحترام لصاحبه لا يسطّح دور الأب البيولوجي ورمزية الأبوة الاجتماعية فحسب بل هو ينحرف بعيداً عن فكرة أب الدولة أو الأمة (Father of the Nation) والتي هي ليست صناعة عمانية ولا انتاجا محليا كما أنها قطعا ليست رديفة لطفولة الشعب ولا صنوا لتخلف المجتمعات كما يوحي مقال الصديق البهلاني.

تاريخيا يمثل لقب أب الأمة (Father of the Nation) تقليدا رومانيا يمنحه مجلس الشجعان للرموز التي تمثل مرجعية للأمة. ثم انتقل هذا التقليد إلى الملكيات الأوربية، وفي التاريخ الحديث هناك مجموعة كبيرة ممن حملوا هذا اللقب، حيث يعتبر كل من:
1- جورج واشنطن ومنظروا ثورة التحرر الأمريكية وكتاب الدستور الأمريكي هم (الأباء المؤسسون) لأمريكا
2- السيد جون ماكدونلاد أول رئيس وزراء لكندا عام 1867 بأنه (أب الأمة) الكندية
3- المهاتما غاندي (أب الأمة) الهندية
4- مصطفى كمال (أبو الترك أو أتا ترك) في تركيا الحديثة
5- موبوتو سيسي سيكو (أب الأمة) في زائير
6- الشيخ مجيب الرحمن (أب الأمة) في بنجلاديش
7- تونكو عبد الرحمن (أب الاستقلال) الماليزي
8- محمد علي جناح (أب الأمة) المؤسس لباكستان
9- نيلسون مانديلا (أب الأمة) في دولة جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري
10- لي كوان يو (الأب المؤسس) لدولة سنغافورة
هذه بعض النماذج لفكرة (أب) الشعب أو الدولة أو الأمة في شرق العالم وغربه، ولم تكن تلك الأبوية بتلك الصورة المزرية التي عبر عنها المعتصم البهلاني، باعتبارها أبوية كائن لا دور وجودي له سوى إسكات صرخات الأطفال بإعطائهم المصروف.

إن الأبوية التي يتقلدها العظماء إنما تعبر عن امتنان الشعوب والأمم لإنجازاتهم في النهوض بالشعب، ونفخ روح الأمة، وبناء الدولة. هذا بالضبط ما فعله غاندي، واتا تورك، وجورج واشنطن ولي كوان يو. وهو بالتأكيد ما فعله السلطان قابوس بالأمة العمانية التي كانت ممزقة، ينخرها الفقر والجهل والمرض والاقتتال شمالا وجنوبا.

يتهم المعتصم الدولة العمانية الحديثة بالفشل في تنمية البشر وبناء الإنسان العماني، بينما يمثل هو ذاته وأنا معه بل نحن جميعا من أبناء الجيل الجديد براهين ساطعة على عدم دقة هذا الاتهام، فماذا يعني أن يتحول المعتصم من طفل عماني كان يمكن أن تضيعه الأقدار إلى حامل للدكتوارة في صناعة النفط، وماذا يعني أن اتحول أنا ابن سائق سيارة التعليم إلى طبيب استشاري في مستشفى الجامعة، ونماذج المعتصم كثيرة وأمثالي كذلك، ففي عام 2014 كان عدد العمانيين من حملة شهادة الدكتوارة 1304 فردا وحملة شهادات الماجستير 5954 مواطنا وفي عام 2015 بلغ عدد الأطباء العمانيين 1921 طبيبا. هذا عدا عن مئات المهندسيين وآلالاف المدرسين في دولة مواردها محدودة، وتضاريسها صعبة، وتقع في منطقة جيو استراتيجية ملتهبة.

قطعا نحن نطمح إلى المزيد، وبالتأكيد نشعر بأن هناك فساد كبير وهدر عظيم وبيروقراطية متفشية تهدد انجازات البلد، ولكن ذلك لا يعني أنه علينا الاستسلام لغواية إنكار المنجزات، لأن في انكارها استهانة بمفهوم الوطن، وتهوين من أمر الاعتداء عليه وبالتالي تدمير منجزاته.

إن القول بأن السلطان قابوس هو أب الدولة العمانية الحديثة لا يعني أنه بات معصوما من الأخطاء، كما ينبغي أن لا يكون هذا اللقب مانعا من نقد أدواره، خاصة تلك التي تتداخل مع أدوار رئيس الوزراء التي ما يزال يديرها بنفسه ظنا منه أن هذا الوضع هو الأفضل للبلد بينما نحن قلنا مرارا وتكرارا بأن قيام السلطان بدور رئيس الوزير يسيء إلى مكانته (أب الدولة) ويجلب عليه كل نقد متوجه إلى إخفاقات الحكومة وما أكثرها. كما أن مسؤولياته السلطانية قد أدت إلى تباطؤ في عمل الحكومة وتساهل في معاقبة المسؤولين فيها لأنهم يعملون تحت رئاسته المباشرة، بل وبعضهم يتبجح بأن أخطاءه هي أوامر من السلطان!!

إن انهيار أسعار النفط والعجز المنتظر في الميزانية يجب أن يدفعنا جميعا إلى الاعتصام بوحدتنا الوطنية إزاء مخاوفنا الآنية، وهذا الاعتصام يحتم علينا احترام بعضنا بعضا، وتقدير رموز الدولة وعلى رأسها سلطان البلاد، ووجوب احترام الشعب وعدم تبخيس ثقافته، كما ينبغي على صاحب القرار وهو هنا السلطان (أب الدولة) أن يستمع لآراء الشباب من شعبه أمثال المعتصم البهلاني ويستنير بها بدلا من آراء المستشارين الشيوخ الذين تكونت ثقافتهم في السبيعنات والثمنينات من القرن الماضي الذي صار بعيدا جدا جدا بعد التحولات الكونية الهائلة على مستوى الفكر والوعي والثقافة.

إن عمان بحاجة اليوم إلى تحول دستوري تنفصل فيه مسؤوليات السلطان عن مسؤوليات رئيس الوزراء، وتحدد فيه آليات تعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وفقاً لضوابط الأهلية والكفاءة، مع مراعاة الطبيعة المناطقية والقبلية للبلاد. كما ينبغي تعزيز صلاحيات مجلس الشورى والانتقال به من مرحلة اقتراح التشريعات والتعليق عليها، إلى مرحلة مراجعتها وصياغتها وإقرارها.

إن هذه النقلة الدستورية المنتظرة هي بوابة عمان إلى مستقبل آمن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والسلطان قابوس باعتباره (أب الشعب) العماني هو الأجدر بطرق هذه الباب وفتحه ليكون أول الداخلين والشعب من وراءه إلى عمان المستقبل.

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.