يوليو 30, 2007 - فكر و حضارة    التعليقات على فلسفة القراءات التاريخية (3) مغلقة

فلسفة القراءات التاريخية (3)

زكريا بن خليفة المحرّمي
القراءة الإسلامية للتاريخ:

كعادتهم لا يفتأ المستشرقون عن الانتقاص من تراثنا، فالشرق لديهم ليس “سوى مكاناً للرمْنَسَة والكائنات الغريبة المدهشة”، 

 

 

 إن ما يهم في الاستشراق كما يرى إدوارد سعيد هو (المجموعة العامة من الأفكار المشبعة بمذاهب التفوق الأوربي، وبشتى أنواع العنصرية العرقية وبالامبريالية وما إليها من أفكار مذهبية جامدة عن الشرقي بوصفه تجريداً مثالياً  لا متغيراً). ذات الصورة النمطية الانتقاصية تتكرر في دراسات المستشرقين حول القراءة الإسلامية للتاريخ، نجد ذلك بداية في كلام كلود كاهين حين قال: (إن المقدمات التي كتبها المؤرخون في بعض الأحيان، وليس دائماً كمدخل لمؤلفاتهم التاريخية تبدو كاعتذار مسبق عن التأليف في هذا الميدان، بدل أن يكون دورها تشجيع القارئ)، وهذه العبارات مشبعة بشحنة نفسية توحي بضعف التدوين التاريخي واحتواءه على النواقص التي يساق لها الأعذار، ويفصح فرانز روزنتال عما تكنه بواطن الاستشراق حين يصرح بانعدام الرؤية التاريخية عند المسلمين فيقول: (حتى في القرنين الرابع عشر والخامس عشر وهما قرنان متأخران نسبيا، حينما شعر المؤرخون المسلمون بالحاجة إلى تعريفات عامة للتاريخ ولعلم التاريخ، فإن تعريفاتهم المختلفة لا تكشف أية بصيرة فلسفية عميقة)، وكعادتهم يتلقف المفكرون العرب ما يقذف به بحر الاستشراق كمسلمات لا معقب لحكمها، فها هو محمد عابد الجابري يردد أن مفهوم التاريخ عند العرب ليس له أية دلالة فلسفية سوى التوقيت القائم على الانفصال المنحدر من الحقل المعرفي البياني، وأن التاريخ عبارة عن (فعاليات البشر في أوقات معينة). ونحن لا نريد أن نصادر على المستشرقين ومن تابعهم رؤاهم واستنتاجاتهم بيد أن الموضوعية تقتضي الإقرار بأن مجال البحث والتنقيب الذي صدرت عنه تلك النتائج عليه ملاحظات جوهرية تستلزم إعادة البحث في القضية وتجديد النظر في ملفاتها، فقد اقتصرت أبحاث المستشرقين على المدونات التاريخية دون غيرها، ولم تحاول البحث في المدونات التراثية الأخرى خاصة تلك المتعلقة بالتفسير وعلوم الرواية والفقه والأصول. وقد يعترض البعض مستغرباً الحاجة إلى مثل هذه الامتدادات البحثية لدراسة القضية في كل تلك المدونات، وهذا الاستغراب منشأه الضعف والقصور الذي تعاني منه الدراسات التراثية الإسلامية سواء منها المحاولات التشويهية التي قام بها المستشرقون أو تلك المحاولات الترميمية التي يقوم بها ابناء الأمة دون وعي لخصوصية التراث الإسلامي واستقلاله الفكري والمنهجي عن التراث الذي تربى عليه المستشرقون في الغرب.
فمما يجهله المستشرقون وأغلب مفكرينا أن التدوين التاريخي عند المسلمين الأوائل كان ينظر إليه بتوجس وانتقاص لأسباب عدة أهمها أن الرواية التاريخية في الزمان الأول ارتبطت بأساطير أهل الكتاب ومثيولوجياتهم الوثنية التي جاء الإسلام لاجتثاثها. والقرآن بما حواه من قَصص وأخبار اشبعت حاجة اتباعه الفطرية للسلوى الروائية الغنية بالحكايات والخيال. كما أن رواة الحكايات التاريخة كانوا يعرفون فيما مضى بـ (القصاص)، وهذه الفئة من الناس عرفت تاريخياً بضعف ضطبها الروائي بل هي متهمة بالوضع والتعليب الروائي كما بين ابن الجوزي في مقدمة كتابه (الموضوعات)، وقد روي عن ابن حنبل القول (ثلاثة ليس لها أصل: التفسيروالملاحم والمغازي)، ومن هنا نفهم أن اعتذار المؤرخين المسلمين كالطبري وغيره في مقدمة كتبهم إنما هو اعتذار عن رواية ما لا يصح من الأخبار وليس اعتذاراً بسبب جهلهم في علم التاريخ كما يوحي كلام كلود كاهين، يقول الطبري (ت310هـ)في مقدمة تاريخه: (فما يكن في كتاب هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا).
لكن إبطال دعوى المستشرقين لا يعني إثبات نقيضها إلا بإيجاد دليل علمي على وجود فلسفة إسلامية لقراءة التاريخ، ولو استحضرنا مقولة عبد الجواد ياسين في كتابه “السلطة في الإسلام” (لم يكن ثمة تاريخ قبل النص، وإنما ابتدأ التاريخ بنزول النص)، فإننا لا شك نحتاج إلى العودة إلى النص لنستجلي منه الرؤية التاريخ التي تأسس على إثرها التاريخ الإسلامي، ونحن هنا لانمارس ما اسماه فيصل درّاج في مقاله المنشور بمجلة “نزوى” بـ (الفلكلور العلمي) الذي يزعم أن كل الحقائق والقوانين العلمية موجودة في القرآن، وإنما ندرس النص القرآني لإنه هو المشكل للوعي التاريخي لدى الأمة.
وبالعودة إلى النص القرآني نجد هذا النص يرسخ مبدأ الحراك وعدم الثبات التاريخي {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}آل عمران: 140، ومبدأ التدافع بين الخير والشر {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ}البقرة: 251، ومبدأ حرية اختيار الإنسان {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}البقرة: 134، ومبدأ انتصار الآخذين بأسباب النصر المتمثلة في تنفيذ أوامره بالاستعداد الروحي والحضاري للمواجهة {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}الحج: 40، وهذه التشكيلة الفريدة من المبادئ الفلسفية للقراءة التاريخية التي يعج به القرآن الكريم تتجلى بمجموعها في أول قصة حكاها القرآن وهي قصة آدم الذي كان يوماً في الجنة (المبدأ الأول)، ثم تصارعت في نفسه نزغات الشر ونفحات الخير (المبدأ الثاني)، فركن إلى الخطيئة باختياره وإرادته (المبدأ الثالث)، ثم انتصر على نزغات الشر حين تاب إلى الله (المبدأ الرابع)، ونحن لا نفترض أن هذه الفلسفة القرآنية كانت حاضرة بكليتها في أذهان جميع مفكري التراث العربي والإسلامي بيد أنا نزعم أنها شكلت الخلفية المعرفية في اللاشعور الذي ينطلق منه أغلب أولئك المفكرون، يقول الرازي (ت 604هـ) مؤكداً على المبدأ الأول: (الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها)، وقد أوضح ابن خلدون (ت 808هـ) أن العامل الذي يؤدي إلى التغيير هو حسب ساطع الحصري (التماس والاتصال بين الشعوب والطبقات المختلفة). وقال الزمخشري (ت 538هـ) مؤكداً على المبدأ الثاني: (ولولا أن الله يدفع ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها)، وقال محمد بن محبوب القرشي (ت 260هـ) مؤكداً للمبدأ الثالث: (إن الله لم يجبر أحداً من خلقه، ولا استكرههم على طاعته ولا معصيته) ، وقال أيضاً مؤكداً للمبدأ الرابع: (انصروا الله يا معاشر المسلمين ينصركم الله ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم والله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم).
بجانب هذه الفلسفة التاريخية المستقاة من النص استوحى الكثير من المسلمين مبادئ وفلسفات تاريخية من خلال التجربة والنظر في تاريخ الأمم والشعوب، فعلى سبيل المثال كان ابن رشد (ت 595هـ) يرى أن الحتميات الطبيعية لا تجري بنفس النسق في الشؤون الإنسانية كما صورها إفلاطون بل هي محكومة بالإرادة الإنسانية، وقد تابعه على ذلك ابن خلدون في مقدمته.
ومما يدلل على وجود فلسفات تاريخية تحكم تفاعل المسلمين مع التاريخ اهتمامهم المبالغ فيه بتنقيح الأخبار، واختبارها داخلياً وخارجياً لمعرفة درجة ثبوتها واتساقها مع الحدث التاريخي، لا ريب أن هناك تفاوت في الممارسة بين المدرسة الروائية المقدسة للسند وبين المدرسة الفقهية والفلسفية المحتفية بالمتن، وهنا نستحضر قول الفقيه والفيلسوف أبي يعقوب الوارجلاني (ت 570هـ) حين قال مبيناً المنهج في التعامل مع الخبر: (اعلم أن الأخبار الصادقة يقع العلم بها من ستة أوجه: أولها إخبار الله تعالى، الثاني خبر الأنبياء، الثالث من أخبر الصادق بصدقه، الرابع: أن تحكى عن جماعة كثيرة ليس في مستقر العادة سكوتهم عما لم يقولوه أو يفعلوه. الخامس: أن يقر النبي صلى الله عليه وسلم الخبر. السادس: ما تلقته الأمة من مستفيض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقع لنا كذب المحدث من ستة وجوه، أولها أن يحدث بما يستحيل في العقل وجوده، الثاني: أن يحدثنا بما تدفعه الحواس، الثالث: أن يحدثنا بما يناقض الوجوه الستة المتقدمة، الرابع: أن يحدثنا بخلاف ما نجده في ذوات أنفسنا، الخامس: أن يحكي لنا خبراً عظيما حدث في قطر بحضرة أهله وهم جمع كثير ولم يعرف به أحد منهم. السادس: أن يحدثنا بما تعجز عنه القوة البشرية).
ويفاجأنا مستشرق آخر هو غرنوبام بالاعتراف بوجود رؤية فلسفية للتاريخ عند المسلمين، لكنها ليست فلسفية عقلية، بل هي فلسفة مفارقة تتلخص في الانفصالية الزمنية لكل حقبة وفي التراجعية الدورية المنافية للتطور والتقدم. والدوافع الاستشراقية الاستعلائية غير خافية في ما ذهب إليه غرنوبام فالانفصالية المزعومة هي كما يرى رضوان سليم إشكال إسقاطي للتصور الزماني في التاريخيات المسيحية، وقد تبين لنا فيما سبق أن فلسفة التاريخ عند المسلمين شكلها النص الغني بالمبادئ والرؤى الموجهة والفاعلة التي لا يعقل أن يقاس عليها النص التوراتي الغني بالمثيلوجيا والأساطير.
أما فيما يتعلق بدعوى النظرة التراجعية التي ذهب إليها غرنوبام ووافقه عليها رضوان سليم في كتابه (نظام الزمان العربي)، فهي وإن حملت بعض جوانب الصواب إلا أنها نابعة من قراءة مجتزأة للتراث الإسلامي، فتراث الإباضية والمعتزلة كان وما يزال قائماً على النظرة المتفائلة للمستقبل، والتراث الإباضي والمعتزلي ومدونات رواد الصحوة الإسلامية كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مشبعة بفكرة أن نهضة الأمة ويقظتها الحضارية غير مرتبط بظهور شخصيات أسطورية تهبط من السماء أو من تصعّد من باطن الأرض بل هي مرتبطة بتحقيق المبادئ القرآنية القائمة على الإيمان بالله العادل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذان يحقق العدالة والمساواة والتقدم الحضاري.
وقد أوضحت في كتابي “قراءة في جدلية الرواية والدراية” أن وهم (قدسية القرون الثلاثة الأولى) ليس له مرجعية إسلامية إلا في أذهان اتباع مدرسة أهل الحديث ومن تأثر بمنهجم الروائي المخالف للمنهج القرآني الذي سار عليه عقلاء الأمة والذي يأسسه قوله تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}آل عمرا: 110، فخيرية الأمة لا زمانية لها بل هي مرتبطة بشروط تلك الخيرية المتلخصة في الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد نسب إلى النبي القول (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره)، ونسب إليه أيضاً (خير أمتي قوم يأتون من بعدي)، وهذه الآثار موافقة للدلائل النصية القرآنية التي تبناها الإباضية والمعتزلة ورواد الصحوة الإسلامية وهي قاضية بسقوط مزاعم المستشرق غرنوبام.

 

 

التعليقات مغلقة.