يوليو 30, 2007 - فكر و حضارة    التعليقات على فلسفة القراءات التاريخية (4) مغلقة

فلسفة القراءات التاريخية (4)

زكريا بن خليفة المحرّمي

العقود الفضية نموذجاً 

 لم يكن اختيار كتاب “العقود الفضية في أصول الإباضية” لسالم بن حمد الحارثي مدفعواً بنزعة مذهبية كما يظن متطرفوا العلمانية الذين أصبحت تهمة المذهبية سلاحهم ضد أنصار التراث العربي والإسلامي بعد الفتنة التي أججها أعداء الأمة في العراق ولبنان وغيرهما، وإنما وقع الاختيار على الكتاب لأسباب موضوعية أهمها أنه الكتاب العماني الوحيد الذي يستعرض التاريخ الإسلامي منذ لحظة تكونه الأولى وهي لحظة نزول النص إلى زماننا المعاصر، وهو وإن اكتفى بسرد تاريخ الإباضية في عمان واليمن والمغرب العربي فذلك ليس إلا لسد ثغرة في التراث العربي الذي لم يُعر تاريخ عمان وإباضية اليمن والمغرب الاهتمام الذي يليق بذلك التاريخ الحافل بالأحداث والمتغيرات الجديرة بالدراسة والبحث، بجانب هذه الأسباب الموضوعية هناك أسباب ذاتية عديدة ليس من الموضوعية اخفاؤها أولها أن سالم الحارثي هو أحد شيوخي واساتذتي الذين تلقيت العلم على يديهم، وقد كان له فضل كبير علّي أثناء تأليفي لكتابي “الصراع الأبدي”، حيث دلني على أقوال ومراجع ومخطوطات نفيسة. اشتمل كتاب “العقود الفضية” على دراسة سياسية واجتماعية لتاريخ الإسلام والمذهب الإباضي وعمان، وهو لا يكتفي بإيراد الأخبار مجردة بل يطعمها ببحوث مطولة عن المحيط الجغرافي والثقافي للحدث التاريخي، وعناوين فصول الكتاب تشي بهذه الحقيقة، فهناك فصل بعنوان (ذكر مدينة صحار العمانية)، وفصل آخر بعنوان (ديانة العرب قبل الإسلام بعمان)، وآخر بعنوان (حكم الخوارج وذكر شيء من أدبهم)، إلى غير ذكر من عناوين كاشفة للمنهج التاريخي المتميز الذي اعتمد الدراسات الأنثروبولوجية والإجتماعية في قراءته للتحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي سبقت ظهور الإسلام وصاحبته وتلت انتشار المذهب الإباضي وظهور الأئمة والملوك في عمان وغيرها. 

 والحارثي في دراسته التاريخية ينطلق من الأخبار المجتمع عليها، ويجعل تلك الأخبار حاكمة على المرويات التي انفرد بها طرف من الأطراف، فهو يقول في أحد فصول كتابه: (هذ ما أجمع عليه المؤرخون)، ويقول في موقع آخر (أكتب ما اتفقوا عليه واترك مااختلفوا فيه)، وهذا منهج كلّي شمولي ينطلق من اليقين ليختبر الظن، ذلك أن الإجماع في حقيقته يعبر عن النقل المتواتر، والتواتر يفيد اليقين، أما الخبر الذي ينفرد به طرف ولا يشتهر عند غيره فهو ليس سوى خبر آحاد لا حجة فيه، واستدراكاً حتى لا يعترض علينا أصحاب النظرة الاستعلائية من أصحاب العقول المغربَنَة أو من يسميهم إدوارد سعيد بـ (مخبري الاستشراق) نقول أننا لا نقصد باليقين هنا الكشف الصوفي المنحدر من (العقل المستقيل) حسب تصنيف محمد عابد الجابري بل نقصد به اليقين العلمي الخارجي الذي نفاه كل من ريماروس و لسنج عن الإنجيل باعتبار أن نقلته كانوا أقل من الحد المطلوب لانتفاء تواطئهم على الكذب. وهذا المنهج المنطلق من اليقين العلمي والمختبر للظن جعل الحارثي يحلق في سماء الموضوعية بعيداً عن الوقوع في فخاخ مناهج التجزيء والتشظي التي تبشر بها قواعد الجرح والتعديل، ولم يقع فريسة للارتهان المذهبي والطائفي الذي يعتمد مرويات مدرسته دون النظر في تماسك تلك الروايات داخلياً وخارجياً.  وتتجلى الفلسفة الإسلامية في القراءة التاريخية في سطور وصفحات كتاب “العقود الفضية”، فالكتاب من أوله إلى آخرة يتحدث عن مبدأ الحراك التاريخي وتداول الأيام وتغير موازين القوى، وتفصح فصوله عن التدافع بين قوى الخير والشر، ويؤكد في أكثر من موضع أن النصر والتمكين لا يكون إلا لمن أخذ بالأسباب وأرضى منزل الكتاب، وأن الإنسان حر كامل الإرادة والاختيار، وكل يتحمل مسؤولية فعله، يقول الحارثي: (ونحن نسمع ونكف، ولا نصوب باطلاً ولا نبطل حقاً. تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون). 

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

التعليقات مغلقة.