فبراير 22, 2016 - فكر و حضارة    لا تعليقات

سيرة الكاتب

قديما لم أكن أحفل بالكاتب لا اسمه ولا بلده، لا دينه ولا ثقافته، لا تاريخه ولا سيرته الذاتية. كان اهتمامي منصبا على الأفكار ولا شيء آخر سوى الأفكار، كنت أفتش عنها بنهم شديد، وأقلب جوانبها بين بصري وبصيرتي بحثا عن الحقيقة وما حوته من طمأنينة. انطلقت في هذا الطريق مدفوعا بقناعة أن العلم تراكمي وإيمان أن لا أهمية لمن يجمع العلم قدر أهمية العلم ذاته، ويقين أن المنجز المعرفي هو الثابت أما أصحاب الأفكار فهم كثير متغير .
وقد صادفت هذا القناعة قبسا من أنوار السلف حين قالوا: “لا تنظر إلى من قال، بل إلى ما قال”. وتعزز أوارها بما نفخته في لاشعوري ثقافتنا العمانية التي قلما تحتفي بأبناءها ومنجازتهم، ربما خشية منها أن تفتح ثغرة لغزو جرثومة الأنا وحب الظهور في أنفسهم التي تريدها نقية طاهرة.
ولعلي لا أمثل ظاهرة شاذة، ولست ذئبا شريدا في جبال البحث عن المعرفة مجردة عن أصحابها من صناع للفكر وناقليه، فأنا ابن جيل ما يعرف بـ “ما بعد الحداثة” الذي نادى بموت الكاتب، وقطع الحبل السري الذي يربط النص بكاتبه.
بيد أني بدأت اكتشفت وبعد سنوات عديدة ضاعت جهلا مني أهمية التعرف إلى الكاتب، من هو، وما هو تاريخه، وما هي خلفياته المعرفية، وما هي مرجعياته الفكرية، ماذا يحب من مناخات، وماذا يفضل من أراضين وسماوات. أي موسيقى يسمع، وأي شاعر أو روائي يفض، واليوم ربما احتاج أن أضيف اسئلة أخرى مثل: في أي منصة للتواصل الاجتماعي يشارك، وأي نادي رياضي يفضل وأي نوعية من الأفلام يشاهد.
إن إعادة اكتشاف الكاتب لا يمثل مجرد ترف معرفي، بل هو ضرورة وجودية تنمي فينا النزعة الإنسانية. إن اكتشاف الكاتب وصاحب الفكرة والإبداع هو العلاج كما يصور جان بول سارتر في روايته “الغثيان” من حالة اللامعنى والملل التي يعاني منها كثير من أفراد المجتمع. لأنها تربط الفكرة بالإنسان، والحوادث بالأشخاص، والوقائع بالزمان والمكان.
إن معرفة الكاتب ودراسة تاريخه تعطينا مفاتيح أساسيه لاكتشاف أسرار النص والبنى الثقافية التي ينتصب عليها والعقد التي يحبكها أو تلك التي يروم حلها. بل يمكننا القول أن معرفة سيرة الكاتب والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في إنتاج النص لا تقل أهمية عن النص إن لم تكن أكثر أهمية منه لدى بعض الباحثين الاجتماعيين والببلوجرافيين. لذلك سأحاول في قراءاتي الحاضرة والمستقبلية أن ابدأ بالتعرف على الكاتب كما يتعرف العاشق على معشوقته، ومن ثم انظر إلى نصه واصغي إليه، لعلي أفوز منه بفكرة تكون أكثر عذوبة من لقاءات العاشقين.

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.