يونيو 9, 2016 - فكر و حضارة    لا تعليقات

أحب إليّ من السجن

شريعة حمورابي (1792 ق م) هي أقدم شريعة مكتوبة وصلت إلينا، ومن أهم ميزات تلك الشريعة إيقاع العقوبات البدنية التي كانت ولا تزال هي العقوبات الموجودة في النصوص الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية. ومع أن شريعة حمواربي كانت انتقامية في صورتها، بحيث ينفذ المعتدى عليه العقوبة على المعتدي، إلا أن الأمر مغاير في الشرائع الكتابية، حيث يوكل تنفيذ العقوبات البدنية إلى السلطة الاجتماعية، ومن أنواع هذه العقوبات البدنية الواردة في القرآن جلد الزاني والقاذف وقطع يد السارق وصلب قاطع الطريق. مع بداية عصر التنوير في القرن الثامن عشر، ومع تطور مبادئ حقوق الإنسان اعتبرت العقوبات البدنية حاطة بالكرامة، كما تم الادعاء بأنها غير فعالة في ردع المجرمين.

بدأت المجتمعات البشرية مع نهايات القرن الثامن عشر في التحول التدريجي بعيدا عن العقوبات البدنية، وتم استبدالها بأشكال أخرى من العقوبات النفسية والاجتماعية كالسجن وغيره، وقد شهد القرن العشرين آخر ممارسة للعقوبات البدنية في الدول الغربية، حيث شهدت ولاية ديلاوير الأمريكية عام 1952م آخر حالة جلد قانونية، وتم إلغاء عقوبة الجلد من القانون البريطاني عام 1967م، وتم حظر هذه الممارسات بصورة نهائية في بيان “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” الصادر عن الأمم المتحدة عام 1977، حيث نص في المادة 31 منه على حظر جميع أشكال العقوبات البدنية. بيد أن هذه العقوبات ظلت قائمة في بعض الدول الإسلامية، كما ظهرت مجددا في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة المحسوبة على الإسلام كداعش وطالبان والقاعدة.

يحتج القائلون بمنع العقوبات البدنية بكون هذه العقوبات حاطة بكرامة الإنسان ومنتقصة لإنسانيته، وأنها أقرب إلى الممارسات الهمجية والسادية، كما يرون أن هذه العقوبات لم تفلح في كبح جماح الجريمة في أوروبا القرون الوسطى، وهم يرون أن السجون أكثر قدرة على إصلاح سلوك المجرمين، وأشد أثرا في كبح اندفاعهم نحو ارتكاب الأفعال العدوانية. وقد تأثر قطاع كبير من الجيل الجديد من الإصلاحيين الإسلاميين بهذه المقولات الحداثية وتعليلات ثقافة التنوير، وابتدأوا في ابتكار تأويلات جديدة للنصوص الدينية ذات العلاقة بالعقوبات البدنية، فتم تأويل قطع يد السارق بقطع الطريق إلى السرقة من خلال الإصلاح الاجتماعي، وجلد الزاني بتأنيب الضمير، إلى غير ذلك من تأويلات تحاول أن تتصالح مع عقوبات ما بعد عصر التنوير القائمة على الحبس.

بيد أن الحبس ذاته ليس عقوبة حديثة، بل هو ممارسة قديمة سارت جنبا إلى جنب مع العقوبات البدنية، ولعل أشهر سجن في التاريخ هو سجن ملك مصر الذي حُبس فيه النبي يوسف بضع سنين، إضافة إلى سجن مامرتان الروماني الذي يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وتختلف تسمية السجون بحسب المجتمعات والثقافات والأغراض التي بنيت من أجلها، فهناك من يسميها، سجن، وهناك من يسميها مركز اعتقال أو مركز إيقاف، أو إصلاحية، إلى غير ذلك. ومع أن السجون قديمة قدم العقوبات البدنية بيد أن كتاب التنوير وفلاسفته تظاهروا على إقناع الناس أن السجون أكثر إنسانية من العقوبات البدنية، وأنها أكثر تأثيرا، لأنها تجعل الإنسان يراجع نفسه، ويواجه أخطاءه، فيتعلم كيف يتجنب السلوك المؤدي إلى الجريمة. بيد أن التجربة البشرية أثبتت بأن السجون لم تستطع أن تتحول إلى مراكز إصلاح وتهذيب بقدر ما تحولت إلى أوكار لتنمية شعور المجرمين بالحرمان، لا من حريتهم التي هي حق فطري أصيل، بل وحرمانهم من رفقة الأسرة والأصدقاء كذلك، وبالتالي من تلبية فطرة الإجتماع، إضافة إلى حرمانهم من تلبية حاجاتهم البيولوجية الأساسية كالجنس والرياضة.

يذهب أنطوني جيدنز وهو يمثل مرجعية كبرى في علم الاجتماع إلى أن العيش في السجون يدق إسفينا “بين نزلاء السجن والمجتمع الخارجي بدلا من أن يسهم السجن في إعادة تكيف المساجين وأنماط سلوكهم مع معايير المجتمع”. وأن المساجين قد ينمو فيهم شعور بالحقد على المجتمع، أو أنهم سيتعاملون مع العنف كأمر عادي، هذا إضافة إلى التقائهم بمجرمين عريقين يكتسبون منهم مهارات جرمية لم يكن يعرفونها من قبل. ويضيف جيدنز أن 60% من الذين يطلق سراحهم من سجون بريطانيا يعاد حبسهم خلال السنوات الأربع الأولى من إطلاق سراحهم.

وقد أدى فشل استراتيجية السجون كعقوبة إلى ازدياد معدلات الجريمة، وبالتالي ازدياد عدد المساجين وتكدسهم، وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر دول العالم من حيث عدد المساجين حيث تضم سجونها قرابة 25% من عدد مساجين العالم، وكلما كانت الدولة أفقر كانت معاناتها مع المساجين أكبر، كما أن معاناة المساجين أنفسهم تتضاعف لعدم قدرة تلك الدول على توفير متطلبات الحياة الدنيا للسجين، إضافة إلى تحول السجون إلى بيئة خصبة حتى في الدول الأوروبية الثرية كبريطانيا لانتقال الأمراض السارية كالسل والأمراض الفيروسية والفطرية وغيرها. ومع هذا الفشل الذريع لعقوبة السجن فإن النظام القضائي البشري بحاجة إلى مراجعة، هذه المراجعة يجب أن تتضمن دراسة الأسباب المؤدية إلى الجريمة وطرق علاجها، وأهم هذه الأسباب تتمثل بلا شك في الحرمان وغياب العدالة الاجتماعية، والتفاوت الطبقي، وقلة التعليم، إضافة إلى ضرورة مراجعة قانون العقوبات بحيث يتم تقديم بدائل عن السجن، كالعمل المجتمعي، والدورات التأهيلية، كما يتوجب مراجعة الموقف السلبي من العقوبات البدنية الذي صار أقرب إلى الديمغاوجيا منه إلى الرأي القائم على الموضوعية والعقلانية.

وهنا يمكننا أن نقول بكثير من الثقة إنه ليس صحيحا أن العقوبات البدنية حاطة بكرامة الإنسان، فالاستبداد والظلم والحرمان وتزييف الوعي الذي تمارسه الأنظمة المستبدة والمؤسسات الرأسمالية أكثر إهانة لكرامة الإنسان من أي عقوبة بدنية عادلة ينالها الظالم، فما الضير في أن يخير الإنسان المدان بين الحبس أو العقوبات البدنية التي قررتها النصوص القرآنية، فمثلا ماذا لو تم تخيير الفتاة التي حملت سفاحا بين السجن الذي يؤدي إلى انكشاف أمرها وفضيحتها وتدمير مستقبلها ومستقبل ابنها الذي لا ذنب له، وبين الجلد كما جاء في النص القرآني، وماذا لو خيرنا السارق بين أن يقضي زهرة عمره في السجن وبين قطع اليد أو حتى الأعمال الاجتماعية التطوعية في حالة السرقات التي يقرر المجتمع أنها لا تستدعي القطع، ولو وسعنا الأمر إلى جميع القضايا التي حكم فيها الفقه التقليدي بالتعزير، بحيث يخير مرتكب الجرم بين العقوبة البدنية التي نص عليها الفقه وبين عقوبة السجن أليس ذلك أقرب إلى احترام إرادة الإنسان وحريته وكرامته بدلا من إذلاله في السجون، وكسر كرامته أمام زوجته وأبناءه الذين يمكن أن تتدمر حياتهم حين يغيب الأب في السجون، هذا فضلا عن أنها ستسهم كثيرا في تقليل عدد المساجين، وإغلاق السجون وتقليل تكاليفها التشغيلية الباهضة.

إن العقوبات البدنية لا تحط بالكرامة طالما توجه إليها الإنسان المذنب مختارا، إضافة إلى أن العقوبات البدنية أثبتت نجاعتها في المجتمعات التي وجد بها قدر مقبول من العدالة الاجتماعية، كما هو الحال في الدولة الإسلامية الأولى، وستتعز نجاعتها في المجتمعات العادلة التي يتوافر فيها مؤسسات تعمل على زيادة الوعي بقبح الجريمة وربطها بتدنيس المقدس.

إن شيطنة العقوبات البدنية الذي يمارسه المحسوبون على الإصلاح الإسلامي -بحسن نية- بحاجة إلى مراجعة، فهو يعبر في بعض جوانبه عن استقراء ناقص، فضلا عن كشفه عن انبهار بالخطاب التغريبي الممجد لكل ما هو غربي، والمشوه لكل ما له علاقة بتراثنا العربي والإسلامي.

نشر هذا المقال في صحيفة التقرير بتاريخ ١٥ أبريل ٢٠١٦ على هذا الرابط

http://altagreer.ws/%D8%A3%D8%AD%D8%A8-%D8%A5%D9%84%D9%8A%D9%91-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86/

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.