سبتمبر 9, 2017 - فكر و حضارة    لا تعليقات

الكوارث الطبيعية ابتلاء وفتنة*

اختلف الناس حول الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير هل هي عقاب إلهي مترتب على معصية الإنسان وفجوره، أم هي حدث طبيعي صرف ولا علاقة له بسلوك الإنسان وأفعاله، واستدل كل فريق بأدلة من القرآن الكريم واعتبرها أساساً لرأيه، فالذين قالوا أن تلك الحوادث والكوارث هي عقوبات إلهية استدلوا بـ:

١- الآيات التفصيلية التي تتحدث عن إهلاك الأمم السابقة مثل قوم نوح عليه السلام: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ }الأعراف: 64، وهود عليه السلام: {فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ }الأعراف: 72، ولوط عليه السلام {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }هود: 81، وشعيب عليه السلام: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ }هود: 94، وموسى عليه السلام: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}الأعراف: 136.
٢- الآيات العامة في إهلاك الأمم السابقة كقوله تعالى {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}الأنعام:6، وقوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}الأعراف: 96. وهي في مجموعها تدل على أن إهلاك الأمم السابقة إنما كان نتيجة لمعاصيهم وكفرهم بدعوة الأنبياء.
٣- الآيات التي تدل على أن ما يصيب البشر إنما هو نتيجة لكسبهم، مثل قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}الشورى: 30، وقوله عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}الروم: 41، وقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}الإسراء: 16

أما الذين قالوا بأن هذه الكوارث لا يمكن أن تكون عقابا، فقد استدلوا بالآيات التي جاء فيها ذكر العقاب على الأقوام السابقة، وقالوا أن هذه الآيات تؤكد الحقائق التالية:
أولاً: أن العذاب الإلهي لا يبقي أحدا من المسلط عليهم، بينما الكوارث الطبيعية تهلك أناسا من المؤمنين والظالمين وتبقي أناسا ربما يكونون أشد ظلما، حيث نرى الأثرياء يسارعون في الهروب من قصورهم الشاهقة بطائرتهم قبل وصول الأعاصير، مخفلين وراءهم الفقراء والبؤساء الذين لا يملكون سوى مواجهة هذه الكوارث ببيوتهم المتهالكة وملابسهم الرثة .
ثانيا: أن العذاب الإلهي يكون موجها لقوم معينين في زمان ومكان معينين، بينما الكارثة الطبيعية ليس لها حد لا زماني ولا مكاني، فبعكس العقاب الذي كان يصيب الأمم السابقة في لحظة زمنية خاطفة تستمر الكوارث الطبيعية أحياناً أياماً وربما أسابيع،كما أنها قد تصيب أقاليم كبيرة ومجتمعات عديدة، بعضها ربما يكون أغلبيته مجتمعات مؤمنة بالله، مخلصة له الدين.
ثالثا: العذاب الإلهي لا يصيب المؤمنين، بينما الكوارث الطبيعية تصيب الناس جميعا برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، بل قد يكون الأثر في المؤمنين أشد منه في الكافرين كما هو الحاصل في الزلازل التي تصيب الدول الإسلامية كاندونيسيا وإيران وتركيا بينما الدول الصهيونية والصليبية التي تسفك دماء المسلمين وتغتصب نساءهم وتقتل أطفالهم وتدنس عرض نبي الإسلام وتسخر من القرآن وتستعمله في المراحيض لا تصاب بتلك الكوارث إلا لماما.
رابعا: العذاب الإلهي لا يشابه الكوارث الطبيعية، فالكوارث الطبيعية يمكن دراستها والتوصل إلى ما يدفعها أو على الأقل يقلل خطرها، كما هو حاصل في دول مثل اليابان التي صممت مبانيها للتصدي للزلازل، والدول الغربية التي صممت مجاري خاصة وسدودا ضد الفيضانات المائية، أما العقاب الإلهي فإذا جاء فلا عاصم منه.

بعيدا عن الاختلاف في التأويل يتفق الجميع أن هذا الكون الذي جعله الله تعالى دليلا على عظمته وأمرنا بالسير فيه والنظر في سننه للوصول إلى معرفة الخالق عز وجل تحدث فيه الكثير من السنن الكونية التي هي تجلٍ لأمر الله تعالى وإرادته، فالرياح والأعاصير والزلازل والبراكين وسقوط النيازك كانت تحدث قبل خلق الإنسان، وما تزال موجودة بعد خلق الإنسان، وكما تحدث في الأماكن التي يقطنها البشر تحدث كذلك في الأماكن التي ربما لم يصل إليها قط إنسان، فالكثير من الزلازل والبراكين تحدث في أعماق المحيطات النائية، كما أن الأعاصير تنشأ في أعماق المحيطات والكثير منها يتلاشى قبل الوصول إلى المناطق الساحلية وربما تضرب المناطق غير المأهولة بالبشر.
لكن هل معنى ذلك أن هذه الظواهر الطبيعية التي خلقها الله تعالى لا علاقة لها بسلوك الإنسان وعمله الصالح والطالح؟ إن الناظر في هذا الكون العظيم لا شك يدرك أن كل مكونات الكون مترابطة ومتشابكة، وقد وعى علماء الطبيعة أن أي تغير في أي مكون من مكونات هذه الطبيعة يؤدي إلى اختلال نظام الكون كله.
إن انقراض نوع من الحشرات سيؤدي إلى انقراض الحيوانات التي تعتمد عليها في الغذاء كما يؤدي إلى ازدياد نوع آخر من الكائنات التي تقتات عليه تلك الحشرات المنقرضة، ويستمر هذا الخلل على صورة متوالية أحجار الدومينو إلى أن يصيب الإنسان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد أوجز بعضهم هذا التشابك الوجودي بين الأشياء في ما يعرف بنظرية الفراشة، حيث قال أن حركة جناح الفراشة في جنوب العالم قد تتسبب في إعصار في شماله.
الأمر ذاته يحصل حين يخالف الإنسان أمر الله تعالى بالاقتصاد وعدم الإسراف وعدم الإضرار بالآخرين سواء أكانوا بشرا أم شجراً أم حيوانات، فتؤدي معصيته تلك إلى اختلال نظام الكون، فحين قام الإنسان بتلويث البيئة مخالفاً أمر الله تعالى بعدم الإفساد في الأرض، وعدم الإضرار بالحيوان والنبات تتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري التي أدت إلى خلل في المناخ، ومن تجليات هذا الخلل ازدياد معدل حدوث الأعاصير وذوبان الجليد وما يستتبعه من فيضانات بحرية، ونقصان في كميات مياه الأنهار، أما في المجتمعات فقد أدى انتشار المحسوبية والرشاوى إلى غياب العدل وانتشار الظلم وقيام الثورات وسقوط الدول وانتشار الأمراض والمجاعات وغيرها.
في الختام يمكننا القول إن الزلازل والأعاصير وغيرها من الظواهر هي في حقيقتها ابتلاء للإنسان وفتنة، يقول تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}الأنبياء: 35، فهي إن كانت شراً في النفس أو المال أو الأهل فهي ابتلاء، وهي فتنة لبعض الناس الذين يستفيدون من تلك الظواهر فقد يحتاج الناس إلى أسواقهم للشراء أو بيوتهم للإستئجار أو أراضيهم للبناء. بيد أننا لا نستطيع الجزم بأن هذا النواع من الابتلاء والفتنة قد أراد الله تعالى به عذابا أم لم يرد به ذلك، لأن الله عز وجل لم يبلغنا عن إرادته هذه، فالذين يجزموا بأن الأعاصير والزلازل والبراكين عقاب إلهي قد خاضوا في الغيب دون دليل ولا برهان.

* هذا المقال عبارة عن جواب كتب عام ٢٠١٠ لبعض من سأل حول الموقف من الظواهر الطبيعية هل هي عقوبات إلهية أم ليست كذلك، وقد قررت نشره في هذا التوقيت تعليقا على الجدل الحاصل حول الأعاصير التي تضرب الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام هل هي عقاب إلهي أم مجرد ظواهر طبيعية

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.