أبريل 30, 2011 - فكر و حضارة    تعليق واحد

الاعتصامات … لغة التعبير الجماعي

إن مقولة “إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه” ليست محل جدل، بيد أن “المقدار” الذي يحتاجه الإنسان لتأكيد هذه الطبيعة الاجتماعية لا يخلو من جدل، إضافة إلى شيء جدلي آخر وهو “الصيغة” التي يمارس بها الإنسان فعل “الإجتماع”.
ويرى البعض أن قانون “الطبيعة الاجتماعية” للإنسان تتخرج منه قاعدتان أساسيتان، الأولى “أن الإنسان كائن ناطق بطبعه”، والمقصود بالنطق هو التعبير عن الأراء، وما يعتمل في النفس من هواجس ومشاعر وأفكار.
من هذا الباب نلج إلى القاعدة الأخرى، وهي “أن الإنسان كائن سياسي بطبعه”، والسياسة في هذا الإطار ليس المقصود بها ممارسة السياسة في صورتها التقليدية القائمة على فعل تكوين أحزاب ونقابات وجمعيات وحكومات، وإنما هي مجرد الرغبة في تحقيق العدالة ورفض الظلم والطموح إلى العيش الكريم، هذه الرغبة والطموح تشمل في جوهرها جميع الشعارات والمبادئ الأساسية التي تنتصب عليها الإيدلوجيات السياسية في العالم. فالعدالة تستلزم المساواة  والشفافية والمشاركة والشورى، كما أن الظلم يتضمن الاستبداد والفساد والقمع ومصادرة الحريات.
الجدير بالملاحظة هنا، أن قاعدة “النطق” أو ما نسميه بـ “التعبير عن الرأي” تمثل حلقة الوصل بين الطبائع البشرية “الاجتماعية” منها و”السياسية”، وإذا ما تم إعاقة حرية التعبير فإن الإنسان لا شك سيعاني من تصدعات على مستوى الروح والفطرة التي مُنع من إشباعها.
في التراث الإسلامي تنتصب صلاة “الجمعة” التي لا يخفى ارتباط اسمها بطبيعة “الاجتماع” الفطرية كآلية للتعبير أو “النطق” بالحق المتمثل في “ذكر الله” الذي هو إله العدل ومانع الظلم، أي أن هذا الذكر يمثل في حقيقته تلبية للفطرة “السياسية” الإنسانية، بجانب أشياء أخرى يعرفها فقهاء الشريعة.
وهذه الممارسة تتميز عن غيرها من الشعائر في الأديان الأخرى بأنها تركز على تلبية حاجة الإنسان الفطرية لا على المستوى الفردي وحسب، وإنما تتعدى ذلك إلى تلبية هذه الفطرة على المستوى الجمعي. بيد أن هذه الممارسة الاجتماعية والتعبيرية السياسية مؤطرة في حدود احترام العرف والتقاليد والقيم وهو ما يتجلى في النهي عن البيع والالتفات إلى المغانم المادية كـ”التجارة” و “اللهو”.
من هذه المقدمات المفاهيمية يتضح لنا أن الاجتماعات والاعتصامات والمسيرات والمظاهرات ليست سوى انعكاس لطبيعة الإنسان الاجتماعية والسياسية الناطقة، وأن الإسلام قد أوجد وسيلة لممارسة هذه الطبيعة الإنسانية في حدود احترام العرف والتقاليد والقيم الإسلامية القائمة على احترام الآخرين وعدم الإضرار بهم وعدم الاعتداء على الإنسان أو الحيوان أو البيئة.
في عالمنا العربي نعاني من إشكاليات عدة، بيد أني أزعم أن ضمور الوعي المعرفي  خاصة عند أصحاب القرار  في المؤسسات الرسمية العربية هو من أهمها على الإطلاق. فجميع الدول العربية بلا استثناء تفرض قيودا شديدة بدرجات متفاوتة على ممارسة الناس لطبائعهم التكوينية المتمثلة في حرية التعبير والاجتماع والمشاركة السياسية، كما أن الشعوب العربية تعاني من انحسار في الوعي المعرفي المرتبط بالتقاليد والأعراف والقيم الضابطة لممارسة مثل هذه المظاهر التعبيرية، فلهذا نجد الشعوب العربية تميل في كثير من الأحيان إلى الانفلات من تلك الأعراف والقيم وتظهر بالتالي صور تعبيرية غير حميدة تتجلى في مظاهر العبث والتخريب والاعتداء على الممتلكات.
قطعا ما شهده العالم العربي في الشهور الثلاث الماضية من أقصاه إلى أقصاه من مظاهرات واعتصامات سلمية خالية من مظاهر العنف والتخريب يعطينا شعورا بأن فجرا معرفيا جديدا بدأ يبزغ في سماء الوعي العربي، وأن الشعوب العربية –في كثير من الأحيان استبقت أنظمتها في التحلي بقيم وأعراف التعبير الحضاري عن طبيعة الإنسان الإجتماعية والسياسية، وأننا أمام تحول ثقافي كبير سيعيد رسم ملامح الواقع والمستقبل العربي، يتسم بتلبية حاجات الإنسان الفطرية، الإجتماعية منها والسياسية، في فضاء رحب من حرية التعبير المنضبطة في إطار القيم والأعراف الثقافية.

تعليق واحد

  • في البداية احب ان اتوجه بسؤال واحد .. و هو
    في تاريخ العالم المعاصر , أي ثورة نستطيع ان نقارن بها هذه التظاهرات و الثورات الشعبية الحالية؟

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.