يوليو 12, 2011 - فكر و حضارة    2 تعليقان

الإعلام العربي بين سندان المهنية ومطرقة الثورة

تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن الإبهار البصري يمثل المصدر الأهم للمعلومات بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، ويحتل التلفزيون موقع الصدارة في جذب اهتمام الناس مقارنة ببقية المصادر المعلوماتية كالانترنت والهواتف والإذاعة والجرائد والمجلات والكتب.

وقد نبه كثير من الباحثين إلى خطورة وسائل الإعلام –خاصة المرئية- في التلاعب بالعقول وتوجيه الرأي العام والتحكم بخيارات المجتمعات خدمة لأجندات المتحكمين في تلك الوسائل، وربما أبرز المؤلفات في هذا الموضوع كتاب “مهاجمة العقول” لنائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور الذي أوضح فيه المدى الهائل لتأثير التلفزيون على صناعة وتوجيه الرأي العام وكيف تستخدم الاستخبارات والمؤسسات المختلفة هذا الجهاز لتمرير أجنداتها وتبرير مواقفها وحشد الجماهير تأييدا لمرشحيها.

في عالمنا العربي تمثل قناة الجزيرة والقنوات الإخبارية الأخرى كالعربية والبي بي سي أهم مصادر الأخبار، وهي توفر قدرا أكبر من الحرية والموضوعية في التعاطي مع الشأن العربي مقارنة مع الإعلام الرسمي العربي الذي يعاني من إشكالات بيروقراطية وإيديولوجية عدة.

إيديولوجيا الإعلام العربي:

إذن تمثل قناة الجزيرة والعربية والبي بي سي المؤثر الأكبر في صناعة الرأي العام العربي، فما هي الإيديولوجيا التي تنتصب عليها هذه المؤسسات، غير خاف أن قناة البي بي سي هي قناة مملوكة للحكومة البريطانية، ومع أن القناة تدعي انعدام التأثير الحكومي البريطاني على سياسيتها، نجد أن البي بي سي قررت وقف البرامج العربية الجريئة التي كان يقدمها المذيعون الذين انتقلوا بعد ذلك إلى قناة الجزيرة بسبب تخوف الحكومة البريطانية من إثارة حساسية الحكومات العربية من جرأة طرح القناة، كما قامت الحكومة البريطانية بفصل رئيس القناة حين خالف توجهات توني بلير أيام حرب احتلال الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق.

قناة العربية لا تخفي تبنيها سياسيات المملكة العربية السعودية فهي مملوكة للأمير السعودي الوليد بن طلال، وقد ثارت ضد القناة انتقادات كبيرة بسبب تبنيها لسياسية دول الاعتدال العربي الذي كان يدعو وما يزال إلى التقارب مع إسرائيل ونبذ المقاومة المسلحة.

تعتبر قناة الجزيرة الأكثر شعبية عربيا، وهي الأكثر جرأة والأكثر تأثيرا على الرأي العام العربي، ومع أن هذه القناة تدعي استقلاليتها التامة عن سياسة دولة قطر الراعية للقناة، إلا أن المتتبع لخط سير القناة ومعدّي برامجها سيكتشف أنها تحاول المزاوجة بين الفكر القومي العربي وبين الفكر الإسلامي السياسي المتمثل في الإخوان المسلمين، فقطر كانت منذ سبعينيات القرن الماضي ملجأ لقيادات الإخوان الذين فروا من مصر مثل محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، وهي كذلك ملجأ لبعض منظري القومية العربية مثل عزمي بشارة.

قناة الجزيرة والتحول الثوري

مع بدايات الأحداث في تونس تسابقت القنوات العربية لتغطية الأحداث، ولعل قناة الجزيرة كانت الأكثر اقتدارا لا على تغطية الأحداث فحسب، بل وعلى حشد التعاطف الشعبي العربي مع المتظاهرين والمطالبين بإسقاط الأنظمة العربية الحاكمة، تميزت تغطية الأحداث التونسية بكثير من المهنية الإعلامية والانضباط مع مبادئ العمل الصحفي، بحيث كانت الجزيرة تحاول بقدر الإمكان نقل الرأي الذي يمثله المحتجون والرأي الآخر الذي يمثله النظام الرسمي، بيد أن هذه المهنية بدأت في التواري رويدا رويدا مع اشتداد وتيرة الاحتجاجات في كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا، وأضحت الجزيرة في رأي البعض قناة موجهة لتدعيم رأي الثوار والمحتجين.

لقد دخلت قناة الجزيرة نفق الثورة فلم تخرج منه إلا بعد إن صارت في أعين كثير من المتابعين قناة ثورية تعتمد التأجيج والحشد والتوجيه، لقد تحولت قناة الجزيرة من قناة مهنية محترفة إلى قناة ثورية يتهمها البعض باعتماد التحريض ضد الأنظمة الحاكمة وترويج الشائعات عنها من خلال نشر أخبار غير مؤكدة عن فساد تلك الأنظمة والأموال التي يمتلكها رموزها.

الإعلام بحسب الخبراء يقوم بأدوار رئيسة ثلاثة، نقل الأخبار والترفيه والتنوير، وقد استطاعت الجزيرة بجدارة أن تكون القناة الأكثر نموذجية من حيث كونها الأولى عربيا في نقل الأخبار والأولى عربيا في التنوير من خلال برامجها الحوارية والتسجيلية المتميزة، إضافة إلى مجموعة ليست بالقليلة من برامج الترفيه التي تغطي أخبار السينما والرياضة والإبداع الكتابي، بيد أن الجزيرة عطلت أغلب برامجها التنويرية وجميع برامجها الترفيهية واستبدلتها ببرامج مباشرة لدعم الثورات وحشد مزيد من المتعاطفين والتحريض  -حسب رأي البعض- ضد أنظمة الحكم في دول عربية أخرى.

لقد تخلت قناة الجزيرة عن خطابها النخبوي المتزن الذي يرتقي بالعربي فكريا، ويعتمد منهج التمنية المعرفية للإنسان العربي، واستبدلته بخطاب شعبوي يهبط بالنخبة العربية إلى مستوى التسطيح والحشد والتوجيه واستلاب الإرادة.

الجزيرة والانشطار المهني

إن توصيف حالة الانشطار التي تمرّ بها قناة الجزيرة وانفصامها عن مبادئها التي قامت عليها، وهي مبادئ المهنية وحرية والتعبير ونقل الرأي والرأي الآخر يمكن تأكيده من خلال عدة مظاهر أهمها عدم السماح لممثلي الأنظمة العربية بنقل وجهة نظر الرأي الآخر إلا لماما، وفي تلك الحالات النادرة التي يتحدث فيها ممثلو الأنظمة العربية يعتمد مذيعو القناة منهج التشكيك في مصداقية تصريحات المسؤولين والانتصار لرأي الثوار، في الجانب الآخر تعتمد القناة أخبارا ينقلها أناس مجهولون في اتصالات مباشرة تجريها القناة معهم، ويزعم هؤلاء المتصلون أنهم ممثلون للثوار أو أنهم شهود على أحداث تعتمدها الجزيرة باعتبارها حقائق لا تقبل الجدل. بالتأكيد يمكن تفهم صعوبة التثبت من كافة الأخبار، لعدم وجود مراسلين للقناة في كل الأماكن، بيد أن كثافة مثل هذه الاتصالات، ومحاولة مذيعي القناة توجيه المتصلين ودفعهم إلى الإدلاء بشهادات تدين الأنظمة تدعو المتابع إلى التشكيك في مهنية القناة، ولعل المتابع لتغطية الجزيرة لأحداث الثورة المصرية يتذكر ظهور مجموعة من رموز الإسلام السياسي كيوسف القرضاوي والوعاظ أمثال سلمان العودة ومحمد العريفي وغيرهم الذين أفتوا وعلى الهواء مباشرة بعدم جواز الحياد في نقل الأخبار، ووجوب نصرة المستضعفين (الثوار) حسب مفتيي قناة الجزيرة، والعجيب أن تلك الفتاوى جاءت بإلحاح من مذيعي الجزيرة أنفسهم، وكأنهم يبحثون عن غطاء عقائدي يبرر انزياح أدائهم باتجاه الثورة وما فيها من حشد وتأجيج بعيدا عن المهنية ومبادئ العمل الإعلامي المتوازن.

الثورة وإسقاط قضايا الأمة

طغت أخبار الثورات العربية في قناة الجزيرة على جميع الأخبار الأخرى حتى تلك المرتبطة بقضايا الأمة المصيرية مثل تقسيم السودان والصراع العربي الصهيوني، واحتلال العراق، والحرب الأمريكية على الإرهاب، حتى مقتل أسامة بن لادن لم يشغل الرأي العام العربي بسبب قلة الاهتمام الإعلامي خاصة من قبل القناة الأكثر شعبية في العالم العربي.

منذ بدء ربيع الثورات العربية حصلت تطورات كبيرة في القضية الفلسطينية لم تلق اهتماما إعلاميا مناسبا، فالفلسطينيون قرروا بالإجماع إعلان دولتهم في حدود 1967م وقرروا رفع الأمر إلى مجلس الأمن، لكن إسرائيل وأمريكا تعارضان هذا القرار وتخططان لإفشاله، والفلسطينيون يتفقون بعد أربعة أعوام على تشكيل حكومة ائتلاف وطني، وأسطول الحرية الثاني المتجه إلى غزة لم يجد دعما إعلاميا عربيا كما حصل أيام أسطول الحرية الأول، ورائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة تم اعتقاله في السجون البريطانية لمنعه من المشاركة في مؤتمر لدعم القضية الفلسطينية، السودان الدولة العربية الأكبر انشطرت إلى نصفين، وغيرها الكثير من الأحداث التي مرت على الشارع العربي مرور الكرام، لأن هذا الشارع موجه بالمطلق من قبل الإعلام الثوري المتأهب لإسقاط الأنظمة العربية.

إن أبسط حدث من هذه الأحداث كان يمكن أن يشغل -كما عودت الجزيرة متابعيها- الرأي العام العربي لأسابيع عدة قبل وقوعه وبعده، بيد أن الجزيرة في نسختها الثورية باتت تمارس أدوارا يراها صناع سياستها نضالية فأسقطت من حساباتها قضايا الأمة المركزية، الأمر الذي يعضده الشريط المنشور في الانترنت والذي جمع مذيع قناة الجزيرة علي الظفيري مع عزمي بشارة في لحظة استراحة لأحد البرامج فتساءل بشارة للظفيري: لقد أخرجت كل عقدك ضد سوريا. فقال الظفيري لبشارة: اسمع كلامي وبيض صفحة المؤسسة. فإن كان المفكرون التقليدون الذين تعتمدهم الجزيرة في تحليل أخبارها مطالبون بخدمة أجندتها الثورية فما هو الدور الذي تتطلع القناة أن يقوم به المشاهد البسيط؟.

إن موقف قناة الجزيرة من حركة الاحتجاج في المملكة المغربية يفصح بلا مواربة اصطفاف القناة مع المتظاهرين ودعمها الثوري لحركة الاحتجاج بغض النظر عن كون الحركة الاحتجاجية تلك ممثلة لرأي الأغلبية أو الأقلية من الشعب، فقد ضخمت الجزيرة حجم الحركة الاحتجاجية في المغرب، وبالغت في تصوير حالة الرفض الشعبي للإصلاحات الدستورية التي اقترحها الملك محمد بن عبدالله الثاني، وإذا بنا نفاجئ أن 98% من الشعب المغربي موافقة على مقترحات الملك!

الانحراف الإعلامي والطائفية

لقد استطاعت قناة الجزيرة منذ نشأتها توحيد الرأي العام العربي والإسلامي، وتوجيهه نحو الالتفاف حول هويَتي العروية والإسلام، وقد عملت تغطيتها المتوازنة لأحداث العراق ولبنان وفلسطين إلى شعور العرب بوجوب التعالي على الهويات الضيقة التي تمثلها الأثنية والطائفة، بيد أن الانحراف عن المهنية في تغطية الحدث السوري وعدم الالتفات بنفس الاهتمام إلى الأحداث الملتهبة في البحرين دفعت بكثير إن لم يكن كل الشيعة في العالم العربي والإسلامي إلى اتهام الجزيرة بالتحريض الطائفي ودق طبول الحرب ضد الطائفة الشيعية، وهذا الموقف الشيعي المتوجس من توجه قناة الجزيرة وأدائها تمثل بصورة صارخة في انسحاب الإعلاميين الشيعة الكبار من قناة الجزيرة مثل غسان بن جدو وعباس ناصر، ولأن كان غسان بن جدو يُعد نموذجا للاعتدال الشيعي فعلينا أن نتصور حجم الحنق المتأجج لدى متعصبي الطائفة الشيعية.

إن لمهنة الإعلام ونقل الأخبار مسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة أجمعت الرسالات السماوية والفلسفات البشرية على وجوب تأطيرها وفق منظومة القيم وقواعد الأخلاق، وحين ينحرف الإعلامي عن سبيل القيم والأخلاق الإعلامية الرفيعة فإن تأثير ذلك الانحراف قد لا يقتصر عليه وحده بل ربما طال الأمة جمعاء كما حدث الآن من جرح كبير أحدثته –عن غير قصد- قناة الجزيرة بين طوائف المسلمين، وهو جرح نفسي عميق ربما لن يندمل في القريب العاجل.

هذا المقال نشر في ملحقات شرفات بجريدة عمان بتاريخ 12/7/2011

2 تعليقان

  • إن أكثر ما شد إنتباهي في هذا المقال تسلسل افكاره
    قناة الجزيره فعلا اصبحت بين إثبات الموضوعيه ومناصرة الثورات العربية

    وننتظر

  • احييكم على المدونة الرائعة واتمنى لكم التوفيق ان شاء الله

اترك تعليق

يجب عليك تسجيل الدخول لكي تترك تعليق.