سجل التاريخ مدونات أدبية كثيرة لا يُدرى قائلها، فبعض أبيات الشعر التي تُعد اليوم مرجعاً للترجيح في الدلالة اللغوية داخل قواميس اللغة لا يُعرف أصحابها، بل إن بعضها الآخر تمت نسبته إلى بعض أعلام شعراء الجاهلية ظناً وتخميناً لا قطعاً ويقيناً. ومع وصول شبكة الانترنت إلى عالمنا العربي بدأت ظاهرة “منتديات الحوار” تطغى على جميع أشكال استخدامات الانترنت الأخرى، وهذه الظاهرة تكشف بعمق حالة الكبت “الحواري” التي يعاني منها العربي.

ليس الواقع السياسي وحده المسؤول عن الكبت “الحواري” الذي تم تفجيره في منتديات الانترنت بل هناك ما هو أعمق، إنه الكبت الفكري والثقافي والاجتماعي، فالعقل العربي كما تشكل بعد عصور الانحطاط قائم على تقديس الرأي الواحد، وتدنيس كل رأي مخالف، الحوارداخل الأسرة لا ينتهض إلا من خلال مصادرة الذكر حق المرأة في التعبير، والأمر ذاته يتكرر على مستوى القبيلة والسلطة السياسية. ذات الأمر ينسحب أيضا على الفقه الذي اعتمدت فيه كل مدرسة أقوال مجموعة من فقهائها باعتباره مدونة مغلقة الخروج عليها هو خروج عن الدين وعمالة لأعداءه.

ظهور منتديات الحوار التي تسمح للجميع بالتعبير دون اعتبارات جنسية أو قبلية أو سياسية، والمشاركة بأسماء مستعارة، أوجدت للناس في العالم العربي منفذاً لتفريغ شحنات الكبت الفكري والثقافي والسياسي، وقد وقفت المؤسسات الرسمية العربية مواقف متباينة من هذه المنتديات الأمر الذي يعكس ضعف بعض هذه المؤسسات عن قراءة واقع مجتمعاتها ومتطلباته الفكرية والنفسية.

كُتاب المنتديات المتخفين وراء الأقنعة العنكبوتية متمايزون في كتاباتهم، فهناك من يخط كلمات أقرب إلى كلام السوقة والعوام مبنا ومعنا، وهناك من يُبدع أفكاراً ونصوصاً أرقى من الكثير مما تنشره الملاحق والمجلات الثقافية والأدبية.

شخصياً كانت لي تجارب كثيرة مع أقنعة العنكبوت في أكثر من منتدى حواري، فهي تغري بالمشاركة بسبب تميزها بالتخفف من قيود الرسميات في الكتابة والصرامة في المراجعة، إن ما يُكتب في الشبكة بقناع العنكبوت هو أقرب إلى المُسَودة حيث لا يلتزم فيه الكاتب بمراجعة النص المكتوب، وأحياناً يجد الكتاب خلف القناع العنكبوتي أنه يُفكر بصوت مسموع، فكل ما يخطر بباله يفرغه في المنتدى دون تبصر بالعواقب وتمهل في الطرح.

إن أكبر مشكلة في قناع العنكبوت تضيعه لحق الملكية الفكرية، فما تكبته بالقناع يصير حقاً مشاعاً للقراء في العالم أجمع، ولا يستطيع أحدُ ما ادعاء ملكيته للنص المدَوّن، وقد حاول البعض الكتابة في هذه المنتديات باسمائهم الشخصية لكنهم يواجهون صعوبة التعامل مع أصحاب أقنعة العنكبوت الذين يسيء بعضهم إلى كل من يختلف معه في الفكرة سواء أكتب باسمه الشخصي أم تخفى خلف قناع.

ستظل ظاهرة المنتديات الحوارية حية ومتفاعلة في عالمنا العربي ما لم يتم دراسة هذه الظاهرة ومحاولة معالجة أسبابها، أما إغلاق بعض المواقع بسبب الازعاج الذي تسببه الانتقادات التي توجهها إلى بعض المؤسسات فإنه لا يخدم سوى تعزيز ظاهرة الكبت الحواري والدفع نحو انفجار آخر ربما لا يكون حوارياً.

أود التنبيه إلى أن هذا المقال قد تمت كتابته في اليوم الثالث بعد الإعصار أي في تاريخ 8/6/2007، وقد كتب بعفوية مسترسلة بعيدة عن التكلف البلاغي والتأنق الأسلوبي، فهو يمثل لحظة الانسكاب الأولى، (more…)

زكريا بن خليفة المحرّمي

العقود الفضية نموذجاً 

 لم يكن اختيار كتاب “العقود الفضية في أصول الإباضية” لسالم بن حمد الحارثي مدفعواً بنزعة مذهبية كما يظن متطرفوا العلمانية الذين أصبحت تهمة المذهبية سلاحهم ضد أنصار التراث العربي والإسلامي بعد الفتنة التي أججها أعداء الأمة في العراق ولبنان وغيرهما،  (more…)

زكريا بن خليفة المحرّمي
القراءة الإسلامية للتاريخ:

كعادتهم لا يفتأ المستشرقون عن الانتقاص من تراثنا، فالشرق لديهم ليس “سوى مكاناً للرمْنَسَة والكائنات الغريبة المدهشة”، 

(more…)

زكريا بن خليفة المحرّمي

 العلمانية بين الارتدادت والأفول

حدثت في ألمانيا مناظرة فريدة بين بابا الفاتيكان الحالي جوزيف راتسنجر الملقب بـ “بنديكت السادس عشر” وبين الفيلسوف الألماني يورغن هامبرس في مدينة ميونخ عام 2004 بعنوان (في ما يسبق الأسس السياسية للدولة الديموقراطية)،  

 

  (more…)

زكريا بن خليفة المحرّمي

 مدخل:
التاريخ ليس وحيداً في معتقلات الجهل والتجهيل التي يمارسها سدنة الإيديولوجيات المنغلقة دينية كانت أم مادية، فالحاظر والمستقبل يعيشان نفس حالة الأسر في سجون التفسيرات السحرية تارة والتأويلات الجامدة تارة أخرى.
  (more…)

الباحث زكريا المحرمي لـ ( اشرعة ):
*
العقل العربي تم صياغته على مدى التاريخ وفقاً لمبدأ الرؤية الشمولية المطلقة والثقافة الإسلامية بما هي عليه الآن لا يمكنها الصمود أمام رياح التغيير.

(more…)

إعداد: د. زكريا بن خليفة المحرّمي

منهج أركون وصراع الهوية :

من خلال القراءة السريعة نتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الأطروحة الأركونية تعاني من خلل على مستوى المنهج والتطبيق، لقد تبدى لنا واضحاً التأثير العكسي لحالة الاستلاب التي يعاني منها الطرح الأركوني، كما تجلى بوضوح مفعول الصدمة الحضارية الغربية التي طبعت الفكر الأركوني ليس على مستوى التطبيق فحسب بل حتى على مستوى البنية المعرفية.

(more…)

إعداد: د. زكريا بن خليفة المحرّمي 

اللغة العربية والحصار المزدوج  

أما فيما يتعلق بموقف أركون من اللغة العربية فيكفي أن نستشهد منه بالأقوال التالية: (إذا استمر الفكر زمناً طويلاً وهو يكتفي بترديد ما تسمح به اللغة والنصوص العقائدية والرامزات الثقافية وإجماع الأمة ومصالح الدولة بالتفكير فيه، فإنه يتضخم ويثقل ويتراكم. ويسيطر على العقل عندئذ ما لم يُفكّر فيه بتلك اللغة وفي تلك الدائرة المعرفية وتلك الحقبة التاريخية. وهذا ما يختبره كل عربي ناطق باللغة العربية فقط، ولا يعرف غيرها من اللغات الأجنبية الحديثة، أقصد اللغات التي كيّفتها الثورات الفكرية والعلمية والفلسفية الحديثة) [أركون “الفكر الأصولي” ص11].

(more…)

إعداد: د. زكريا بن خليفة المحرمي :

لقد أيقظ دوي مدافع نابليون بو نابرت وهي تدك أسوار القاهرة إحساساً إسلامياً عارماً بتخلف الأمة الإسلامية في قبال النهضة الحضارية الأوربية، وقد قف المفكرون المسلمون حيال الصعقة الحضارية الأوربية موقفين، الأول هو موقف المنبهر بالحضارة الأوربية وعلومها الفلسفية والإجتماعية والسياسية والتقنية وعرف هذا الصنف بـ “الحداثيين” أو “الليبراليين”. الموقف الثاني مثله الناكصون إلى الثقافة الإسلامية بكل إرثها الحضاري، وعرف هذا الصنف بـ”السلفيين”.

(more…)

مزاحمة النص القرآني:

“مثناة كمثناة أهل الكتاب” إن هذه المقولة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب [13] على قصرها وقلة ألفظاها إلا أنها تكتنز بمعاني تفيض منها الحكمة العمرية التي تشربت من معين القرآن الكريم، فاليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وأضافوا إليها من أقوال أحبارهم ورهبانهم ما يصد عن سبيل الله واتباع سبيل المرسلين،  

(more…)

فرض الله تعالى على أوليائه وأحباءه صيام رمضان لا ليشق عليهم ولا ليضعفهم وإنما ليزرع التقوى في قلوبهم، يقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}البقرة: 183، وقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يفصح عن المعاني العظيمة لفريضة الصوم التي نختمها في هذا المبارك بعد شهر من الدروس الرمضانية المكثفة في التقوى، وبعد انقضاء هذه الدورة الإيمانية علينا جميعا أن نستحضر معانيها الربانية في حياتنا في أيام العيد وما بعدها لنكون فعلاً ممن اجتاز دورة التقوى الرمضانية بنجاح وفلاح.  

(more…)

طلب مني بعض الإخوة الحديث عن ما يتضمنه قوله تعالى {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}الإسراء: 36 من إعجاز علمي! ومع أني أتحفظ كثيراً على ما يشاع ويذاع حول الكثير من مزاعم الإعجاز العلمي في آيات القرآن الكريم لإنها تعتمد في جلها على التباس مفهوم “القانون الكوني” الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله {سنة الله} وبين “النظرية” التي هي محاولة لتفسير بعض الظواهر من خلال منظومة علمية منطقية دون القطع يقينا بصحة هذا التفسير.

(more…)

هنا تكمن الأزمة
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدي أما بعد 
كان المنظرون الإسلاميون فيما مضى يقولون أن الأمة تقف على شفا الهاوية بسبب أوضاعها المأساوية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ونحن اليوم لا نملك إلا أن نقرّ بسقوطنا في جرف الهاوية إن لم نكن في قعرها أصلاً!
 

(more…)

إزاحة النص القرآني:

 نكون متفائلين جداً إن زعمنا أن مكانة النص القرآني لم يتم اغتصابها وتسليمها إلى أطنان المرويات التي تم سكها وتعليبها ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي عرفت فيما بعد باسم “السنة النبوية”، وواقع الأمة يشهد أن هذا التفاؤل ليس في محله وأن الذي حدث على حين غفلة من الأمة أن القرآن الكريم قد فقد مكانته التشريعية في ضمير الأمة تدريجياً،  
 

(more…)

الإشكالات الإقتصادية التي خلقتها الرواية

لا شك أن الجانب الاقتصادي مرتبط موضعياً وموضوعياً بالجانب السياسي، فحيث يكون استبداد وظلم وجور يتزعز الاستقرار النفسي والاقتصادي للمجتمع، ولم يكتف أهل الحديث بإحداث مأساة سياسية ما تزال الأمة تعيش ويلاتها إلى يومنا هذا بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك في محاصرة الأمة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، فكما هو معلوم أن القرآن الكريم جاء بقواعد مطلقة تنظم الحركة الاقتصادية المتغيرة، وهذه القواعد هي:

(more…)

   بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.    أما بعد..  ليس كتاب “الصراع الأبدي” سوى حلقة في سلسلة مشروع الإصلاح الفكري والثقافي والحضاري الذي افترضته علينا النصوص المقدسة في الكتاب الخالد، وسنة الأولين من المصلحين أنبياء ومفكرين. كان من السهل علينا التواري في ظلام التعامي والتسطيح لأزمتنا الحضارية، ولكن الهاجس الذي أيقظ فينا الشعور بخطورة الأزمة هو الذي وجه طاقتنا نحو مواجتها وعدم دس رؤوسنا في تراب الهروب والتبرير للفشل. (more…)

قد يستغرب القاريء الكريم عنوان المقال، وربما لا يروق له إمضاء قسط من وقته الثمين في استحضار قضية تاريخية كالتي نحن بصددها!، بيد أني أزعم أن المعاني العظيمة التي تكتنزها هذه الحادثة وآثارها في عموم الخطاب الإسلامي وأصوله وفصوله كفيلة بإرواء عطش القاريء النهم لكل ما هو بحاجة إلى إعادة قراءة وتصحيح رؤية وتصويب مسار في تراثنا وحاضرنا الإسلامي الذي وصل إلى درجة الجمود والتيبس وعدم القدرة على النهوض والعطاء والاستمرارية بسبب ابتعاد الأمة عن المنهج الرباني القائم على التدبر والنقد والفحص والنظر الكلّي البناء القائم على الاتصال بين الجزيئات واعتمادها بدلا عن منهج التفكيك والتجزيء والانفصال. (more…)

  

إن الحديث عن المستقبل إنما ينم عن فهم وإحاطة بالواقع، وواقعنا اليوم يصرخ بحقيقة الصراع المعلن والخفي بين الثقافة الغربية الليبرالية وبين الثقافات المتدينة عامة والثقافة الإسلامية خاصة، ولأن الليبرالية قائمة على تحطيم جميع القيود الاقتصادية التي يمكن أن تحجر حركة رؤوس الأموال وتحدّد انسيابية أطنان العائدات المالية إلى جيوب المؤسسات المالية العملاقة الجشعة للمال والسلطة تعتبر الليبراليةُ القوالبَ الاجتماعية والثقافية المنضبطة وفق قواعد وأعراف معينة عقبة يجب تحطيمها لضمان أسواق مستباحة ومستهلكين منقادين وراء الدعايات التسويقية التي تتحكم في العقول فتوجهها نحو مزيد من الاستهلاك وضخ الأموال في جيوب المؤسسات المالية تلك.

(more…)

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

 

إخوتي وأخواتي الكرام أرحب بكم في هذه المدونة التي أرجو من الله تعالى أن يجعلها حبلاً ممدوداً للتواصل بيني وبينكم لأستفيد من آرائكم وأستنير برؤاكم، فالحوار يثري الأفكار، والعقول إن اجتمعت أبدعت.

 

ولا يفوتني في هذا المقام أن أشكر الإخوة المؤمنين الصادقين العاملين الذين أخرجوا هذه المدونة والموقع إلى النور، فجزاهم الله عني وعن الإسلام والمسلمين كل الخير، ووفق الله مسعاهم وأعانني وإياهم على تقوى الله والثبات على دينه.

 

زكريا المحرمي

3/12/2006

« الصفحة السابقة